|
الرؤية السياسية الإيرانية : كسروية طائفية . . . أم فارسية صفوية
موقع عربستان ـ * باقر الصراف
الحلقة العاشرة ـ 10 ـ
وعلى ضوء ذلك ، تم سعي الفرس الخبيث إلى تهجين ((الفكر الإمامي)) بالتصورات الخرافية والأساطير المكرورة للموروث الفارسي ، التي لا تليق بالإدراك العلمي ولا تنسجم مع المفهوم العقلي السليم ، ولا تتوافق ـ كذلك ـ مع الذوق التاريخي والمدركات العقلية التي كانت الرسالة العربية الإسلامي تحث على ضرورة التمسك بهما عند النظر للتطورات في أي مجال كان ، من قبيل أنَّ الله خلق محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين {خمسة أهل الكساء} قبل أنْ يخلق الكون ذاته ، متجاوزين الاِحترام لكل الأنبياء المرسلين من قِبـَل القدرة الإلهية ، وهم المفضلون : أي الأنبياء عنده أكثر من كل البشـر ، بما فيهم أولئك الأئمة ، وفي حين ـ كذلك ـ يدرك الجميع أنَّ الله وضع معايير العمل الصالح في الدنيا هي الفيصل في يوم الاِمتحان الكبير في اليوم الآخر ، أي يوم القيامة ، كما نص على ذلك القرآن الكريم : ((قُل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ إنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً)) ، [الآية رقم 110 ، من سورة الكهف] ، وهناك عشرات الآيات التي تكرر ذات المعنى . العمل الصالح في الحياة الدنيا هو المعيار الموضوع الذي يقيِّم عمل الإنسان ، لا التوسل بالخرافات أو الأقوال البعيدة عن أي معيار عقلي .. ووفقاً للأمثلة التي ترد في كتاب الشهيد شريعتي ، حول ذهاب الرؤى الفارسية بعيداً في خلط الأوهام المستمدة من التراث الفارسي حول المبالغات ، يستشهد العالم شريعتي بالقول الذي أطلقه أحد العلماء الصفويين حول الخلق وبدايات الوجود وفق النظرة الدينية الإسلامية ، للبرهنة على أحد إستخلاصاته العلمية تجاه الرؤية الصفوية المخالفة لما جاء به القرآن الكريم . يقول ذلك العالِم الصفوي : إنَّ الرسول الأعظم ، [ص] ، والإمام علي بن أبي طالب ، [ك] ، والصدّيقة فاطمة الزهراء بنت الرسول ، هم أساس الخلق والبدء الحياتي للإنسانية ، فقد فضل الله الثلاثة عند خلقه لهم ، على البشر كافة بما فيهم الأنبياء والرسل ، أو كما تقول الرواية الصفوية الفارسية : ((كان الله واحداً في وحدانيته ثم خلق محمداً وعلياً وفاطمة ، ومكث ألف دهر ثم خلق الأشياء كلها)) ، [45] ، فيما ينسب المقدس الأردبيلي : أحد ما أسماه شريعتي أحد العلماء الكبار في إيران ، إلى الإمام علي قوله ))أنا الذي حملت نوحاً في السفينة بأمر ربي ، وأنا الذي أخرجت يونس من بطن الحوت بإذن ربي ، وأنا الذي جاوزت بموسـى بن عمران البحر بأمر ربي ، وأنا الذي أخرجت إبراهيم من النار بإذن ربي {. . .} أنا أحيي وأميت بإذن ربي ، وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم بإذن ربي ، وأنا عالم بضـمائر قلوبكم والأئمة من بعدي من أولادي (ع) يعلمون ويفعلون هذا إذا أحبّوا وأرادوا لأنا كلنا واحد ، أولنا محمد وآخرنا محمد وأوسطنا محمد وكلّنا محمد)) ، [46] . ولتلقيح تلك البلاهة اللاعقلانية الزائفـة على العقول الموالية لآل البيت من أصحاب الرؤية الصفوية أو الأشخاص السذّج ، جعلت إيران من الرؤية الإمامية مجرد