|
الرؤية السياسية الإيرانية : كسروية طائفية . . . أم فارسية صفوية
موقع عربستان ـ بقلم : باقر الصراف*
الحلقة الرابعة عشر ـ 14 ـ نستخلص من كل ذلك ، وبناء على رصد تاريخي ملموس أو محسوس ، كما هو ، وليس تسطير ما هو متخيل أو كتابة ما هو مُفترض . . . نستخلص الوقائع والدروس الحقيقية والواقعية والمرئية الملموسة تماماً ، وليس المزوَّرة في الكتب والمتوهـَمة في الأذهان ، أنَّ الفارسية الصفوية قد رسمت خارطة أخرى بديلة للإسلام والتشيع بحدود صفوية فارسية كسروية وروح زرداشتية مانوية مجوسية ، وجعْل آل البيت أدوات صغيرة في خدمة مشروع عرقي ثقافي قومي شعوبي ساساني مبني ليس على ((غرار تزاوج الديانة المسيحية والقانون الروماني القديم ، بل أكثر من ذلك ، قسَّمَ مذهب التشيع وطمس قيمه الروحية القائمة على العدل والإمامة الهادفة لحماية الناس)) ، [71] ، ومن هنا بالضبط والدقة يمكن التعرف عن الأسباب الحقيقية لمعنى ((تركيز أجهزة الدعاية الصفوية على نقاط الإثارة والاِختلاف بين السنة والشيعة ، وإهمال نقاط الاِشتراك ، أو تأويلها بالشكل الذي يحيلها إلى نقاط خلاف أو يفرِّغها عن قدرتها على أنْ تكون أرضية صلبة لموقف مشترك بين الفريقين)) ، [72] .
والتفريق بين البشر على أرضية أيديولوجية فارسية طائفية هي العادة المتبعة عند الملالي في الوقت الحالي ، كونها هي أساس الرؤية الإيرانية الرسمية ، وهي خصيصة على مدى التاريخ العربي الإسلامي ، دون مراعاة المفاهيم الإسلامية للعمل التكاملي من أجل الخدمة الإنسانية لشتى الاِنتماءات الدينية : فالإنسان أما أخوك في الدين أو الخـَلق ، كما يقول الإمام علي بن أبي طالب ، [ك] ، والعمل الإنساني الصالح المجسَّد في سلوك قويم يستهدف تحقيق غايات نبيلة على طريق بناء المجتمع الإسلامي وفق المثل العليا المتمثلة في كتاب الله وسُنّة رسوله ، وسيرة أهل بيته وسلوك صحابته الكرام ، وذلك بجعل الإنسان المسلم سوي ومتعاون ومتضامن مع أخيه في الرؤية الإسلامية والإنسانية ، من كل النواحي ، لا كما يسعى إليه الفرس الصفويون عندما يمارسون نهجاً يتحول فيه الإنسان إلى عنصر غير عاقل وغير مدرك وغير صادق أمام نفسه وأمام الخالق عز وجل ، بغية تحويل قناعاته الدينية الحقيقية إلى عضوٍ ناشط في القطيع المذهبي من خلال جره من خطم أنفه إلى تعاليم بينها وبين الرؤى الإنسانية مسافات واسعة وتناقضات شاسعة من خلال تحويله ((إلى تشيع ومذهب قائم على الخرافة والضلالة والظلام والبدع والشرك)) ، [73] .
