|
الرؤية السياسية الإيرانية : كسروية طائفية . . . أم فارسية صفوية
موقع عربستان ـ بقلم : باقر الصراف *
الحلقة الثالثة عشر ـ 13 ـ
ولمقام الأنبياء الذين اِصطفاهم الواحد العزيز القدير رسلاً مؤتمنين على نشر تعليماته المقدّسة للبشر كافة ، على أساس نوعية قومياتهم ونوعية تفاهمهم اللغوي ، رغم ما آلت رسائلهم الدينية تالياً من تحريف أو تشويه تصل ، في بعض الأحيان ، إلى حد التناقض . . . إلى أولئك الأنبياء نصيبهم في محور التقزيم الفارسي ، وشأنهم في التهوين من قدراتهم ومآلهم في الأجر والثواب جراء طاعتهم الربوبية في نشر تلك التعليمات المنزلة إليهم والاِلتزام بمضامينها الدينية ، إذ كثيراً ما يلجأ الأنبياء والرسل لأئمة آل البيت ، وفقاً لمزاعمهم ، لنيل ثوابهم عند مَنْ خلقهم : إذ ((طالما لجأ الأنبياء إلى التوسل إلى الله بأهل البيت لتقضى حوائج الدنيا والآخرة ، كما ورد بشأن توبة آدم ونجاة نوح . . إلخ)) ، [64] .
وتأسيساً على هذه العظمة التي يمثلها الأئمة والمنزلة الرفيعة التي يحتلوها عند الله ، وفقاً للمزاعم الفارسية الصفوية ، بسبب كونهم أجَّـل درجة وأكرم صفات حتى من الأنبياء الذين اِصطفاهم الله ، بأنْ جعلوا الأئمة في تخيلاتهم التي عدّوها حقائق مطلقة رغم كونها غير ملموسة ، ندماء ومستشارين في حضرة السلطان الساساني ، كما يقول الشهيد شريعتي ، وذلك ((لتحقيق الأغراض)) الخاصة بالملوك الفرس ، ((كان على التشيع الصفوي أنْ يلجأ إلى أسلوب معقـّد وشائك يجمع فيه بين تعظيم وتقزيم أئمة الشيعة . . .)) ، [65] ، ولم يكتفوا بجمع تلك الخصلتين وإلصاقهما بالأئمة ، بل ((كان عليهم ، في ذات الوقت ، أنْ يقزموا أهل البيت لكي يفقدوهم الطابع والصفة الرمزية التي من شأنها أنْ تلهمهم السير على خطاهم والتأسي بسيرتهم في رفض الذل والعبودية والمطالبة بإقامة العدل وتحكيم الحق ونبذ الظلم والحيف والتميز الطـبقي والعرقي والتأكيد على ممارسـة الفرد لدوره الإيجابي البنـّاء على الصـعيد الاِجتماعي)) ، [66] ، وذلك من أجل التغطية على أفعالهم وممارساتهم التي ترتبط برؤية عنصرية ليس إلا ! .
وتبلغ ذروة مخاتلاتهم واِستهتارهم عندما يحولون أقدس يوم ، وأنصعه ، وأكثره سروراً في حياة المسلمين : يوم الهجرة النبوية ، كونه اليوم الذي نجا فيه الرسول الأعظم ، [ص] ، من تآمر رجالات قريش الكافرين لقتله ، ومرافقة أبو بكر الصديق ، [رض] ، له بهدف التسلل إلى مدينة يثرب ، للاِلتحاق بأنصاره المسلمين من الأوس والخزرج ، وشروعه في تأسيس الدولة العربية الإسلامية ، أعني به ذلك اليوم الأول من السنة الهجرية المباركة التي أقرها المسلمون بناء على موروث عربي يمتد إلى فترات غائرة في التاريخ العربي القديم ، كون ((السنة الدورية التي اِعتمدها العرب في تقويمهم هي القمرية)) ، [67] ، من ناحية ، وبناء على القرار الذي اِتخذه الخليفة الراشدي الثاني العادل عمر بن الخطاب ، [رض] ، بجعل يوم الهجرة هو اليوم الأول من السنة العربية الإسلامية [68] ، كيوم مميز وعيد مبارك يحتفل فيه المسلمون كافة . . . يحولون ذلك اليوم الزاهر إلى يومٍ مجلل بالسواد بسبب إضفاء الحزن عليه جراء الفجيعة الحسينية رغم أنها ستقع بعد عشرة أيام من ذلك التاريخ وتلك المناسبة ، يوم كئيب في مضمونه وحزين في مراميه ومؤلم في دواعيه ، بدلاً من جعله حافزا للبحث عن الحق ومقاومة الطغيان بشقيه الاِحتلال والاِستبداد ، ويسود اِستقباله النواح والبكاء واللطم على الصدور في تفريغ لشحنة الغضب التي ينبغي أنْ تتوجه ضد المحتلين والظالمين ، فما هو السبب الكامن وراء ذلك السلوك الفارسي الصفوي ، يا تـُرى ؟ ! .
