الرؤية السياسية الإيرانية :

كسروية طائفية . . . أم فارسية صفوية

 

موقع عربستان ـ بقلم : باقر الصراف *

الحلقة الأولى

 

ـ 1 ـ

    يتردد في هذه الأيام ، وبكثرة ، مصطلح ((الفارسـية الصـفوية)) في الكتابات السياسية التي تمّس القضية العراقية ، أو التي تعكس هموم العراقيين كلهم ، إلا مَنْ تماهى مع الرؤية الأيديولوجية للقيادات الإيرانية الحالية بشقيها السياسي الفارسي والمتعصب مذهبياً . كون هذا المفهوم ذا سيرورة تاريخية مستمرة ، ودالـّة على نزوع قومي فارسي : عنصري ضد العرب العراقيين خصوصاً،وهو مثال ملموس في الرؤية الطائفية ـ مثلاً ـ مجسَّـد عملياً وفعلياً خارج نطاق التجارب الإنسانية في إطارها الإسلامي،وإنْ غـُلف عبر مخاتلات ((فكرية)) طابعها ((المقدس)) غير القابل للتساؤل،من وجهة نظرهم،أساسه النصُّ المتوارث،ومن دون الاِحتكام إلى أية منهجية عقلية سليمة تستخلص ما هو في التاريخ من خطأ أو صواب .

 

    إننا لا نجد أية شعوب مسلمة أو أيٍ قسم من المسلمين على كافة توزيعاتهم الجغرافية والقومية ، يكرهون العرب والعروبة مثلما تكرهها الأمة الفارسية ، كما يقررها حكامها السياسيون السابقون واللاحقون ، وبعض المجتهدين في المذهب السـائد في سـلطتها ، على ما في ذلك من مخالفة لنصوص نبوية وقرآنية كثيرة ، من جهة ، ومناقضة لمجرى تاريخي عربي إسلامي مفعم بالإيثار والتعامل الإنساني مع الآخر ، فالعرب : كشعب وحضارة مثلاً اِرتضوا أنْ يخضعوا للعثمانيين طوال أربعة قرون من دون أنْ يخالفوا الرؤية الإسلامية من حيث الموقف السياسي ـ على سبيل المثال ـ ولم يثورا على العثمانيين إلا بعد صيرورة البورجوازية القومية الطورانية وتعبيرها السياسي : تنظيم جمعية الاِتحاد والترقي هي المظهر الرئيس في السلطة العثمانية ، وإقدامها على التتريك الوظـيفي والتتريك اللغوي ، [1[ ، بعد تشـبعها بالأيديولوجية الطـورانية ، وبتعبيرٍ أدق ـ وفق الاِستخلاص الذي كتبه محمد عابد الجابري ـ فإنَّ {مفهوم ((العروبة)) يتحدد ، ليس بالعلاقة مع ((الإسلام)) ، لا كدين ولا كحضارة ، بل بالعلاقة مع ((الآخر)) التركي الحكم المتحكم} . 

 

     فهل تكون هذه الظاهرة . . . ظاهرة السياسة الصفوية الفارسية ضد العرب والعروبة ، ناجمة عن رؤية تاريخية لها أبعادها الفكرية المتأصلة في الرؤية الطائفية المذهبية وتجسداتها العملية في الواقع السياسي الراهن ، الحديث والمعاصر ، من حيث الموقف والممارسة على الصعيدين الأحوازي والعراقي وبعض بلدان الخليج العربي ؟ ! . . .

     نعم ، نقول هذا الاِستخلاص . . .

    وـ كذلك ـ نؤكد الجواب الإيجابي : نعم مرة ثانية وعن وعي تام .

 

      يُبررْ هذا الاِستخلاص الواقعي في الواقع : بالاِستناد إلى وقائع تاريخية ملموسة عند كل مَنْ يفكـِّر سياسياً ويتبصر في الوقائع التاريخية ولا يشدّه التعصُّب الأيديولوجي لطائفته المذهبية ، أو لا تحتكر موقفه السياسي الأموال الكبيرة المدفوعة من الخزينة الإيرانية بذرائع ما يُسمى ((سهم الإمام)) أو ((الخـُمس)) ، في حين يعلم الجميع أنَّ هذه الأموال لن تدفع إلا للحاشية المحيطة بالمجتهدين ، وبعض الأقرباء والمريدين للسادة ((المجتهدين الكبار)) ، ولكنها الآن تدفع الآن لمسؤولي الأحزاب الطائفية والمنظمات الأيديولوجية والتنظيمات الثقافية من أصحاب التوجهات السياسية الإيرانية ، ومريدي رؤيتها ((الفارسية الصفوية)) ، وبذرائع متعددة : سياسية أو ((دينية))  .

 

    في الحقيقة ، أنَّ سبر غور التاريخ منذ نشوء هذا المفهوم وصيرورته مظهراً رئيساً في إيران الحالية التي تزعم فيها نيابتها عن ((الرؤية الإسلامية)) العالمية ـ إنْ لم تكن قبلها ـ يوضح بما لا يقبل الشك أو إمكانية الدحض ، أنه مليء بالإشارات العملية والفكرية الموحية بقوة ترفض أية مخاتلات على أي مستوى كان ، التي تبرهن على تلك النزعة العنصرية : ((الفارسية الصفوية)) المتوسدة في الذهن الفارسي الموروث منذ زمانٍ بعيد  ، وتراكمها الكمي والنوعي منذ اِنبلاج فجر الرسالة الحضارية : العربية الإسلامية الأولى ، والقضاء على الإمبراطورية الكسروية الفارسية التي كانت قائمة في خراسان الفارسية خلال حروب الفتح الإسلامي للعراق العربي  ، وتحرير أبنائه من السطوة الكسروية وتحقيق هزيمة الفرس المبينة في معركة ((القادسية الجبارة)) ، [2] .

 

     لقد تعمقت مشاعر الرؤية الفارسية الصفوية في المرحلتين الحضاريتين : الأموية والعباسية ، وإنْ كانت تتخذ من ((مفهوم الشعوبية)) عنواناً لها ، كما اِشتق تعبيرها أو مفهومها الأديب العربي أبو عثمان الجاحظ الذي عاش خلال سنوات 775 ـ 868 [ميلادية] والمولود في مدينة البصرة ، وهو من أئمة الأدب العربي العبّاسي ، كما هو معلوم .

    واِستمر المسؤولون الفرس في تمجيد الشاعر الفارسي الفردوسي ، خلال الوقت الراهن : الحديث والمعاصر ، وهو الذي طعن بالعروبة والعرب بشـكل بذيء ومفعم السـوداوية . . . شـكـَّل ويشكـِّل اِستمرارها  نموذجها الأبرز وإنْ لم يكن الأوحد ، كونه مجرد مؤشر على تواصل ذلك الحقد التاريخي القديم مع الغل الفارسي الصفوي الحديث أو المعاصر ، لقد حرص الرئيس السابق محمد خاتمي ـ مثلاً ـ على تقديم ديوان الفردوسي المطبوع في المطابع الحكومية في طهران  والموشى بالذهب إلى البابا الذي كان الشخص الأول في المذهب الكاثوليكي المسيحي والرمز الأكبر لجمهورية الفاتيكان  ، باِعتبار ذلك الديوان هدية من مسؤول إيراني له موقعه السياسي السابق ومركزه المعنوي الراهن ودوره الأيديولوجي الحالي ، لحظة زيارته للفاتيكان ، وحديثه الذي أعلن فيه : عن حمده لله أنْ أصبحوا مسلمين ولم يتحولوا للعروبة ، في دغدغة للعواطف السياسية المضادة للعرب عند الغرب السياسي المتعولم ، من جهة ، وتأكيد نوعية هذه الهدية الفردوسية على التعصب الفارسي الذي يتحكم في قناعات خاتمي الأيديولوجية ، من جهة أخرى .

 

     وهي في أية حال ، تلخص القناعات التاريخية عند عموم الرموز الفارسية الحاكمة ، كما تبرهن على سيرورتها السياسة الإيرانية الراهنة تجاه العراق ، من ناحية أولى ، مثلما يكشف ذلك الحديث المستفيض للرئيس الإيراني السابق عندما يتحدث عن الحضارة المصرية والإيرانية الفارسية والهندية ، وتجاهله المتعمد للحضـارة العربيـة الإســلامية عند الحديث مع البابا والأجهزة الإعلاميـة ذات الاِهتمام بشـؤون البابوية . . . يكشف عن الحقيقة الفعلية لدواخله الفكرية والعنصرية المترسبة في تشـَكـُل أفكاره ، ومدى الحقد الفارسـي التاريخي الذي يهيمن على وعيه الفكري والسـياسـي ، بالرغم من أحاديثه الدعائية المتكررة عن ما يسميه بحوار الحضارات .

