الرؤية السياسية الإيرانية :

كسروية طائفية . . . أم فارسية صفوية

 

موقع عربستان ـ بقلم : باقر الصراف *

 

الحلقة الخامسة عشر

ـ 15 ـ

 

     إن إيران : ((الجمهورية الإسلامية)) تحرص ـ مثلما يحرص عملاؤها ـ على توريد أمراضهم الفكرية العنصرية والطائفية المقيتة للعراق ، من خلال رفع ((الرايات السود)) التي تزعم تمثيلها الثورة الحسينية في العاشر من محرم من عام 61 هجرية ، وفق منظور الإيرانيين العنصريين ومن دون مضمونها الحقيقي : الفكري والديني الذي يتقدمها رفض الظلم ومقاومة الغزو ، والجهاد باليد واللسـان والقلب ، كما دعا الرسول الأعظم ، [ص] ، في حديثه المعروف : ((مَن رأى منكم منكراً فليغيره بيده أو بلسانة أو بقلبه ، وذلك أضعف الإيمان)) ، لا الطلب من القوات الأمريكية البقاء فوق أرض المسلمين تحتلها وتسوم أبناء الشعب العراقي : العرب منهم لاسيما المناوئين للاِحتلال الصليبي الصهيوني الأمريكي والمجاهدين المسلمين ضد عساكره الباغية المنفلتة في ظلمها البشع كذلك . . . يسومونهم سوء العذاب والمطاردة والسجن والتهجير والقتل . . .

 

      ترفعها إيران الدولة : بأيادٍ ساسانية العرق ، مجوسية الفكر السياسي والنهج العملي ، ناهيك عن المذهب الطائفي : الصفوي الفارسي ، لتبشـر بثقافة الضم والتقبيل والتفخيذ ، والممارسـة العملية بالتعذيب والسـلق والثقب بالدريل الكهربائي ، والتصفية الجسدية للمسلمين لأنهم يحملون أسماء أبا بكر وعمر وعثمان ، وبذريعة الاِنتقام من : النواصب {وكل عربي مخلص لحضارته العربية الإسلامية هو ناصبي في نظر الفرس} . . . وهي ممارسات معلومة كانت تتجسد بتصرفات الجنود الفرس إبّان مرحلة الحرب العراقية الإيرانية التي اِستمرت ثمان سنوات لرفض ساسة ((جمهورية إيران الإسلامية)) وقف الحرب قبل تحقيق أهدافها السياسي المعلنة ، وكذلك ، يعرفها جميع الأسرى العراقيين لدى ((الجارة)) إيران :  إبـّان مرحلة تلك الحرب التي ذهب ضحيتها ملايين البشر من الطرفين : الشعب العراقي والشعوب الإيرانية .

 

   فضلاً عن ثقافة فارسية عنصرية مترسبة في عقولهم المريضة ونفوسهم المغرضة ، منذ سقوط المُلك الكسروي الساساني على يد القائد السياسي للجمع المؤمن : أي الخليفة الراشدي الثاني الفاروق : عمر بن الخطاب ، [رض] ، وجيش الفتح العربي الإسلامي . . . واِعتراف قادتهم تحت وطأة الشعور بالهزيمة والاِندحار . . . أعني اِعتراف الرمز الفارسي يزدجرد : القائد العسكري بحقيقة كينونة وهوية العراق العربي والأحواز العربية ، إذ تقول الوثائق التاريخية : ((لم يزل يزدجرد يثير العجم وقد اِتخذ مركزاً له في مرو بأقصى حدود مملكته . . . فقال لهم : ((رضيتم يا أهل فارس إنْ غلبتكم العرب على السواد وما والاه والأهواز ، ثم لم يرضوا بذلك حتى تورودكم في بلادكم وعقر دوركم))،وهو اِعتراف صريح بالطبيعة القومية للعراق والأحواز : في اِختلاف مضمونها عن التكوين الفارسي [راجع كتاب إستراتيجية الفتوحات الإسلامية : سقوط المدائن ونهاية الدولة الساسانية ، تأليف أحمد عادل كمال، إصدار دار النفائس،الطبعة الخامسة 1407 هجرية ـ 1987 ميلادية ، ص 163] . . .