في الحقيقة أنهم يخبؤون اِحتفالات الفرح الخاصة بهم ، بعد مزجها بالتراث الفارسي ، بدلاً من ذلك اليوم العظيم الذي هاجر فيه الرسول ، [ص] ، من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ، تاركاً الإمام علي بن أبي طالب ، [ك] ، في فراشه مضحٍ بنفسه من أجل إنقاذ صاحب الرسالة واِفتداء الرسول العربي العظيم ، [ص] ، إلى اليوم الأول لتدشين سنتهم الفارسية الجديدة في الحادي والعشرين من آذار ، وهو اليوم الذي تبتديء فيه السنة الفارسية الشمسية التي بات عمرها الراهن 1486 ، وذلك في تجاهل متعمد للسنة العربية الإسلامية القمرية التي بلغت راهناً 1432 ، في ذلك اليوم من مما يسمى بعيد نيروز تعطل فيه المصالح الإيرانية كلها ، والعمل على إبراز مظاهر ((الدين الزرادشتي)) من قبيل الرقص المشترك والطواف حول النار ، كما شاهدها المجموع المتابع لقناة ((الجزيرة)) القطرية وفي البرامج التلفزيونية المنقولة عن الشاشة المرئية الإيرانية أو التي سمح بممارسة طقوسها ((القادة الإيرانيون المسلمون)) وفي مقدمتهم ((الولي الفقيه)) علي خامنئي .
وهي مظاهر حرص الدين الإسلامي على إلغائها نهائياً ، لتعارضها الجذري مع روحية الديانة العربية الإسلامية ، ولكن لسلطة الملالي الحاكمة في طهران الرأي ((الفقهي)) الآخر ، لأنها تتوافق مع الطموحات العنصرية للفرس وتتلاقى مع ((الموروث الفارسي الساساني)) ، ومن المعلوم أنَّ العطلة التي تترافق مع قدوم ((عيد)) النيروز : السنة افيرانية الجديدة تكون في إيران : ((الجمهورية الإسلامية)) بشكل عام ، ماعدا دوائر الأمن وأجهزة القمع على اِختلاف مراتبها وتنوع أجهزتها ، لمدة أسبوعين ونيف ، من أجل ((العيد القومي الإيراني : نيروز)) ، فيما تكون العطلة اليومية بمناسبة عيد الفطر السعيد وعيد الأضحى المبارك ، لا تتجاوز اليوم الواحد ! ، والتي ترسم السلطات الأمنية الفارسية الصفوية الخطط القمعية من أجل تحويلهما إلى مناسبات تقلق فيه المواطنين العرب ، [وغيرهم من القوميات الأخرى من غير القومية الفارسية] ، عبر الاِعتقالات والمطاردات وأعمال القمع الشاملة التي تتعاكس مع أيام العيد ، [أي عيد] ، والفرح المفترضة .
إنه مزيج خطير من الممارسات العنصرية المقرونة بترديد الأساطير والحكايات الخرافية عن التراث الفارسي ، ولكنه مركب كيميائي مقرون بالإرث الساساني التاريخي : المزعوم أو الحقيقي . . . الذي قالته اليهود أو زعمه المستشرقون والذي تلقفته عقول الفرس الصفويين ، وفي الحقيقة أنه جَماع التقاليد القائمة على البدع والدجل والغلو والدس والتدليس والتضليل والتكفير والتفسيق ، من أجل العمل على إقامة الحواجز النفسية بين الشعوب الإيرانية المسلمة وبين بقية الشعوب الإسلامية من غير الفرس ، لقد ((عزلت الصفوية وسوء الظن بالآخر والاِفتراء والطعن واللعن والتحريف والتزلف والتفسيق والتكفير)) الطائفة الإمامية عن بقية الطوائف الإسلامية ، [69] ، تمهيداً لتكريس رؤيتها القومية العنصرية السياسية على الأتباع ، [70] ، وجعلهم أداة طيعة ينفذون مشاريعهم الإستراتيجية .
هكذا يستخلص الشهيد شـريعتي اِستنتاجاته الفكرية بناءً على قراءة معمقة للتاريخ الساساني الفارسي،وكيفية صياغة الفرس أفكارهم وتنسيقها على أرضية المصلحة العنصرية الفارسية،من ناحية ، والوعي العميق والصحيح بمفاهيم الدين الإسلامي وغاياته النبيلة،من ناحية أخرى،وهي شهادة منطلقة من رجل إيراني فارسي ويتمتع بمصداقية دينية مبدئية مع النفس ومع الآخر في آن،مبنية على معيار العمل الصالح وأنّ الله يراه في كل حين ويعمل على ضوء أنه يرى الله في كل لحظة .