 

    إنَّ تجاهل حديثه عن تناول ـ عرضـي أو غير عرضـي ـ أي مفهوم يتعلق بالحضـارة العربية الإسـلامية ، أولاً ، ومنجزات الحضارية العراقية القديمة ، ثانياً ، وهي كثيرة وغزيرة تحتويها المجلدات التاريخية المكتوبة والموقفة ، من ناحية ثانية ، هو أكثر من دلالة ملموسة معلنة لم ترد بشكل عفوي على لسان مسؤول فارسي فقط ، بل هي أحاديث متناثرة قيلت بهذا اللسان الفارسي أو ذاك من مسؤولي ((الدولة الإسلامية)) ، إذ أننا نورد تلك الواقعة العملية باِعتبارها مجرد مثال ملموس أكثر من كونه اِستطراداً علمياً ورصداً تاريخياً لواقع تاريخي . إنه مجرد دلالة معاصرة على هذا المنحى ((الفارسي الصفوي)) المهووس والمتعصب .

 

      وحتى الاِتفاقيات والنزاعات التي تلت ((معاهدة أرضروم)) الأولى والثانية في العام 1823 و1847 التي كان طرفاها ((الفرس)) الذين يسيطرون على النظام القاجاري الخراساني ومن بعده البهلوي الإيراني ، أولاً ، والإمبراطورية العثمانية التي كانت تتكون من شعوب مختلفة وقوميات متعددة ، من ناحية ، وهم الذين ـ كذلك ـ كانوا يسيطرون على العراق ، من ناحية أخرى ، ثانياً ، وما ورثه الكيان العراقي الحديث : كدولة ، من مترتبات ونتائج أنشأتها  أو أفرزتها تلك الاِتفاقيات والنزاعات ، التي لا مجال متاح للتوسع فيها بسبب الموضوع المطروح للنقاش : المفهوم الفارسي الصفوي . . .؟ نقول لا مجال : لخوض التعرض التاريخي في ملابساتها وحيثياتها ، كونها خارجة عن سياق الموضوع المثار ، ولكن لابد من القول السريع حول الطابع العام لتلك المترتبات هو الأزمات السياسية المتوالية : الحديثة والمعاصرة التي تنشب بشكل متكرر بين الدولتين ، ثالثاً ، وما خلفه الدارسون التاريخيون الموضوعيون من تراث فكري في مجال تفسير هذا المفهوم : خصوصاً الصفوية ، الذين أخذوا اِعتبار مفهومي ((الزمان)) و((المكان)) وطبيعة المرحلة الحضارية العربية الإسلامية في سياق نظرتهم العلمية ، رابعاً ، كلها ستكون المعايير السياسية والفكرية الناظمة لتحديد هذا المفهوم : الصفوي الفارسي .

 

 

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش والمصادر

 

    [1 ] ـ راجع كتاب السـيد الدكتور توفيق برو المعنون العرب والترك في العهد الدسـتوري العثماني 1908 ـ 1914 ، الطبعة الأولى الخاصة بدار طلاس ، 1991 ، دمشق / سوريا ، وهي رسالة أكاديمية مقدمة للدراسة بمعهد الدراسات القومية ، تتكون من 500 + ثلاثة ملاحق ، والمؤلف يجيد اللغة التركية وله علاقة بالفهم العميق للمفاهيم التكوينية للعقلية التركية ، وكان أدى التتريك اللغوي والتركي وسياسات أخرى تخص العرب ، ربما من بين أهمها السياسة المركزية الشديدة في إدارة شؤون الإمبراطورية ، وهم : أي العرب الذين يشكلون غالبية الدولة العثمانية ، ممـثــَّـلة في جمعياتهم وأحزابهم والشخصيات النشيطة من قياداتهم ، إلى خيار التوجهات الجذرية للسكان العرب وقياداتهم الميدانية.