 

      ثقافة قوامها تزوير التاريخ الواقعي الي رسم معالمه الدين العربي الإسلامي،وترديد الأدعية الحاقدة على الإسلام والمسلمين بديلاً عن العمل القويم الصحيح النافع للبشر الذي خلقهم الله في أحسن تقويم . . .

     ثقافة قوامها السب واللعن واللطم والنواح والتطبير : أي شج الرؤوس بالسيوف والقامات ، والضرب على الظهور بالزناجيل المزودة بالسكاكين الحادة والمدببة والمعقوفة ، في سياق تنفيذ تقاليد مازوشية مريعة ومروعة ، والطواف بالصحن الحسيني في يوم العاشر من محرم الحرام من كل عام يعيدون فيها تكرار ما يقوله المسلمون في يوم عرفات لأداء مناسك الحج : لبيك يا حسين . . . لبيك يا حسين . . . بديلاً عن نداء كل المسلمين الذي أوجبته الشريعة الإسلامية السمحاء : لبيك اللهم لبيك ، [82] .

 

      ناهيك عن وضع السلطة الفارسية الصفوية قضايا العرب والمسلمين في خانة دبلوماسيتها من أجل المساومة مع الشيطان الأكبر : الولايات المتحدة الأمريكية ، وكيان الاِغتصاب الصهيوني العنصري  ، [83] ، ومما يثير السخرية أنَّ هذا الطواف والترديد لتلك الشعارات / النداءات اِنتقلت لمناطق في العالم ، لاسيما في الدول الأوروبية .

 

    في ختام مناقشة أصول ودوافع اِستخدام هذا المصطلح : الصفوية الفارسية ، علينا التطرق إلى الملاحظة التالية التي سـمعناها مباشرة في بعض المناسبات : حيث يحاول البعض التأفف من اِسـتخدام هذا المفهوم : أي الصفوي ، عبر القول أنَّ السائرين في ((الفكر الوهابي السعودي)) ومروجي مذهبهم هُـم مَنْ أشاعوه ، ويجري التأكيد في سياق ذلك أنَّ ذلك الشعار وتطبيقه يستهدف الشيعة كلهم من عربهم وغير عربهم .

 

    إنَّ هذا الإدعاء يحاول رؤية هذه الطائفة التي تتوزع في كل الجغرافيات العالمية ، على أنها ((كل اِجتماعي)) لا يخضع لقوانين التطور والتحول والاِختلاف في المستويات الحياتية ، ويصرون على ترديد المزيد من المعزوفات التي رأينا ضلالها وتضليلاتها عبر ضرب الأمثلة التي أوردها كتاب الشهيد شريعتي ، بهدف القول عن المخاطر الحتمية التي ستنجم عن اِستخدام هذا المصطلح ، ومن ثم ستصيب أبناء الطائفة على اِختلاف مناطقهم وتنوع قومياتهم بمختلف ضروب العسف والقمع والقتل ، علينا القول : إنَّ هذا البعض : المناصر للرؤية الصفوية الفارسية ، يحاول اِستخدام منطق صوري معزول عن الحياة ، ولا يتطرق عن مسببات ونتائج العمل بهذا المصطلح .

 

      يقول هذا البعض : فقد يتسبب اِستخدام هذا المفهوم : الرؤية الفارسية الصفوية في قتل الأبرياء واِغتيال ((علماء الدين)) من الشيعة ، ثم يضيف هذا البعض : تساؤلاً ينبع محتواه من الفترة العثمانية وذلك للبرهنة على وجهة نظره ، وهي الفترة التي تحكمت الإمبراطورية العثمانية بشؤون العراق الكلية ، وهي فترة زمنية تجاوزت الأربعمائة عاماً ، عن السبب الذي لم تبرز فيه مثل هذه المفاهيم السياسية تجاه النظرة العربية الإسلامية تجاه الأتراك .

 

    نحن نعلم أنَّ الطورانية هي النعت الذي لخص مضمون الموقف العربي من خلال الرؤية التي طرحها المفكرون والسياسيون والعربيون من النزوع العنصري الذي جاءت به ((جمعية الاِتحاد والترقي))،الطورانية كانت نزوعاً قومياً عنصرياً ، وهي في حقيقتها الفعلية لم تتحول إلى أيديولوجية شمولية مبنية على اِستغلال المفاهيم الإسلامية أو المذهبية ، كما هو حال مفهوم : الصفوية الفارسية ، لكي يحولها البعض المتعصب والعنصري إلى أطروحات أيديولوجية ومعيارية : الطورانية : لمحاكمة رؤية الآخرين،على ضوء ((سرمدية الشكل الإمبراطوري العثماني)) .

