الرؤية السياسية الإيرانية :

كسروية طائفية . . . أم فارسية صفوية

 

موقع عربستان ـ بقلم : باقر الصراف *

 

الحلقة السادسة عشر والأخيرة

ـ 16 ـ

     ويتغافل هذا ((المتفقه)) ، كذلك ، عن الأبعاد السياسة الإمبريالية العالمية وتأثير شركاتها على الوضع السياسي في الوطن العربي ، والمصالح التوسعية لكيان الاِغتصاب الصهيوني ، وهما عاملان أساسيان في كل الممارسـات السـياسـية التي شهدها الوطن العربي ، منذ الحروب الصليبية وللفترة الراهنة : التي شهدت فيها أوروبا النمو الرأسمالي والتوسع الاِستعماري والنشوء الإمبريالي والتمركز المالي والاِحتكار في نمط الشركات الصناعية والتجارية والإستخراجية والاِستثمارية (أي الاِستغلالية) العالمية ، وصولاً إلى فرض نظام العولمة وتوحيد العالم عن طريق السوق ، الذي تقوده الولايات المتحدة والمحافظون الجدد في المرحلة الحالية من تاريخ التطور السياسي في العالم ، الذين غالبيتهم من اليهود الصهاينة . . .  نقول : كم تبين ذلك الوثائق الفكرية والسياسية التي ترصد ذلك التطور السياسي الأوروبي ، والأمريكي كذلك  ، [84] ، وهي في كل الأحوال ، تشكل التطورات السياسية على مدى عدة قرون المعالم الأساسية لنتائج التطور الغربي من جهة ، والتقهقر العربي ، من جهة أخرى ، وهما متلازمان في السبب والنتيجة .

 

     إنَّ الأربعمائة عاماً من الهيمنة العثمانية ، كما يقول هذا البعض اِستناداً إلى وثائق تاريخية ، لم تكن فيها الشعوب العثمانية المكونة للإمبراطورية العثمانية ، تحت نمط عرقي وقومي واحد مفروض من قبل السلطات العثمانية  ، ولكنها كذلك كانت المجتمعات العربية تعيش خلالها حالة مأساوية مع اِختلاف درجات هذه المآسي في سلـَّم التطور ، وهي في الحقيقة شبيهة بالمجتمعات الأخرى : المختلفة من الناحية القومية ، المكونة لتلك الإمبراطورية الشاسعة والممتدة في أوروبا وآسيا وأفريقيا ، لقد كانت جميعها موسومة بالتخلف الحضاري والاِقتصادي والاِجتماعي ، وتشهد حالات من التراجع في الدور العالمي ، وفق مقاييس التطورات السياسية والمعرفية والاِقتصادية العالمية : والأوربية على وجه الخصوص .

 

     ولكن المنعطف الطوراني الكبير الذي أثر سلباً ـ فوق المؤثرات السلبية الأخرى ـ على الوطن العربي هو صعود ((جماعة الاِتحاد والترقي)) في أواخر مرحلة الإمبراطورية العثمانية ، والتي سارت هذه القيادة التي حاولت تقليد التطور الأوربي بالإمبراطورية إلى حتفها ، وتفكيك الترابط بين المجتمعات المكونة للإمبراطورية ، من خلال تركيزها ـ على الصعيد العربي ـ على ((التتريك اللغوي)) و((التتريك الوظيفي)) علاوة على الهزائم العسكرية في معارك الحرب العالمية الأولى ، وقبيلها أيضاً ، وكذلك لعبت عمليات إعدامات جمال باشا السفاح ـ جرّاء المؤامرة الفرنسية المعروفة ـ  للنخبة السياسية العربية دورها الملموس في تأليب النخبة العربية على العثمانيين الذين كانت تقودهم جمعية الاِتحاد الترقي . . . عمليات الاِعدام في بيروت ودمشق ، [85] .