 

     وللفهم الشمولي لتكثيف دروس تلك المرحلة ، لنقرأ الخلاصة التالية التي يتوصل إليها الكاتب :

    ((أما العرب فلم يكن موقفهم من العهد الدستوري إلا موقف الإخلاص والولاء للرابطة العثمانية والعهد الجديد ، وقد حاولوا في اِبتدائه أنْ يتناسوا حتى لغتهم وشخصيتهم في سبيل الاِندماج في الدولة ، على أنْ يكون عهداً تتوفر فيه الحريات والحقوق والإدارة المحلية بشكل يرضي تطور الأفكار في البلاد العربية ، ويتماشى مع النهضة الفكرية والثقافية التي عملت عملها منذ منتصف القرن التاسع عشر ، غير أنَّ الاِتحاديين أبوا إلا أنْ يتحكموا فيهم ، وأنْ يستبدوا اِستبداد القادر الغشيم ، وأنْ يسوقوهم سوق الأنعام ، لإرضاء ما جبلت عليه نفوسهم من السفسطائية التاريخية ، وإدعاء حقوق العنصر الحاكم ، فكان لابد من الاِصطدام : لذلك نمت العاطفة القومية العربية وترعرعت في خضم هذا النضال ، إذ أسفر الاِحتكاك بين القوميات ، بعضها ببعض ، وتقابلا في ميدان النضال مع الترك ، عن تحفـِّز الشعور القومي العربي ، فاِضطر العرب إلى التشبث بقوميتهم التي خشوا من أنْ تضمحل وتذوب ، فكان للضغط أثره في وعي العرب لحقيقة ساطعة سطوع الشمس في رابعة النهار .

 

     إنَّ المستقبل هو للوعي القومي والرابطة القومية ، ذلك الذي لم يتمكن الاِتحاديون من تقدير خطره ، فكانوا متناقضين مع أنفسهم ، إذ أدركوا قيمة هذا الوعي عند بني جنسهم ، وأنكروه على غيرهم ، فلم يكن منطقهم في هذا المجال ، مختلفاً عن منطق المستعمرين . وهكذا ساروا بالدولة والأمة معاً ، وسيروا العرب معهم ، في طريق الهلاك والدمار ، فأفسحوا المجال للاِستعمار الأوروبي أنْ ينشب مخالبه في كيان الأمة العربية ، لأنْ تضمحل سيطرتهم عليها إلى الأبد ، وبذلك يتيحون للسيطرة الإمبريالية أنْ تـُحكِم نيرها على عاتق الشعوب العربية في شتى أقطار الوطن العربي)) . [ص 500] .

 

     فهل يستفيد الحكـّام الإيرانيون : الذين أغلبهم من المعممين والملالي من تجربة ماثلة وعملية اِستمرت أربعة قرون ونيف تمثلت بالسيطرة العثمانية تحت رؤية دينية إسلامية أتاحت للشعوب المكونة فضيلة العيش في ظلال فيء تقاليدها قبل أن تمارس ((جمعية الاِتحاد والترقي)) نهجها الطوراني العنصري في أواخر عمر الإمبراطورية العثمانية ؟ أم تحاول تجريب المجرب ، مرة أخرى ، وهي تمارس أفعالها المناقضة لقيم التعاون والتعارف بين الشعوب المعروف قرآنياً ؟ ! .

 

    وهناك بعض الكتـّاب والباحثين مَنْ ينظر إلى عملية تهاوي الإمبراطورية العثمانية جاءت بسبب اِلتزام قيادة حزب الاِتحاد والترقي المفاهيم الماسونية ـ دون أنْ يضعها في السياق التاريخي ومجريات الحرب العالمية الأولى وتخطيط القوى الاِستعمارية الغربية لتقاسم تركة الرجل التركي المريض ـ وما يستبطنه ـ أي القول بالرؤية الماسونية وأفعالها ـ ذلك الاِلتزام من مؤامرة يهودية صهيونية عمل على تنفيذها ((يهود الدونمة)) ، متخذاً من طبيعة اِلتزام أغلبية قياديي الاِتحاد والترقي وخلفيتهم الدينية اليهودية ، السبب الأساسي لنهاية الإمبراطورية العثمانية ، وفي هذا المجال ينقل الكاتب عبد المجيد همو عن الأب لويس شيخو التالي : ((فلما أعلن الدستور ، وتم الاِنقلاب العثماني ، ظهرت اليهودية في أتم مجاليها ، وكلٌ يعلم أنَّ مركز الاِنقلاب إنما كان في سالونيك واليهود فيها نيف وسبعون ألفاً ، فلما أنشئت جمعية الاِتحاد والترقي تحت سيطرة الماسونية كان للضباط وجندهم القوة العاملة ، أما التدبير لتنفيذ العمل وإخراجه إلى حيز الوجود، فكان في أيدي اليهود الذين تعهدوا بدفع المبالغ المالية اللازمة لذلك المشروع ، [. . .] ، تخلقّـّت جمعية الاِتحاد والترقي بعد خلع عبد الحميد بأخلاق الماسونية واليهودية ، ولبست لبوسها ، فلما خمدت ثورة نيسان 1919 ، نالت العناصر اليهودية أهمية كبيرة)) ، إلى آخره من شروحات قدمها الكاتب حول ذلك التطور وأسبابه ، وبين أهمية المسؤولين الماسونيين ، ذاكراً أسماء أبرزهم ، والأدوار التي لعبوها .