 

     وفي الحقيقة أنَّ ما فات هذا ((الشخص المتفقه)) وهو يعبِّر عن حالة وجدانية لدى العديد من هذه القطاعات الطائفية المنغلقة على ذاتها ، ولا تريد الاِستماع إلى وجهات النظر الأخرى ، حتى لو كانت مدعَّمة بالآيات القرآنية والمسـار التاريخي العربي الإسلامي ، والسنّة النبوية كما هي . في الحقيقة  أنَّ هذا المصطلح : الفارسي الصفوي هو تكثيف شديد للسياسة الإيرانية الحالية على المستويات كلها ، السياسة السابقة والراهنة تجاه العراق .

 

      ويضيف هذا المتفقه : فيما لم تشغل المرحلة الإيرانية سوى عدة أعوام ، مقارنة بسياسة عثمانية 400 سنة ونيف ، وهي تمارس بعض شـؤونها المذهبية والسياسية في داخل العراق ، هذا ـ كما يؤكد ربما يكون مضطراً ـ إذا وقعت بعض الأخطاء البسيطة وليس اِنتصافاً لمظلومية شيعية ، وإحقاقاً لحق تاريخي مستلب مزعوم ، وغير ذلك من أقوال وإدعاءات تحاول تبرير السياسية الفارسية العنصرية والتوجه الطائفي الذي يتحكم بالجسم السياسي ((المتشيع)) والمتحكم بالأوضاع السياسية العراقية في الوقت الراهن كتنظيمات عبد العزيز حكيمي وهادي العامري حزب الدعوة بشظاياه المتعددة ومقتدي الصدر وغيرهم من التنظيمات السياسية الطائفية ، التي أفرزت تدميراً شاملاً للعراق ، [83] ، لا شك في ذلك .

 

    إنَّ هذا البعض الذي يثير تلك المسائل التاريخية ، تنبع أفكاره من وعي مذهبي متكور على ذاته ، يرى في ((الطائفة)) هي الوطن والأمة وعموم الرؤية العربية الإسلامية التي قال الرسول الأعظم عن أبنائها الذين قد يختلفون في شؤون دينهم ، ولكن الرسول ، [ص] ، اِنطلق من روحية ، ((إنَّ اِختلاف أمتي رحمة)) ، في حين أنَّ هذا البعض يتحدث بذلك المنطق ـ إذا صح اِعتباره منطقاً ـ من دون أنْ يطل على حقائق سماحة الدين الإسلامي ، أو يطل عليها بشكل عابر ، ولا يضعه في سياق التحليل السياسي والتاريخي الذي ينطلق من وعي كلي بالمقاصد العليا للدين الإسلامي .

 

    إذ أنَّ الوحدة ((المذهبية)) ـ كما يقول ويدعي ـ أكثر ترسخاً واِنسجاماً في الواقع ، حتى من الوحدة الوطنية الاِجتماعية التي تكونها أنواع المدارس الفقهية للدين الواحد والأديان السماوية والطبقات المتراكبة في المجتمع ، وأكثر اِتساقاً من المكونات الاِجتماعية للأمة العربية ومكوناتها القومية العربية ، وأكثر ترتيبا واِنتظاماً من المفاهيم الدينية الإسلامية ، وفقاً لقناعاته التي يتحدث بها ، باِعتبارها الطائفة الوحيدة الناجية ، متناسياً أن الوحدة الوطنية القطرية المتماسكة هي الأساس في بناء الوحدة القومية العربية التي هي الأخرى محطة أساسية في سياق وحدة العالم الإسلامي : إذا كان ذلك ممكناً ، بسبب تناقضات شؤون البلدان الخاصة من حيث التكوين القومي المكونة لذلك العالم ، رأيه ذاك شبيه بهرطقات البعض . . . أي على طريقة ((أفكار)) فروع حزب التحرير المختلفة والمنتشرة في بعض مناطق العالم الذي تنادي بالخلافة المركزية الواحدة ، من دون أخذ التجربة العثمانية الفعلية ـ مثلاً ـ بنظر الاِعتبار .