طقوس مقرونة باللطم والزناجيل وقعقة السيوف وصفق الطوس ولبس السواد ، أي تغيير النهج الإمامي القويم في الحق القائم على ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عير الحوار والمنطق والإرشاد)) . . . بـ((تبديل ماهية التشيع الأحمر)) في كناية عن روح التضحية في سبيل الحق الذي يميز فرسانه والذي ((فجّر في النفوس روح الثورة والرغبة بالتحرر وإقامة العدل ومقاومة الجور والفقر والجهل ببسالة وعزم لا يلين)) ، [47] ، إلى تقاليد اِمامية موشاة بالسواد الدائم والألوان القاتمة في كناية عن مذهب تقليدي خاص ((بالعزاء والحداد)) . . . أي من خلال جعله ((تشيعاً أسود)) بكـّاءً هجـّاءً سبّاباً ، بدلا من رؤية اِستشهادية رائدها الحق والإنصاف ، ومعيارها تغيير المنكر بالقلب والأيدي . واللون الأسود ، في أية حال ، هو لون الظلام والذبول والموت الذي فضلت اِرتداءه الصفوية الطائفية بذريعة عقد مجالس العزاء حول المصيبة الحسينية ، بدلاً من جعل أمثولة الثورة الحسينية بقعة الضوء التي تحِّث المظلومين على الاِنتفاض والثورة ضد الغزاة الذين يدنسون الأرض العربية الإسلامية من خلال مفهوم ((جهاد الدفع)) أو مناوئة الظالمين ، [48] ، لا السير خلف أطروحاتهم السياسية بذرائع سخيفة ومقولات زائفة قائمة على تزوير ما هو صريح ومخاتلة تفسيرية تستبطن المخفي غير ما تظهر وتعلن ، كما هو حال ما يقوله ويعمله العملاء المتسلطون على السلطة في العراق الذين جلبتهم القوات الأمريكية الغازية ، والتي تحميهم أيضاً . وكذلك ، بدلاً من رؤية التاريخ العربي الإسلامي في مرحلته المحمدية ، من حيث الصراحة المطلقة على أرضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإيجابيات التجربة التي مثلتها الحواريات الصريحة والمتعددة والمتواترة لاِجتماع ((سقيفة بن ساعدة)) ، التي اِنتهت بخلافة أبي بكر الصدّيق رفيق الرسول وأكبر الصحابة سناً ، على ضوء مبادرة أحد الأنصار في تأييد الخليفة الجديد ، وكذلك مبادرة عمر بن الخطاب التاريخية بمبايعة أبي بكر كخليفة للمسلمين ، فقد جعلوا من كل ذلك ((مؤامرة أموية أو قرشية)) ، كما رأينا سابقاً ، لإبعاد الإمام علي بن أبي طالب ، [ك] ، عن مركز الخلافة السياسية . مثلما اِتخذوا من مفهوم ((الولاية سنداً قوياً ومقدساً)) يرسم صورة مرعبة ومغتصبة لمفهوم الخلافة العربي الإسلامي التشاوري بديلاً عن مفهوم آريامهر المتوارث في الأسـرة الفارسية المفضلة من قبل إفرازات مفهومي ((النور والنار)) الزرادشتي ، [49] . وكذلك جعل ذلك المركز الإداري للدولة العربية الإسلامية صنواً باغياً و((سيفاً قاطعاً)) بيد الخليفة على أنصار آل البيت ، وذلك طوال فترة العهد الأموي وأغلبية العهد العباسي ، رغم التجارب التاريخية المعاشة من حيث تكامل مدارس الفقه المختلفة وبقاء أئمة المدرسة الإمامية أحياء ، مثلما جعلوا من يوم العاشر من شهر محرم الحرام : أي يوم عاشوراء الثورة الحسينية الإستشهادية في سبيل المباديء ، والأمثولة التاريخية التي تركتها ثورته من أجل ((أمرهم شورى بينهم)) بدلاً من مفاهيم التفرد والاِستئثار والاِستبداد عبر مفهوم الملك العضوض ، من أجل تخدير الأتباع وتغييب العقول النقدية عنهم وإماتة خاصية