 

     راجع كتاب الماسونية والمنظمات السرية : ماذا فعلت ؟ ومَنْ خدمت ؟ ، تأليف عبد المجيد همو ، إصدار : الأوائل للنشر والتوزيع ، سورية ـ دمشق ، الطبعة الثالثة ـ آب 2005 ، ص 487 ـ 489 . 

    

    [2] ـ والقادسية موقع في العراق غربيّ النجف ، حدثت فيه معركة كبرى اِنتصر فيها العرب بقيادة سعد بن أبي وقاص على الفرس بقيادة القائد العسكري الفارسي رستم بتاريخ 14 هجرية / 635 ميلادية ، [عن المنجد في اللغة والأعلام ، توزيع عام 1986 ، ص 430 ] . وما زال حكّام إيران الحاليون ، بالرغم من تشدقهم بالإسلام الذي قضى على الجاهلية وهزم عبّاد النار ، يتيحون الفرصة للوفود العسكرية التي تأتي لزيارتهم بغية اِصطحابهم إلى المتحف الخاص برستم ، كونه أكبر الرموز العسكرية الفارسية ، وقائدها ، وعندما أبدى أحدهم رأياً قوامه أنَّ رستم قد هـُزم على يد الإسلام ، أجابوه : ((بأنه يمثل العقلية العسكرية الفارسية ، وأبرز أبطالها ، وما يزال يمثلها)) .

 

    وفي أية حال ، فإن هذه المعركة الكبرى كانت هي الفاصلة الأساسية في عملية التحرير للعراق والأحواز من الهيمنة السياسية والعسكرية الفارسية ، وشكلت الخطوة الأولى والرئيسة في تتابع الاِنتصارات العسكرية العربية الإسلامية التي أدت في النهاية إلى عملية إسقاط عاصمة الفرس : المدائن ، وما تبعها من المعارك البطولية وبالتالي القضاء على الدولة الساسانية الكسروية الفارسية ، وفي ذلك يقول المؤرخ الأستاذ أحمد عادل كمال ما يلي ))حشد عمر [بن الخطاب] لهذه المعركة كل الطاقات المتاحة وجهها إلى القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص فبلغ جيشه شيئاً وثلاثين ألفاً ، ووضع خطته على اِختيار مكان مناسب على حدود ما بين الصحراء وبين شبكة المجاري والمسطحات المائية تقيهم مخاطر الوقوع في فخاخ المسالك المائية وتحفظ خط رجعتهم ، بينما تحرم عدوّهم من تلك المزايا ، وأنْ تكون المعركة حاسمة بحيث تكسر جيش فارسي فينفتح ما وراءه من أرض دولته .

 

     وألقى الفرس في مواجهة المسلمين بكل ما أتيح لهم من طاقة وحشـّدوا مائة وعشرين ألف مقاتل ومثلهم للخدمات يقودهم رستم . ودارت المعركة بالقادسية بين خندق سابور ونهر العتيق ، اليوم الأول ((أرمات)) الخميس 13 شعبان 15 هجرية / 19 أيلول 636 ميلادية ، واليوم الثاني ((أغوات)) ثم الليل ((ليلة السواد)) واليوم الثالث ((عماس)) و((ليلة الهرير)) ثم الرابع ((يوم القادسية)) الأحد 16 شعبان 15 هجرية / 22 سبتمبر 636 ميلادية ، واِنتهت بهزيمة ساحقة للفرس ومصرع رستم .)) . وأضاف المؤلف في ذات الصفحة التالي ((ومن هنا نلتقط الخيط لنساير مسيرة المسلمين على أرض المجوس)) . [راجع كتاب الأستاذ أحمد عادل كمال المعنون : سقوط المدائن ونهاية الدولة الساسانية ، في سلسلة الفتوحات الإسلامية ـ 3 ، إصدار دار النفائس ، بيروت / لبنان ، الطبعة الخامسة 1407 هجرية / 1987 ميلادية ،  ص 11 ـ 12] .    