لقد ((عمدت الصفوية {المذهبية الفارسية} إلى إضفاء طابع ديني {أي مقدس قائم} على عناصر حركتها وجرها إلى داخل البيت النبوي ، إمعاناً في التضليل ، ليتمخض عن ذلك المسعى {المحسوب العواقب إلى} حركة شعوبية ((شيعية)) جديدة في التاريخ المعاصر ، خصوصاً بعد الاِحتلال الأمريكي المجرم للعراق وتحطيم دولته وإفلاش مؤسساته الخدمية ، من أجل أهداف فارسية عنصرية خاصة بإيران ، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير أبناء العراق كلهم ، ممن ينتمي أغلبهم إلى مفاهيم الحضارة العربية الإسـلامية ، وكذلك في سـياق عملهم الدائب ، ((في تحويل تشيع الوحدة ، إلى تشيع الفرقة)) ، ولعل توزيع كتاب ما يسمى بـ((مفاتح الجنان)) لمؤلفه الفارسي الصفوي الشيخ عباس القمي ، بمئات الألوف من النسخ وبشكل مجاني ، على أبناء الشعب العراقي من أجل تسميم أفكارهم وحرف أنظارهم وشدهم إلى نواحي التعصب والعزلة والعداء للآخر ، [74] ، يعـَّد علامة دالة على الجهد المبذول من أجل إحلال محتويات هذا الكتاب المليء بالخرافات الفارسية والشعوذات المدجلة ، محل الكتاب المنزَّل من الإله : أي القرآن الكريم ، من ناحية أخرى .
وفي الحقيقة أنَّ الدين الإسلامي يتميز عن باقي الأديان السماوية بصفاء نظرته النورانية واِتساق رؤيته الإلهية الحافظة لكينونة وجوده على مدى التاريخ واِختلاف سنوات الزمان ، وبغض النظر عن المكان المعين ، كما أكدت تلك الحقيقة تعاليم الكتاب العظيم : القرآن الكريم ، والذي تكفل الله بحفظه سرمدياً ، ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون)) ، [سورة الحِجْر ، الآية رقم 9] ، وعموده الأسـاس والكلي هو التوحيد لقدرة الباريء عزة وجل . قد يختلف العلماء المتدينون فعلاً والفقهاء المسلمون المتبحرون في النصوص ، فيما بينهم على بعض الفروع والتفاصيل ، ولكن الأساسيات والجوهريات التي تنتظم رسالته الكونية واحدة ، وذلك من خلال أصول فكرية وسماوية تتسم بالوحدة والتكامل ، مثلما تمتـِّن وحدتهم وتشجع تكاملهم وتحثهم على عمل الخير ـ إضافة إلى أنَّ تلك الأصول ـ تتماهي كلياً مع أهم الفروع الدينية الفقهية والتربوية ، لذا يمكن القول ، وبطمأنينة القلوب المؤمنة بالرسالة العالمية للدين الإسلامي ، أنَّ التوحيد هو السمة الأساسية للمجتمع الإسلامي الكبير والتي تجمعهم الحقيقة التي تعارف عليها كافة المسلمين : إنَّ الله تعالى واحد في ذاته لا تقسيم له ، وواحد في صفاته الأزلية لا نظير له ، وواحد في أفعاله لا شريك له .
والمجتمع العربي لبنة أساسية في ذلك التنوع الإسلامي العالمي ، إذا كان تسمية ذلك التنوع هي الكناية عن تسمية شعوب العالم الإسلامي ، له من السمات القومية المشتركة المميزة والواقعية ، كما هو شأن الأمم الأخرى ، لا كما يورد الطبرسي في كتاب أعلام الورى عن دور الإمام علي بن موسى الرضا ، على سبيل المثال لا الحصر ، إذ يقول فيه : ((بعدما أورد جملة من معجزات الرضا ، عليه السلام ، وأمّـا ما ظهر للنـّاس بعد وفاته من بركة مشهده المقدس ، والعلامات والعجائب ، التي شاهدها الخلق فيه ، وأذعن العام والخاص له ، وأقـرَّ المخالف والمؤالف به ، إلى يومنا هذا ، فكثير ، خارج عن الإحصاء والعد ، ولقد أبريء فيه الأكمة والأبرص ، وأستيجبت الدعوات ، وقـُضيت ببركته الحاجات ، وكشـفت الملمات ، وشاهدنا كثيراً من ذلك ، وتيقناه وعلمناه ، لا يتخالج الشـَّكُ والريب في معناه)) ، [75] ، فهي الجحود بقدرة الباري الواحد والإنكار لقدرة الخالق والنسف الكلي لما أورده القرآن الكريم والتعتيم التام على ما مارسه الرسول الكريم ، [ص] .