 

    ثم أنَّ الوحدة المذهبية : الطائفية ، لا يجمع بين أهدافها التكوينية والسياسية أية أبعادٍ أمنية أو مستقبلية أو اِقتصادية أو نوعية على أساس التكوين الوطني أو القومي ، وإنما يتحدثون على ضوء تلك ((القناعات)) الفكرية / الطائفية . إنَّ تلك الأقوال والإدعاءات ترتكز أساساً على عدم تحقيق منجزات عملية ملموسة في الأداء السياسي للأنظمة العربية ، متخذين من هذا الفشل أو تلك الكبوة دليلاً على طرحهم ((الطائفي)) أو متكئين على عدم نجاح المشاريع السياسة القومية في الوطن العربي خلال أغلبية سنوات القرن الماضي ، بسبب عدم تحقيق الاِستقلال السياسي الفعال ، والقضاء على مخلفات الاِستعمار البريطاني الفرنسي الذي اِعتمد في تكوين السلطات القطرية على رؤساء القبائل والعشائر والإمعات ، وتحقيق الوحدة العربية وتحرير الأراضي العربية المحتلة ، بعد شطب القضية الوطنية والقومية الأحوازية من مسلسل حديثهم . في الواقع أنهم يجهدون ((فكرياً)) من أجل بناء تصور سياسي أيديولوجي آخر ، دون أنْ يضع رؤيته في إطـار معرفي وتاريخي معين ومحدد يتعلق بمفاهيم ((الزمان)) و((المكان)) الملموسين .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش والمصادر

    [82] ـ يركز العالم الشهيد شريعتي في بكتابه القيم عن خلفيات هذه الممارسات الدخيلة على الإسلام ، فيستخلص ـ وبناء على معلومات ـ أنَّ : وزير الشعائر الحسينية قد زار أوروبا الشرقية واِستورد تلك ((التقاليد)) التي كانت تقام لإحياء الشهداء المسيحيين ، وقام الملالي بدورهم في مزاوجة تلك التقاليد بالموروث الإيراني ، وأدى ذلك ((إلى ظهور موجة جديدة من الطقوس والمراسم المذهبية لم يعهد لها سابقة في الفلكلور الشعبي الإيراني ولا في الشعائر الدينية الإسلامية)) ، ص  [208] ، الأمر الذي يعني ((أنَّ كل هذه المراسم والطقوس الاِجتماعية والعرفية هي صيغ مقتبسة مما هو عند النصارى في أوربا ، وقد بلغت هذه الظاهرة حداً من السذاجة أنَّ الاِقتباس يتم بصورة حرفية دون أي تغيير)) ، [ص 211] ، راجع الصفحات المعنونة : نصرانية الغرب والتشيع الصفوي ؛ الإفرنجي في كربلاء ! على الصفحات 206 ـ 212 من كتاب الشهيد شريعتي .

     كما ، يمثل الاِحتلال الإيراني غير المباشر ، ولكنه الملموس على صعيد الوقائع ، المأسـاة الكبرى في عراق اليوم ، وليس أدل من ذلك الاِحتلال ، ودور إيران في الوضع العراقي ، من مباحثات الطرفين الأمريكي والإيراني التي بتنا نرى توالي اِنعقادهما في العلن ، بعد أنْ كانت سرية ، أو تلاقيهما على أرضية مصالحهما الإستراتيجية ضد الدولة العراقية ، وتعاونهما منذ الاِحتلال وللآن ، من ناحية أولى . وكذلك ، نرى ما هو حاصل في الجنوب العراقي من تمدد إيراني : مخابراتي وسياسي يخدم الدولة الإيرانية أساساً ، من ناحية ثانية . ونرى أيضاً ،  الاِحتراب اليومي والعبثي بين مكونات المجتمع العراقي على أسس مذهبية وطائفية وميليشياتية وما ترتب عليها من تهجير وفرز ما بين المناطق في المدينة الواحدة ، من الناحية الثالثة .