 

     والاِستباحة العسكرية لبعض المناطق الجغرافية في العراق ، ولعل أبرزها ما تعارفت عليه الأدبيات الاِجتماعية والتاريخية العراقية ، بـ((دكة عاكف)) في مدينة الحلة الفيحاء ، هذه التطورات الموضوعية + السياسية الذئبية البريطانية المتنامية منذ القرن الثامن والتاسع عشر في إطار ((مؤتمر بانرمان)) الأوربي ، هي التي كانت كامنة وراء نزوع الوطنيين العرب ، نحو الاِستقلال عن الإمبراطورية العثمانية ، والعراقيين منهم على وجه الخصوص ، وهي الدافع ـ كذلك ـ وراء تحركهم السياسي الذي اِتخذ مسار تاريخـي تراوح بين اللا مركزية ، ومن ثم المطـالبة بالحكم الذاتي للعـرب الذي ووجه بالمزيد من القمع ، الأمر الذي أدى إلى ترسخ نزعة الاِستقلال القومي العربي ، التي اِنتهت في الحركة القومية التقليدية بعد نيلها الاِستقلال السياسي الشكلي ، إلى التمزق القطري والتجزؤ السياسي جراء المخطط الأوروبي التي رسمت ملامحه خطة سايكس بيكو وخطة وعد بلفور الصهيوني .

 

    لقد كان المثقفون العرب السياسيون رأس الرمح في تلك الكتيبة الجهادية التي سلطـَّت الأضواء على الواقع الطوراني ، ومجرد مراجعة للكتب الثقافية على المستوى السياسي ، الذي اِستمرت بالصدور المتتابع طوال القرن الماضي ، أي القرن العشرين ، نجد ألوف العناوين حول تلك الممارسات الطورانية واِنعكاساتها السلبية على المجتمع العربي ، بدءاً من الفيلسوف المتنور والمنوِّر : ساطع الحصري ، الذي أصدر العديد من الكتب حول تلك المرحلة ، وحتى المؤلف علي الوردي في كتابه اللمحات ، وما بينهما من أسماء الكتـّاب ومعدِّي الأطروحات الثقافية والسياسية وهم بالعشرات أو بالمئات على وجه التحديد : عرب وأجانب .

 

     كان ذلك النشاط الثقافي يتميز بالتحليل السـياسـي الملموس للموقف السياسي الملموس ، وكانت المرحلة العثمانية ، وعلاقتها بالمكان العربي ، والمرحلة التاريخية ، هي المهمة الملموسة .

    أما اليوم فإنَّ ما هو مطروح في الشأن السياسي وفق مفاهيم ((الزمان)) و((المكان)) ، هو مدى التأثير الإيراني : الفارسي الصفوي ، على الوضع السياسي في العراق بشكل خاص والوضع العربي بصورة عامة .

 

     وما يواجهه المجتمع العراقي في اللحظة التاريخية الراهنة من مآسٍ نجمت عن التفتيت الاِجتماعـي والتشـيؤء المذهبي والاِغتيالات المتواصلة ، على سبيل المثال ، قد جعلت من تركيز البحث الثقافي والفكري والسياسي على العنصر الجديد الذي يلعب الدور المحوري في تناسل معاول الهدم الفارسي الصفوي في العراق هي المهمة الآنية والراهنة الجديرة بالتنفيذ بغية تسليط الأضواء على ذلك المفهوم العنصري الطائفي : الفارسي الصفوي ، في سبيل حماية المستقبل العراقي ومن خلاله حماية كل المستقبل العربي ، كي لا يكون العراق وغيره أحواز عربية أخرى ، يمنع فيه الحاكمون الملالي المستحوذون على الحكم في طهران حتى بعض الأسماء البارزة التي أسست للتاريخ العربي الإسلامي وأرست حقائقه . . . يمنعون إطلاق الأسماء العربية على المواليد الجدد ، كما هو حادث في إيران ((الجمهورية الإسلامية)) ويحدث يومياً وفق سياسة مبرمجة ممتدة منذ زمن الشاة السابق وما تزال : من قبيل أسماء عمر وأبو بكر وعثمان ورائد وخالد وعائشة وشيماء .