التبصر عندهم . لقد أرادت تلك الممارسة التضحوية بالنفس والعيال والمال ، أن تحث مجموع المسلمين على تقويم أي اِعوجاج يحاوله الحكـّام ، ولكن السلطة الصفوية الإيرانية أرادت من خلال سلوكها الدائب ونشاطها العملي على جعل تلك الذكرى ، داخل العراق خصـوصـاً ، مثار خلاف متنازع أو متقاتل بين الأفراد المسلمين أو بين أتباع المذاهب الإسلامية المختلفة ، وكذلك إفشاء عموم المقولات الزائفة عن رؤية أئمة آل البيت المخلصة للرؤية العربية الإسـلامية المحمدية ، أفيوناً مخدراً للفرس ومادة دعائية مستمرة للأتباع الصفويين الطائفيين ، من خلال مجالس العزاء الحسيني وآلاف الكتب المطبوعة في طهران أو المنشورة عبر المواقع الطباعية المنتشرة في بيروت ودمشق ، وتوزيعها مجاناً ، أو بأسعار رمزية زهيدة ، واِستثمار مختلف وسائل الدعاية الأخرى بهدف مناهضة رؤية مفاهيم ((العمل الصالح)) القرآني ، والثورة الحسينية ومفاهيمها الحقيقية ، وإرساء دروسها بشكل مغاير عند المسلمين ، وفق اِجتهاد ((آيات الله العظام)) . من كل ذلك إرساء مفاهيم الثورة الحسينية على مقولات مدرسية جامدة ومزورة تتناقض ، وبشكل صارخ ، مع الروحية الحقيقة للتجارب التاريخية التي أفرزها الدين الإسلامي ، يجري ترديدها صباح مساء بغية تأليب أبناء المسلمين ممن يؤمنون بالرؤية الإمامية على بقية الأفراد المسلمين ، من الذين ينتمون إلى المدارس الفقهية الإسلامية الأخرى ، ويلتزمون بتعليماتها الحقيقية والذين يشكلون تسعة أعشار المسلمين من حيث العدد الكلي في العالم كله ، وجعلت من أولئك المنساقين في التعليمات الصفوية الفارسية أو من بعضهم ـ وللأسف الشديد ـ مصاصي دماء لا يتورعون عن اِرتكاب أية جريمة مهما كانت غارقة في حقارتها .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش والمصادر
[45] ـ راجع كتاب شريعتي ، مصدر سبق ذكره ، ص 176 ، وحول الموضوع يمكن مراجعة الصفحات من 175 ـ 188 . بل وصل الأمر بالبعض الذي يطلق عليه شريعتي ((بالعالم الجليل السيد الكاظميني اليزدي وفي كتابه المعنون جواهر الولاية في الخلافة والولاية)) أنْ يقول بخرافات ((فكرية)) ودجل تخريفي ليست معقولة أبداً ومقولاتها التي حاربها الدين الإسلامي ذاته ، من قبيل ما ينسبه اليزدي للإمام جعفر الصادق قوله : ((أنَّ مالك ورضوان [خادمي النار والجنة] يأتمران بأمر علي [ع] ، وهذه المنازل من مكنون العلم فإحفظها)) ، ص 177 . [46] ـ المصدر السابق ، ص 188 . [47] ـ راجع المصدر السابق ، في قسم التمهيد ، ص 38 . [48] ـ لقد عالجتُ جوانب من هذه المسألة الحيوية في فترة زمنية سابقة ، ومما جاء فيها : ((الحسين قدوة للعمل وليس للطقوس تمر في هذه الأيام الذكرى السنوية لثورة الحسين في كربلاء ضد بدعة معاوية بن أبي سفيان بتحويل الخلافة الإسلامية من ((أمرهم شورى بينهم)) إلى الملك الوراثي العضوض ، وتنصيب اِبنه يزيد أميراً على المسلمين ، وكان البعض مؤيداً له بالسيف ، ووفقاً للرواية التاريخية ، أنَّ اِجتماعاً حضره معاوية بنفسه فقام يزيد بن المقفع خطيباً بالجمع وقال : ((هذا أمير المؤمنين ـ مشيراً إلى معاوية ـ ثم قال : وإذا هلك ، فهذا أمير المؤمنين ـ مشيراً إلى يزيد ـ ثم قال : ومَنْ يتخلف عن البيعة فهذا ـ مشيراً إلى سيفه ـ فقال له معاوية : أحسنت ؛ أنت سيد الخطباء)) . وكان على الجميع طاعة الطغيان ، ومن ثم المبايعة له بصحة التولية على كرسي الحكم . كانت سمات الأمير الجديد لا تلاءم مواصفات السلطة وشروطها كما حددتها التقاليد العربية الموروثة ، والمعايير الدينية الإسلامية والممارسات العملية الريادية لمسيرة اِختيار الخلفاء الراشدين ، فوافق البعض تحت صيحات الوعيد ، فيما أيد بعض تحت معسول الوعود ، أي كان الترهيب والترغيب حاضرين ، ولكن البعض العقائدي رفض ذينيك الأسلوبين ، وتمسك بالمثل الفكرية ورأى في المسار التاريخي الموضوعي غير ما رآه الآخرون ، وأعلن الثورة عليه ، وكان الحسين بن علي بن أبي طالب أبرزهم : إنْ لم يكن أفضلهم على الإطلاق ، فهو المجاهد في ((شمال أفريقيا)) وفي ((طبرستان)) وضد ((الروم)) أيضاً ، فضلاً عن صفاته الإيمانية العادلة وعمله المستقيم ونسبه القريش الهاشمي ، وكونه ـ فضلاً عن كل ذلك ـ اِبن بنت مؤسس الدولة العربية الإسلامية ورائدها على شتى الصعد : لاسيما الصادق الأمين على رسالتها الدينية ، كما اِختاره العلي القدير . ذهب الحسين إلى العراق ، وأعلن عدم اِنصياعه للحاكم المسلم الجائر غير الحائز على شروط الخلافة وفق المعايير الإسلامية الحقـّة ، ولكن جيش يزيد أراد إرغامه على المبايعة ، وكان للسيف ـ في النهاية ـ الحكم ، وأستشهد الحسين بن علي بن أبي طالب ، بالدفاع عن حق الأمة في اِختيار حكامها . وفي هذا الموقف البطولي الباسل أصبح الحسين رمزاً لنهج ثوري صريح وقدوة ماثلة على الدوام ، ورمزاً حاضراً في كل التاريخ الإنساني بالنسبة لمن يعرفون وقائعة العربية الإسلامية ، يستحث الباحثين عن العدل والقيم الدينية الإسلامية الحقيقية ، ولكنه أصبح كذلك وفوق ذلك ، المثال الأبرز عند مَـنْ يعتقدون بمعصوميته الجامعة ، إنَّ هذا الإيمان يفرض على كل المؤمنين به اِنتهاج طريق الإمام الحسين من خلال الثورة على الظالمين ، ناهيك عن المحتلين ومناوئي الدين الإسلامي وقيمه الإنسانية . إنَّ تحويل أمثولة الحسين التاريخية وموقفه التاريخي المبادر ، إلى مجرد طقوس وعادات لا تمت بصلة للدين الإسلامي وأفكاره الحقيقية ومضامينه الإنسانية ، لا تعد تجاوزاً على الدروس الحقيقية الفعلية للثورة فقط ، وإنما هي إسـاءة لمفهومها العملي أيضاً . وإذا شئنا تطبيق المثال التاريخي الذي أرسى دلائله الحسين على الواقع الراهن فماذا يمكننا الاِستخلاص ؟ . العراق في الحاضر الراهن يتعرض للاِحتلال العسكري الأمريكي الملموس مادياً ، والفكر الذي يوجه هذا الاِحتلال هو الأطروحات السياسية والفكرية للمحافظين الجدد ، ومن المعلوم أنها أطروحات فكرية صليبية صهيونية معتدية ، وموقفها مناويء للدين الإسلامي على طول الخط ، فهي تعتبر الدين الإسلامي ديناً شيطانياً ، والرسول العربي الكريم هو الإرهابي العالمي الأول ، ولهم اِعتراضات جوهرية على القرآن الخالد ، الذي ربع آياته مخصصة لمناقشة دعاوى اليهود ضد الدين الإسلامي الجديد . ومع ذلك لم ينتهج الموالون المزعومين الحسين بن علي بن أبي طالب ، طريقه رغم أنه كان يثور على حاكم مسلم جائر : ربما كان إيمانهم بالقول وليس العمل . . . باللسان وليس المقرون بعمل اليد ، فهل مقياس القول أهم من معيار العمل ؟ . فتوقف فريضة الجهاد ضد الغزاة لديار الإسلام وتعطيلها عملياً ، بذريعة المثل الشائع المذموم المستسلم : {الذي يأخذ أمي أسميه عمي} كما هو حال موقف ما يسمى بأعضاء المجلس المحكوم/ المحكوم ـ مثلاً ـ !)) {راجع جريدة ((نداء المقاومة)) التي كان يصدرها التحالف الوطني العراقي ، قبيل أنْ يؤسس موقعه على الإنترنيت والمعنون :www.iraqipa.net ، وذلك في العدد 17 من تلك الجريدة ، والصادر بتاريخ 1 / 3 / 2004 . وعليه فإنَّ إرادة أفراد المقاومة الوطنية العراقية وتجسدات فعلهم الوطني الشجاع في مواجهة العملاء الطغاة والغزاة المحتلين في الواقع العراقي الملموس : سواء أكانوا شهدا أو أحياء ، هم أولئك الأبطال . . . وهم ممثلو النهج الحسيني في مواجهة الغزاة ، هم الذين صنعوا ذواتهم المتصدية من ذلك العزم الحسني ، وقـدُّوا إرادتهم من ذلك التصميم الذي جسده كل الذين واجهوا الظلم على مدى التاريخ البشري ، النموذج الحسيني المعاصر . [49] ـ يرتبط ذلك المفهوم بالتقاليد الساسانية : ((كان للدولة الساسانية صفتان رئيسيتان الأولى وجود دين رسمي لها تعززه مرتبط بالسياسة ومتعاون معها . والثاني التمركز القوي في الإدارة . وكانت السلطة التنفيذية العليا بيد الملك وكان حكمه مطلقاً لا يجوز رده أو نقده بحال من الأحوال ، وقد أضفت عليه الديانة الزردشـتية صفة قدسـية . فكان مبدأ تقديس الملوك راسخاً في فارس . ويظهر سلطان الملك ونظـرة الرعية إليه من قول رئيس الموابذة : ((إذا أراد الله بأمتـه خيراً اِختار لها أحسـن عباده)) ، فالرعية تطيع والحساب على الله . وكان الملك يحيط نفسه بمظاهر الأبهة والجبروت ، ويعيش بمعزل عن الرعية . ولم يكن يصلح للعرش إلا أفراد العائلة المالكة . لأنَّ الله فضلها على العالمين . فعندما أراد الفرس اِختيار ملك بعد يزدجرد الأول ، وتنحية اِبنه بهرام جور ، اِحتج هذا قائلاً ((إنَّ هذا فساد في صلب المملكة أنْ تولوا رجلاً ليس من أهلها)) . وكانت السلطة القضائية العليا بيد الملك وكان هو المرجع الأعلى للمتظلمين وقد اِعتاد الساسانيون الأول أنْ يأذنوا للناس إذناً عاماً مرتين في السنة . في النوروز وفي المهرجان إسماع شكاواهم . وكان يجلس مع الملك في هذه المناسبات رئيس الدين الأعلى . من جهة ثانية ، كان للملك حق الحكم بالحياة والموت على الرعية . إذ كانوا بمثابة عبيد له فكان بجنب عرشه الجلاد لينفذ أوامره في الحال . وكان يعاون الوزير وهو المشاور الأول له في كل شؤون الدولة . ولكنه تحت إشراف الملك وكانوا يرون أنَّ من حزم الملك ، ألا يكون وزيره متنفذاً وأنْ يكون من صنائعه)) . راجع كتاب الأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري ، النظم الإسلامية . . . ، مصدر سبق ذكره ، ص 17 ـ 18 ، ومما هو جدير بالذكر أنَّ الكتاب قد طبع للمرة الأولى في عام 1950 . لو أمعنا النظر فيما تقدم وأجلنا التفكير العميق بتلك التقاليد ، ألا نرى ((سلطة الخامنئي)) الراهنة والمستمدة إلى نيابته عن الإمام المعصوم هي متوارثة عن ما تقدم من رصدٍ عند التراث الفارسي لما تقدم ؟ ! .
يتبع * كاتب عراقي مقيم في هولندا
17 – 2 – 2008 |