    علاوة على البطالة العامة المنتشرة في المجتمع بعد تدمير النهضة الصناعية وبيع منجزها أو تهريبها إلى إيران ، لاشك أنَّ مسألة الفوضى التي تعمد الاِحتلال على إطلاقها قد جعلت أغلبية الطاقة العاملة العراقية تقع في مستنقع البطالة ، أفرزت العديد من الظواهر المرضية ، وبعضها سلاح ذو حدين ، من قبيل اِضطرار الناس إلى الذهاب إلى القوات المرتزقة التي تسعى لتوفير الحماية للقوات المحتلة من مختلف الطوائف ، من جهة أولى ، أو الاِنخراط في التنظيمات المليشياوية المسلحة التي تتلقى الأموال الطائلة من الدولة الإيرانية على وجه التحديد ، من جهة أخرى . ومَنْ يدفع يسير ، كما هو معلوم . أما الضحية الأساسية لهذا الواقع المريع ، والمروع ، هو المجتمع العراقي وأغلبية مكوناته الاِجتماعية ، ناهيك عن كونهما يوفران ((الأمن الشخصي)) للمنخرطين فيهما ، كما يعتقدون ، من خلال قتل المواطنين الأبرياء أي تنفيذ ما تريده إيران ، من جهة ثالثة . . . إلخ . . . إلخ .

   وقد غدت حياة المرأة تحت سطوة السلطات الظلامية الحاكمة في عراق اليوم وأفراد الميليشيات . . . غدت مريرة جداً ومؤسفة في غاية الأسف ، فقد جرى حرمان أغلبهن من العمل أو الدراسة بعد أنْ غاب مفهوم الأمن عنهن ، في مجتمع يقدس ـ عن حق أو باطل ـ كرامة المرأة الأخلاقية وشرفها ، وسيادة مفاهيم العار والفضيحة في المجتمع ، والتغييب القسري للعناصر المسؤولة عن حياتهن الضامنة للرزق وسد لقمة العيش ، سواء عبر الاِعتقال أو التشريد أو القتل ، أو الفصل العشوائي من الوظائف بذريعة صدور قانون اِجتثاث البعث . وحتما ستوصل هذه الأوضاع ونتائجها العملية إلى اِرتكاب الجرائم الأخلاقية المقرونة بالقتل للتستر على تلك الجرائم ، ومحاولات إخفاء الدوافع الحقيقية للقتل ، الأمثـِّلة الحسية الملموسة على نهج قوات الاِحتلال الجبانة والمجرمة وأفعال عملائها الفرس الصفويين ، التي أبرزها عمليات الخطف وأخذ أموال الفدية قبل قتل الضحايا المختطفين ، أو قتل بعضهن على أيدي أفراد أسرهن بداعي التخلص من إحتمال ((وقوع الفضائح)) التي لم تكن أية اِمرأة مسؤولة عنها .   

   ولعل الدراسة الجامعية التي كانت منارة للعلم في العهود السابقة قد غدت في الواقع الراهن نموذجاً كافياً للبرهنة على ما نقول : إذ كانت مراحل الدراسة المختلفة : الاِبتدائية والثانوية والكليات والدراسات العليا ، قد تنامت منذ السنوات الأولى للقرن العشرين : سنوات تأسيس الدولة العراقية ((المستقلة)) في العام 1921 ، وبلغت أشواطاً متقدمة وكبيرة في أواخر السبعينات ، حيث بلغت المصروفات المالية عنها ما يمثل مقداره ربع موازنة العراق الخدمية قبل الحرب العراقية الإيرانية ، وذلك لنشـر التوجه العلمي في مرافق الدولة العراقية وذلك لاِحتلال الموقع الملائم في العالم المعاصر ، وكذلك ، من أجل الولوج في أية عملية تطورية مطلوبة في مرافق الدولة العراقية ، وإيجاد معايير التي تشترطها عملية نشـر المعرفة : التي هي قوة في نهاية المطاف ، وفق معايير تعريف المعرفة  ، ولكن تلك المؤسسات التعليمية والمعرفية تحولت بقدرة الاِحتلال الأمريكي ومن خلال التدخلات الإيرانيـة في الداخـل المجتمعـي العراقـي ، ونشـر عوامل التخـلف في كل المرافق الحيوية داخل النهضة العراقية . . . تحولت إلى واقع مأساوي راهن . إنَّ نشر صور قادة الأحزاب الطائفية التابعة لإيران في الجامعات العراقية ، وبث الخرافات التي تخالف أي منطق علمي لسيرورة التاريخ ، وإقامة مجالس اللطم والنواح وعقد مجالس العزاء التي يتحدث فيها الأميون أو أشباههم ، عن التاريخ العربي الإسلامي من خلال مشوار التزييف والتزوير ، والتعاطي مع الشأن الدراسي في كافة مراحله على أرضية تجزيئية تفتيتية وطائفية إثنية ، كلها براهين على الدور الصفوي الفارسي .