 

    في أية حال أرى ، من الضروري العودة للبديهيات المعروفة في التاريخ الفكري والتطور الاِجتماعي في هذه المنطقة العربية ، ولعل المفاهيم اللغوية العربية هي من بين أكبر المنجزات الإبداعية للعرب الذين حفزت أفكارهم الرسالة السماوية ، إذ أنَّ الأمة العربية وكيانها القومي وتراثها المنغرس في التاريخ ((موجودة بقوة التاريخ وحقائقه التي أنتجت وحدة اللسان والثقافة والمخزون القيمي ، رغم أنف المعارضين المنكرين . وإذا تمزقت ـ لأسباب سياسية حديثة وقديمة ـ إلى واحدٍ وعشرين دولة ، فهي موحَّدة في مرجعيتها الثقافية واللغوية والتاريخية)) ، [86] .

 

     والأستاذ عبد الإله بلقزيز المفكر القومي العربي المغربي الذي لا يلعب الدور الطائفي في أي بُعْـدٍ كان في وعيه السياسي ، في ترتيب أفكاره العلمية وتبويب اِستنتاجاته المنطقية . وهي مرتبطة في سيرورتها الحاضرة والتاريخية بآفاق المستقبل في ظل صراعات على المنطقة ، يدفع بحكم الضرورة ((الأمم الصغيرة إلى إعادة هيكلة بناها الاِقتصادية للتكيف مع شروط اِندماج إقليمي بين دولها ، والاِنتظام في تكتلات اِقتصادية تقيها من الاِبتلاع والاِستتباع [. . . و] أنَّ القوى الإسلامية المتصدرة اليوم للمشهد السياسي العربي التي هي ـ في الحصيلة ـ ثروة في رصيد العروبة وليست حرباً عليها كما يزعم الزاعمون)) ، [87] ، لأنهم يواجهون ذات العدو على مدى التاريخ الاِستعماري الإمبريالي المتعولم  طوال القرون الحديثة والمعاصرة ، بما يعني إستمرارية ذلك العدوان بهدف إلغائها : أي الدولة العراقية وعموم الأمة العربية ، ليس من التاريخ فقط ، بل من الجغرافية على أرضية نظام شرق أوسطي أو محتوى مغاير للمفهوم القومي العربي ، وهو عدوان مستمر كان يستهدف هذه الأمة .

 

     والأمة العربية التي هي معطى تاريخي مشترك ، تكونت بفعل الرسالة الإسلامية التي شكلت منعطفاً توحيدياً كبيراً شـكلوا الحاضنة التاريخية للنهوض الإسـلامي الكبير في العالم ، ولعب القادة العرب  دور الأداة المنفذة لحمل الرسالة العربية الإسلامية إلى العالم ، في مراحلها التأسيسية على الأقل ، إذ أنَّ ((العرب الفاتحين هم الذين حملوا الإسلام ونشروه في البلدان وقاتلوا من أجله واِستشهدوا في سبيله ، فكانوا بذلك ((مادة)) له ، بمعنى ((المادة الخام)) التي صنعت التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ، [. . .] ، فالنبي عربي ، ولغة القرآن عربية ، والخطاب فيه قد وُجِّه أول ما وُجِّه إلى العرب . . .

 

     كما أنَّ الإسـلام سيبقى عربياً لأنَّ أحكامه إنما تسـتخلص أولاً من القرآن ، كما هو في أصله العربي ، وليس من خلال أية ترجمة له ، لأنَّ أيه ترجمة للقرآن إلى أية لغة ، كيفما كانت ، لا تستطيع الوفاء بمضامين عباراته ، نظراً لأسلوبه البياني الرفيع الذي يجسم أعلى مظاهر الخصوصية في اللغة العربية . . ولما كان الأمر كذلك فإنَّ الاِجتهاد ـ والاِجتهاد في الإسلام مصدر أساسي من مصادر التشريع ـ لا يمكن أن يكون إلا بالعربية ، فإتقان اللغة العربية والمعرفة الواسعة بطرقها في التعبير شرط ضروري في الاِجتهاد ، وقد عبَّر الفقهاء الأصوليون عن هذا المعنى حينما قالوا عن القرآن إنَّ {العربية جزء ماهيته} ، وما دامت اللغة العربية {جزء ماهية} القرآن فهي إذاً مقوم أساسي من مقومات الإسلام نفسه)) ، [88] .