وفوق ذلك ، يستمر الدكتور شريعتي في فضح ((أساليب التشيع الشنيع)) وغاياته الشيطانية ليدحضها في نصوص مؤصلة في الكتب الإمامية والمصادر الصادقة والمتوارثة ، الحقيقية وليست مزورة ، المتسقة مع المسار الحياتي لرجال ونساء آل البيت وصحابة الرسول ، [ص] ، وليست الدخيلة المـُتخيلة ، نصوص إمامية من وحي الإسلام ونبعه الصافي المتمثل في الرؤى التي تدفقت من أفواه المسلمين المخلصين البعيدين عن كل أنانية وتعصب عنصري ، وتجيء أقوال الأئمة الحقيقية ، وسلوكهم العملي ، في المقدمة من أولئك الفقهاء المسلمين المخلصين ، لا الفقهاء من وعاظ السلاطين ، الفقهاء الذين قالوا كلمة الحق في حضرة سلطان جائر ، وضحوا بدمائهم الزكية في ساحات الجهاد من أجل رفعة راية الإسلام في دنيا الخلود وبين البشر ورسم معالم جديدة للتاريخ الحضاري العربي الإسلامي . وهو ما سنتناوله في الحلقة القادمة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش والمصادر
[64] ـ راجع كتاب الشهيد شريعتي ، مصدر سبق ذكره ، ص 184 .
[65] ـ المصدر السابق ، ص 164 .
[66] ـ المصدر السابق ، ص 165 .
[67] ـ راجع كتاب الدكتور توفيق برو المعنون تاريخ العرب القديم ، الصادر عن دار الفكر بدمشق / الجمهورية العربية السورية ، الطبعة الأولى سنة 1404 هجرية الموافقة سنة 1984 ميلادية ، ص 16 .
[68] ـ راجع كتاب الشهيد شريعتي ، مصدر سبق ذكره ، ص 102 ، وفي هذا السياق يورد العالم الشهيد شريعتي ما قالته ((الشخصية العلمائية الصفوية)) مرتضى العسكري الذي سيكون ((حجة متفقهة)) عند الأتباع للرؤية الصفوية الفارسية من ((العراقيين)) ويحرصون على الاِستفادة من مشورتهم له والقائل بضرورة التعاون مع الأمريكيين والتنظير للرؤية الطائفية . . . ما قالته عن الخليفة الراشد الثاني الفاروق عمر بن الخطاب ، ورميه بمختلف النعوت بالاِستناد إلى مصادر مزيفة لا تخفى على أي قاريء فطن ولبيب ومخلص ، لاسيما وأنّ شريعتي يؤكد ما مضمونه أنَّ الخليفة عمر بن الخطاب ، [رض] ، اِكتسب المنزلة الرفيعة والمكانة الكبيرة من الإسلام لا من الأوضاع الاِجتماعية والطبقية الجاهلية ، الأمر الذي يؤكد أنّ الطعن الذي يوجهه العسكري للخليفة هو طعن للإسلام ودوره في بناء الفرد العربي المسلم .
[69] ـ شاهد عموم العراقيين ممن يتابعون الشاشات المرئية العراقية أحد المسؤولين الحكوميين الرسميين {عضو مجلس محافظة بغداد والملقب بالكاظمي} ، وهو يصرخ اِحتجاجاً على تسمية أكبر شوارع بغداد باِسم هارون الرشيد بذريعة قتله للإمام موسى الكاظم ، وعدم قدرته على تفسير الأمر لملايين ، [!] ، الزوار لمدينة الكاظمية ، في الوقت الذي أغفل المعاني التي تنطوي عليها كارثة الجسر التي ذهب ضحيتها أكثر من ألف زائر لذلك الإمام والتي تسبب بها أحمد الجلبي ، كما تقول الوثائق الملموسة ، ومثلما اِعترف إلى صحيفة مصرية رسمية أحد أدوات التنفيذ ، وكذلك اِستنكاره لوجود تمثال للخليفة العباسي الثاني : أبو جعفر المنصور مؤسس بغداد .
[70] ـ هذه الفكرة التي تشرح ما هو جارٍ في الواقع العراقي الملموس ، خلال هذه الفترة الزمنية ، مستقاة من كتاب الشهيد شريعتي ، ص 172 .
يتبع * كاتب عراقي مقيم في هولندا 28 – 2 – 2008
|