    إن السياسة المبرمجة لاِغتيال العلماء وقتل الأطباء واِستئصال الأساتذة الجامعيين من ذوي الاِختصاصات العلمية  فاقت كل تصور وجعلت تلك الأحداث تطبع المظهر اليومي للواقع الاِجتماعي العراقي ، ففي كل يوم تتناقل وكالات الأنباء عمليات الاِغتيال السياسي والمادي لأساتذة الجامعات النابغين وفق سياسة مدروسة ، ويفرض على الآخرين سياسة ترك العراق إلى الخارج ، مثلما يجري يومياً الاِغتيال المبرمج لاِغتيال الطيارين العراقيين الذين شاركوا بفعالية في رد العدوان الإيراني على الدولة العراقية في عقد الثمانينات ، وكتابة لوحات مثبتـة على واجهـات بيوتهم :  عليها وبخط واضـح  : هذا جزاء كل مََنْ يقصف جزيرة خرج . ولو تعرضنا إلى مسلسل الاِغتيالات اليومية التي تطال أعضاء الجيش الشعبي والبعثيين لطال بنا التوقف أمام أرقامها المروعة .   

     ولعل مثال : الهجرة العراقية على الصعيد الخارجي ، وإتباع سياسة التفتيت المذهبي والإثني التي أدت إلى الهجرة في الداخل وتشذير مجتمع المدن على أساس طائفي ، وما يستتبع ذلك من تبادل لعمليات الاِختطاف والقتل العشوائي وحرق مراكز العبادة لدى كل طرف من أطراف الصراع العبثي ، تمهيداً لصناعة الفتنة العمودية التي ينبغي أنْ تسود كافة بقاع الوطن في نهاية المطاف ، هي مجرد مظهر واحد ، وإنْ كان خطيراً على حاضر ومستقبل العراقيين ، فإعاقة التطور والتقدم ، وإيقاف عجلة النمو والقتل على الهوية وتشريد الكفاءات إلى خارج العراق ، يصبح الممر الوحيد لمستقبل العراقيين ، وتلك دروس تاريخية مستمدة من كل التجارب المعاشة في جميع البلدان التي واجهت مثل هذه الظواهر المؤسفة .

    إنَّ  القتل المتعمد والتفجير المتواتر في المناطق المكتظة بالسكان البسطاء والأبرياء من أجل بث الرعب وإشاعة الخوف وتوتير الأجواء وصولاً إلى ترويج منطق الحرب الأهلية العمودية التي لا يعرف طرفا حلقتها أبداً ، وفعالية دور الشركات الأمنية الخاصة ، وكذلك دور الأحزاب التابعة إلى إيران ، ومنظماتها المدعومة مالياً في تأجيج الفتن العبثية ودورها في نشر المخدرات في العراق ، وسرقة المنجز العلمي وتخريب المصانع ومراكز الأبحاث واِغتيال العلماء والمبدعين والطيارين وفق أساليب خبيثة وهي ماركات فارسية مسجلة باِسمها ، وتعرفها جيداً الشعوب التي تعيش في إيران وفي مقدمتها الشعب العربي الأحوازي الذي جرى اِحتلال أراضيه منذ العام 1925 وجرى تصفية أغلب كوادره .