 

   وبهذا المعنى،فإنَّ الأفق الاِجتماعي تلازم والبعد العقيدي للرسالة النبوية ، إذ ((كان هناك دور اِجتماعي تاريخي لا سـابق له في الأهمية في كل تاريخ البشـرية : فالرسالة بقدر ما كانت دعوة للتوحيد ،والعبودية لإله واحد،كانت ـ أيضاً ـ صناعة كاملة لأمة جديدة ، على مسرح التاريخ،وتدميرُ الوثنية ونـُُصُب الشفعاء لم تكن تكريساً لوحدانية الله في وعي العرب فحسب،كانت ـ إلى جانب ذلك ـ تدميراً لأسباب الشتات والفرقة بين الجماعات القبلية العربية،هكذا أتى توحيد الله تعالى يمثل في نتائجه الاِجتماعية توحيداً للجماعات العربية في أمة ، وهكذا أيضاً تداخلت في التكوين الشخصية ُ الاِجتماعية للأمة مع شخصيتها الروحية ، بل قل كانت الأولى من صلب هذه . ولعل ذلك ـ أيضاً ـ كان من بين أكثر الأسباب وجاهة في إحداث ذلك النوع النادر من التلازم بين الدين والدنيا ، في التجربة الإسلامية ، وهو تلازم عبَّر عن نفسه في ميدان السياسة حيث عنت حراسة الدين وتدبير الدنيا ، بعد أنْ غذتها التجربة النبوية في ((دولة المدينة)) بسابقة مرجعية جرى البناء عليها)) . [89] .

 

    والجاهلية عند العرب ، تعني ، على العموم ، هو عدم وعي الدين التوحيدي في عمومياته ، وخصوصا : ((جهل الدين الإسلامي الحنيف)) وأحكام الشريعة ، والاِحتكام بدلاً من ذلك في إدارة شؤونهم الحياتية إلى المعارف القبلية وتقاليد نظامها الاِجتماعي ، ولكن في تلك الفترة كان التطور اللغوي كبيراً رغم تعدد اللهجات القبلية التي كان أبرزها اللهجة القرشية . . . تلك القبيلة التي لها باع طويل في إرساء نظام الإيلاف وإقامة نظام التجارة وعموم المعالم الأدبية الأخرى ، كما نشأت ((دول عديدة)) في منطقة الجزيرة العربية خصوصاً في الجنوب منها : اليمن السعيد ، وقامت فيها سدود تخدم عمليات الزراعة والري ، مثلما تتحدث المصادر عن قيام تجارة بينها وبين المناطق الأخرى ، من قبيل ((دول)) معين ، قتبان ، حضروموت ، سبأ ، حمير ، إرم ، إلخ ، والتطور المعماري الذي تبرهن منشآت ((سد مأرب)) والتطور الزراعي وعمليات الري ، والعلاقات التجارية مع المصريين ومناطق الشام والهند ، أبرزها وأشهرها ، وكل ذلك يعد من معالم التطور الذي يتعاكس مع مفاهيم ((الجهل)) و((الجاهلية)) الذي يحاول البعض تكريسه عن العرب .

 