 

     لكن الحكام الإيرانيون الحاليون يحاولون تزوير التاريخ ويرصفون كلماته على ضوء قناعاتهم العنصرية الفارغة ، ولعل المثال الملموس الذي صنعته الحرب العراقية الإيرانية في الزمن الحديث كانت في نتائجها العسكرية الحاسمة أبلغ البيانات ، فليس شرب ما هو أقسي من السم من قبل ((مرجعهم الأعلى : الخميني)) وإيقاف الحرب التي طالب بها العراق منذ 1983 ، تكمن دلالات الهزيمة العسكرية ، وإنما أيضاً الفارق الكبير في نسبة القوى المادية بين الطرفين ، وعلى الرغم من مساندة كيان الاِغتصاب الصهيوني لهم والدعم الأمريكي المعروف بإيران غيت .

 

     وفي تقديري أنهم يربون أجيالهم على تنمية ذاكرة الحقد التاريخي على ورثة المسلمين الأوائل : العرب المسلمون ، وضرورة أخذ الثأر من العرب الذين دحروهم في التاريخ القديم والحديث ، ولعل الآراء المتناثرة في المؤلفات الفارسية الراهنة تصور جميع التطورات في المنطقة العراقية التي حدثت في الماضي ، وعموم المنطقة المشرقية العربية ، على أنها فارسية الطابع على المستوى التاريخي ، وحتى العصر العباسي الأول تجعله إرثاً فارسيا ، [راجع ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ كتاب الآراء الفلسفية عند أبي العلاء المعري وعمر الخيام ، تأليف الدكتورة تغريد زعيميّان ، إصدار الدار الثقافية للنشر ـ القاهرة ، الطبعة الأولى ، 1423 هجرية ـ 2003 ميلادية ، ومن الجدير ذكره أنَّ ((جامعة العلامة الطباطبائي)) في إيران لعبت الدور الأيديولوجي الموجه للدراسة من حيث الرؤية التاريخية والتي جاء فيها حول العصر العباسي الأول : ((وهو العصر الذي اِمتاز بقوة الخلافة وعظمة الخلفاء ومجد الدولة ، كما اِمتاز بالنفوذ الفارسي،على أنَّ العرب بسقوط الدولة الأموية التي كانت عربية خالصة كانوا قد خسروا سيادتهم المطلقة في الدولة،فالعباسيون ركنوا إلى الفرس الذين كان لهم فضل كبير في بنيان العرش العباسي ، بذلك فقد العباسيون ثقتهم بالعرب فأقصوهم عن الحكم والسلطان وأبعدوهم عن تصريف شؤون الدولة ، وأذلوهم بالحروب والتشريد وانتقال وسفك الدماء . وفي هذا العصر ترسخت أسس الدولة العباسية واِنتقلت الخلافة إلى العراق بعد أنْ كانت بالشام ، وأصبحت بغداد عاصمة للدولة العباسـية بعيدة عن الشـام،ولكنها قريبة من فارس ومن الجوالي الفرس في العراق نفسـه))،[راجع ذلك الكتاب وعلى الصفحة ، 106]،أما تصفية ظاهرة أبي مسلم الخراساني والقضاء على ظاهرة البرامكة إبّان العصر العباسي الأول ،فإنَّ الجامعة العلمية الطباطبائية ـ كما هو شأن المؤلفة كذلك ـ تتجاهله وتتجاهل مدلولاته .

 

      وفي ذلك الكتاب الكثير من ((الرؤى العنصرية الفارسية)) التي تناولت التطورات العراقية والعربية والإسلامية وعلى شتى الصعد وفي مختلف مناحي المعرفة ، يجري النظر إليها وتناولها بالتفسير ((القومي العنصري الفارسي)) ، وعلى أنها ليست من تاريخ الإسلام والعرب والعراق ، بل من ((إبداعات فارس وعلمائها)) .  ناهيك عن اِدعاءاتهم حول عائدية شريعة حمورابي القانونية : الملك البابلي العراقي لهم ، كونها من نتاج عقلهم الفارسي ، علاوة على رسمهم الخارطة الإيرانية المترامية الأطراف التي تضم أراضيها : العراق والخليج العربي في غرب إيران وأفغانستان وجوارها في شرق إيران ، والتي يجري تلقينها وبشكل دائم ومستمر للطلبة الذين يخضعون لتدريس مناهجها الفارسية الصفوية .

 

يتبع     

* كاتب عراقي مقيم في هولندا