     ومعلوم أنَّ تلك الأحزاب الصفوية الفارسية هي التي تملك أذرع مسلحة تطارد بها جميع الوطنيين العراقيين في سبيل تغييبهم عن الحضور الحياتي والإنساني والسياسي ، ويكفي أنها تتلقى ملايين الدولارات يومياً لتنفيذ المشاريع الإيرانية بشكل يومي ، إنّ أحزب مقتدى الصدر وعبد العزيز الحكيم وأحزاب الدعوة وتشظياتها ، ونشاطها الموتور تبرهن على الدور الإيراني السياسي في العراق ، وما المفاوضات الأمريكية ـ الإيرانية ـ كما أشرنا إلى ذلك سـابقاً ، حول ما يسمى بالاِستقرار الأمني في العراق ، هو أحد البراهين الدالة على الدور الإيراني في العراق . . . إلخ .

       لذا ، فإنّ تحرير الوطن على قاعدة بقاء الدولة العراقية موحدة يقتضي ، كذلك ، قطع شأفة التدخل الإيراني والقضاء على اِمتداداته في الداخل العراقي ، وهي المهام الأسـاسـية لجميع الوطـنيين العراقيين ، رغم اِختلال ميزان القوة بين طرفي الصراع بين العراقيين الوطنيين ، من جهة ، والمحتلين وعملائهم وأذنابهم ، والتي تشكل المقاومة العراقية طليعتهم المجربة في ساحات ميدان الجهاد ، من جهة ، والاِحتلال الأمريكي والقوات الغازية والعملاء لأمريكا وإيران ، من جهة أخرى ، ودون إنجاز تلك المهمات سيبقى العنف العبثي في عراق اليوم هو سيد الموقف ، لذلك رفع التحالف الوطني العراقي شعاره الإستراتيجي الرئيسي والأول : العراق باقٍ والاِحتلال إلى زوال .

     إلى ذلك . . . افتتحت إيران الثلاثاء الموافق 6 / 11 / 2007 قنصليتين لها تمثل الحكومة الفارسية الصـفوية لدى حكومة الأمر الواقع في إقليم كردسـتان في شـمال العراق، في مدينتي أربيل والسـليمانية   ، وقال حسن كاظمي قمي السفير الإيراني في بغداد خلال المراسم التي جرت في أربيل وحضرها ما يسمى برئيس وزراء الاقليم نيجرفان بارزاني وممثلين عن الأحزاب الكردية التي تتحكم في الحالة الاِنفصالية ، الأمر الذي ستنشط الأعمال الإستخبارية الإيرانية ، وشدد قمي علي أهمية العلاقات الإيرانية ـ العراقية قائلا اليوم لدينا علاقات تجارية وسياسية جيدة مع العراق وحجم التبادل التجاري السنوي يبلغ ملياري دولار وهناك مليون مواطن عراقي يزورون إيران سنويا وهناك نصف مليون إيراني يزورون العراق سنويا لزيارة العتبات المقدسة أو للتجارة ،  الأمر الذي يوضح الإستراتيجية السياسية الإيرانية ، فيما وصف ما يسمى برئيس وزراء إقليم كردستان العراق الافتتاح بأنه خطوة مهمة ، قائلاً : ليوم نحن سعداء لأن جمهورية إيران الإسلامية قامت بشكل رسمي بافتتاح قنصليتها في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق ، وهو ما يعنى تأييدها العملي لتجزئة العراق وتفتيت مجتمعه إلى طوائف وإثنيات . [نقلاً عن وكالات الأنباء والصحف الصادرة يوم 7 / 11 / 2007] .

 

    [83] ـ وكان كتاب أمريكي قد أكد على أنَّ :

طهران عرضت صفقة على واشنطن بعد الاِحتلال الأمريكي للعراق

تضمنت: احترام المصالح الإيرانية في العراق

 

     الملف ـ واشنطن ، نقلاً عن موقع التحالف الوطني العراقي ، الاِثنين 5 / 11 / 2007 

 

     ((كشف كتاب أمريكي جديد صدر خلال شهر أكتوبر / تشرين الأول أنَّ إيران عرضت صفقة على أمريكا)) بعد اِحتلالها للعراق ،  وقد ((تضمنت مقترحات منها احترام المصالح الإيرانية في العراق)) والمتاجرة بالموقف الوطني اللبناني ، منها ((نزع سلاح حزب الله)) ، وكذلك ((دعم المبادرة العربية)) لما يسمى بالسلام ، و((التعاون في الحرب على)) ما يسميه المتعولمون الأمريكيون ((بالإرهاب)) .