أما التشيع الصفوي له في الشرك الباع الطويل ، كما تقدم ، مثلاً ، وإنْ كان من باب محبة الإمام علي ، فبعض الفرق المذهبية ، والتشيع الصفوي ذاك ((يضع علياً في مصاف الله سبحانه ، ويزعم أنَّ له تدخلاً في خلق السماوات والأرضين ، وأنَّ محبته كفيلة في ضمان الجنة لصاحبها)) ، [76] ، كما يقول الشهيد علي شريعتي ، ووفقاً لما يروى عن حديث قدسي قال به الله [!؟] ((محبُّ علي في الجنّة ولو عصاني ومبغض علي في النار ولو أطاعني)) ، [77] ، وباِعتبار ذلك جزءاً من مفهوم الإمامة الذي لابد وللفرد الإمامي الاِلتزام بمضمونه ((الفكري)) على حساب المفهوم التاريخي الواقعي الذي ثبتته القيم الدينية الإسلامية والاِلتزام بشكل الحكم الذي أرسته الحضارة العربية الإسلامية الذي كان عنوانه ((الخلافة الراشدة)) وتنوع شكل السلطة فيها القائم على مباديء الشورى القرآنية : فيما الإمامة ، كما هو معلوم ، ووفق الرؤية الصفوية : ((هي الاِعتقاد باِثني عشر إماماً معصوماً مقدساً من عالم (ما فوق الإنسان) وهم الوسيلة الوحيدة للتقرب إلى الله والتوسل به والاِستشفاع إليه ، وهم اِثنا عشر ملاكاً غيبياً يلعبون دور الآلهة الصغار ويدورون حول إله السماء الأكبر)) ، [78] .
وهي مقولة تتناقض مع رؤية الإمام علي ذاته الذي وضع معيار العمل الصالح هو الأساس فيما إذا كان الإنسان مسلماً أم لا : ((لأنسبنَّ الإسلام نسبة لم ينسبها أحدٌ قبلي . الإسلام هو التسليم . والتسليم هو اليقين . واليقين هو التصـدِّق . والتصديق هو الإقرار . والإقرار هو الأداء . والأداء هو العمل الصالح)) ، [79] ، في حين أنَّ التعاليم الصفوية الفارسية جعلت كل ما تقدم أساسه ((الولاية)) التي هي ـ وفقاً للمنطق الصفوي ـ ((فهي بمعنى ولاية (مولائية) نجم عنها بالتالي عناصر دخيلة مثل الإسماعيلية والعلى اللهية والباطنية والحلولية والصوفية والهندية)) ، [80] .
لذا فإنَّ الصفوية الدعائية لا تتطرق للحديث،أبداً وبالمطلق،عن ((شكل حكومة)) علي الخليفة الراشد ، [ك]،وممارساتها العملية في الواقع،ولا عن ((طريقة كلامه،وطريقة سلوكه،متى يتصدى ومتى ينزوي ويعتزل العمل ، كيف يعمل وكيف يفكر،ما هي علاقته بالناس،وموقفه حيال الظلم ومواقفه من التملق والزور والتزوير والفقر والسرقة واِغتصاب الحقوق وإثارة الفتنة))،[81]،لأنَّ من شأن ذلك المقياس المطبق على أرض الواقع والمعيار الإمامي الراشد الذي أرساه أمام الجميع، أنْ يفضح السياسة الفارسية الصفوية التي تمارسها جمهورية إيران الراهنة بقيادة ما يسمى بالعلماء الفقهاء نواب الإمام الغائب ، ويكشف عن أنَّ كل الجرائم المرتكبة بحق التكوينات الاِجتماعية من غير التكوين الفارسي ليس لها علاقة بأي مستوى من مستوى الأفكار الدينية الإسلامية تجاه القزميات التي تعيش في إيران الحالية ، ناهيك عن سلوكهم المشين تجاه الشعب العراقي كله .
التشيع الصفويُ الثقافي المليء بالرؤى السوداوية لكل شيء لا يتسق مع الرؤية الفارسية ، فقط ، بل أصبح رؤية سياسية وطائفية وعنصرية مهيمنة على غالبية المنطقة العربية العراقية ، بعد اِحتلال الصليبيين الصهاينة للعراق في التاسع من نيسان من عام 2003 ، كون الدولة الإيرانية وتوجهاتها السياسية وبرنامجها العملي الفعلي أصبحت قوة طاغية على المستوى الإقليمي العربي كله ، والخليج العربي خصوصاً عبر الوسائل السياسية والمالية الدعائية ، من جهة أولى ، والأدوات الطائفية الملتفة حول أحزاب عراقية الاِسم ، فارسية الهوى ، صفوية الاِلتزام ، من جهة ثانية ، قاتلة للكفاءات الوطنية العراقية عبر الاِغتيال المجرم الآثم ، وطاردة للبشر العراقيين المخلصين لوطنهم ، وخصوصاً من العرب من الذين توزعوا على منافي الأرض العربية وتشتتوا في كل أرجاء العالم ، من جهة ثالثة ، ومصدِّرة الآفات الاِجتماعية الضارة للشباب العراقيين ، من قبيل تصدير الأمراض المعدية للعراق ، ونشر المخدرات وتعميمها داخل المجتمع العراقي ، وتخريب المنجز العمراني أو تهريبه إلى إيران وسرقة خيرات العراق ، من جهة رابعة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش والمصادر
[71] ـ راجع كتاب الشهيد شريعتي ، مصدر سبق ذكره ، ص 206 ـ 244 . [72] ـ المصدر السابق ، ص 141 . [73] ـ المصدر السابق ، ص 238 . [74] ـ ((مفاتيح الجنان)) ، كما قلنا عنه في إحدى الحلقات السـابقة ، كتاب مؤلف من 880 صفحة من القطع الصغير ، يحرص البعض من غير المعروفين على توزيعه مجاناً في العراق وفي بعض المحافظات والأقضية التي تقطنها أغلبية إمامية ، وبكثافة ملفتة للنظر ، وذلك في أعقاب الاِحتلال الأمريكي المجـرم للعراق العظـيم في التاسـع من شهر نيسان عام 2003 ، صادر عن دار الحسين ، ع ، بيروت / لبنان ، تأليف ما وصفه الكتاب بالفقيه المحدث الشيخ عباس القمي ، الطبعة الأولى 1423 هجرية ـ 2003 . وهو كتاب مليء بالأدعية التثقيفية التي وضعت نصب عينيها السب واللعن لكل القامات العربية الإسلامية الخالدة ، بذرائع كثيرة ومختلفة . [75] ـ راجع المصدر السابق ، ص 571 . [76] ـ تجدر الإشارة إلى الوضع الحالي للمجموعة المسماة بـ((العلوية)) الحاكمة في سورية ، لا يمارس أغلبها أي طقس ديني إسلامي اِعتماداً على أن ((الإله علي)) هو الذي سينجيها يوم القيامة ويدخلها الجنة ، وإحدى براهينهم مستقاة من الحادثة التاريخية القائلة بأنَّ الإمام علي هو الذي صلى على الرسول عند وفاته ، لذا : فالذي صلى عليه هو الإله ، أما ما جاء في كتاب الله وأقوال الرسول ، وما ورد في نهج البلاغة ، فلا شأن لهم بها ، كما يبدو ، وتلك حقيقة سيعرفها أي فرد تعايش مع القسم العلوي الذي هو جزء من الشعب العربي السوري ، واِختبر مدى فهمه للإسلام . [77] ـ راجع كتاب الشهيد شريعتي ، ص 223 . [78] ـ راجع كتاب الشهيد شريعتي ، مصدر سبق ذكره ، ص 309 . [79] ـ راجع كتاب نهج البلاغة ، للإمام علي بن أبي طالب ، اِختيارات العلاّمة محمد عبدة ، الجزء الرابع ، ص 685 ـ 686 . [80] ـ راجع كتاب الشهيد شريعتي ، مصدر سبق ذكره ، ص 255 . [81] راجع كتاب الشهيد شريعتي ، مصدر سبق ذكره ، ص 79 .
* كاتب عراقي مقيم في هولندا
|