 

    ((ويروي الكتاب الذي كتبه أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ((جونز هوبكينز تريتا بارسي)) قصة الاتصالات الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية)) بعد ما أسماه بـ((الإطاحة بصدام حسين)) وهي كناية دعائية أمريكية بديلة للاِحتلال العسكري الأمريكي للعراق من أجل تضليل العالم كله ، ((مستندا على130 مقابلة أجراها مع مسؤولين حاليين وسابقين في الإدارة الأمريكية)) مثلما ((يتحدث الكتاب عن تفاصيل مؤتمر أثينا العام 2003 والذي بدأ أكاديميا وتحول مائدة للتفاوض بين تل أبيب وطهران، إلى جانب الكشف عن خفايا اجتماعات عقدها مسؤولون أمريكيون وإيرانيون)) ، و((تضمن هذا الكتاب الذي يحمل عنوان (التحالف الخبيث : أسرار التعاملات بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة : وثائق العرض الرسمي من إيران)) مشيراً إلى أنه في أواخر ابريل/ نيسان 2003 وقبل أيام معدودة من خطاب "انجاز المهمة" لبوش في أوائل مايو/أيار قدَّم الإيرانيون مسودة ((صفقة كبرى)) لواشنطن أعدَّها سفير طهران لدى فرنسا آنذاك صادق خرازي، ووافق عليها)) ما يسمى  بآية الله  ((علي خامنئي مستخدما السفير السويسري في طهران آنذاك تيم غولدمان باعتباره وسيطا ومستشارا في الوقت نفسه)) ، هذا وقد ((تضمن العرض الإيراني وقف الدعم لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) و(الجهاد الإسلامي) والمساعدة في تحويل حزب الله إلى حزب سياسي يقتصر وجوده فقط داخل لبنان ، والتعاون في مكافحة القاعدة وفتح المنشآت النووية الإيرانية أمام المفتشين الدوليين لتأكيد طابعها السلمي)) ، وهي النقاط التي توضح الموقف السياسي الإيراني من حيث تحويل هذه المنظمات إلى مجرد رقم في سوق المنافسات والمساومات مع عدو أمتنا العربية ، و((على الجانب الأخر طالبت طهران أيضا بإنهاء العقوبات الاقتصادية بالكامل واحترام المصالح الإيرانية في العراق والروابط الدينية في النجف وكربلاء والسماح لها بتكنولوجيا سلمية وملاحقة منظمة مجاهدي خلق المعارضة)) وهي الهموم الفارسية الصفوية الراهنة .

     و((يؤكد الكاتب بارسي أنَّ النائب الجمهوري السابق بوب ناي الذي يتقن الفارسية وعمل في إيران قبل)) ما أسماها بـ((الثورة الإسلامية)) ، كان قد نقل الوثيقة / العرض إلى البيت الأبيض بواسطة اقرب مستشاري بوش السابقين، كا رل روف)) ، كما ((يكشف الكتاب عن أنَّ كلاً من مستشارة الأمن القومي في ذلك الوقت كوندليزا رايس وزير الخارجية كولن باول ونائب وزير الخارجية ريتشارد آرميتج عملوا بقوة من اجل إقناع الرئيس الأمريكي جورج بوش بالرد على المبادرة، إلا انه استمع إلى نائبه ديك تشيني ووزير الدفاع آنذاك رامسفيلد اللذين تحفظا عليها بشدة بذريعة(عدم التحدث مع الشر))) ، مثلما يشير الكتاب إلى أنَّ اتصالات إيرانية إسرائيلية جرت في مؤتمر أكاديمي استضافته أثينا قبل أسابيع من تسليم غولدمان نص الوثيقة إلى ناي، وان الطرف الإيراني أعاد خلالها التأكيد على العرض)) ، وكذلك ((ينقل بارسي عن مسؤولين إسرائيليين إن الرسالة هي نفسها التي نقلها ممثلون رسميون وغير رسميين من طهران في اجتماعات أخرى ، موضحاً أنَّ هذا العرض لم يلق الاستجابة من الإدارة الأمريكية لاقتناعها بإمكانية حشر إيران واستثمار الانتصار العسكري في العراق)) .

 

   * كاتب عراقي مقيم في هولندا