     ولكن الاِنعطاف الكبير الذي شهده العرب كان مع الاِنبثاق الأبرز الرسالة العربية التاريخية والعالمية للدين الإسلامي ، وهو ما تسعى الصفوية الفارسية إلى مصادرته وتحطيمه منذ مرحلتي ((الفردوسي)) الشعوبية في التاريخ الوسيط ،  و((الصفوية)) في العصر الحديث والذي يجدده الحكام الحاليون ، في حين أنَّ العرب كانوا يستمدون ((شخصيتهم القومية كأمة من الإسلام : الذي صنع لها الرابطة الموحدة ، ومكَّـنـَها من الكينونة التاريخية ، فإنّ علاقة العروبة بالإسلام تعززت أكثر بلغة الوحي العربية ، نعم ، لقد أضفى العرب على الإسلام طابعاً عربياً حمّلـّهم الدعوة ، ونهوضهم بعبيء نشر الرسالة في آفاق الأرض ، من خلال مسلسل الفتوحات أو الدول التي أقاموها باِسم الإسلام ؛ غير أنَّ عروبة القرآن ظلت ـ في النهاية ـ هي الأساس في كل تلك العلاقة بين العروبة والإسلام ، ولقد زادها رسوخاً أنَّ الرسول الكريم كان عربي النسب ، فضلاً عن جغرافية الرسالة كانت هي البلاد العربية ، والمـُخـَاطـَب كانت العرب ، ومع أنَّ رسالة الإسلام رسالة كونية إلى العالم كافة ، وليست ديانة مغلقة أو قبليَّة شأن اليهودية ، مثلاً ، إلا أنَّ شروط وملابسات الدعوة تقطع بأنَّ العرب كانوا المخصوصين قبل غيرهم بها ، وهو ما يقوم دليل عليه في الوحي : الأمر القرآني للنبي : ((أنذر عشيرتك الأقربين)) . والخطاب ـ هنا ـ ليس يقصد بني هاشم أو قريش حصراً ، بل سائر العرب الذين نزل الوحي بلسانهم (إنا أنزلناه قرآناً عربياً) . فقد كان على الإسلام أنْ يكون ديناً للعرب حتى يمكنه أنْ يستحيل ديناً لسائر البشر)) ، [90] .

 

    ولعل مفهوم الخلافة،بما أنه يعبر عن مضمون السلطة السياسية التي تقود المجتمع الذي نشدت التغيير،ليس في ما يخص العرب وحدهم ، وإنما في العالم حيثما وصل المسلمون وبشروا برسالتهم الإنسانية،ودكت حوافر خيولهم المدن التابعة لغير العرب وعموم حواضرهم،فقد كان مفهوماً اِشـتـَّقـَتْ مستوياته التكوينية والمعرفية من ((اِمتزاج التقاليد العربية بالروح الإسـلامية أو بتعبير أدق : تأثيـر التقاليد العربية بالروح الإسـلامية . ففكرة الاِنتخاب مأخوذة من التقاليد العربية . ولكن فكرة اِستناد الخليفة إلى موافقة الناس عليه عامة لا إلى أسرته وقبيلته مأخوذة من الإسلام . ثم أنَّ فكرة كون مصدر السلطة إلهياً ، وضرورة بيان رأي الأمة ـ التي لا تجتمع على ضلال ـ في المرشح ، فكرة إسلامية . وإنَّ الطريقة المتبعة في الاِنتخاب ، سواءً باِختيار الأمة كانت أم بالتعيين الذي تسبقه معرفة الرأي أم بالشورى ـ مأخوذة من التقاليد العربية . وهذا يصدق في الكلام على شكل البيعة أيضاً ، ويمكن القول أنْ تعدد طرق الاِنتخاب في عصر الراشدين تدل على قلة تجربة العرب السياسية ومحاولة تطبيق الأساليب العربية في قبيلة أو مدينة على ظروف دولة جديدة . ثم أنَّ صفات المرشح كالتجربة والسن والنفوذ تجتمع فيها التقاليد العربية والمباديء الإسلامية التي تؤكد الصلة القوية بالرسول . والسوابق في الإسلام والخدمة له . أما النسب القرشي ، فكان صفة لازمة . لا شك أنَّ تأكيد قبيلة معينة فيه روح قبلية ولكن قريشاً شرفت بالإسلام لأنَّ الرسول منها)) ، [91] .

 

    ولكن الفرس الصفويين رأوا في هذه الشفافية،والتقاليد،والنشوء التاريخي لمفهوم الخلافة مجرد عملية تآمر خبيث من قبل ((قبيلة قريش)) على أهل البيت النبوي الذين كان أبرزهم الإمام علي بن أبي طالب ، كما مر معنا بالاِستشهاد برؤية كتاب الكاتب ((الشيعي)) الإيراني السيد محمد حسين الطباطبائي ، صاحب تفسير الميزان ، والعديد من المؤلفات ، مثلما وضعوا عبر كل الجهد الدعاوي المتتالي مفهوم ((الإمامة)) ، [92] ، قبالة مفهوم الخلافة ، من أجل خلق تناقضات إحترابية بين المفهومين والرموز المعبرة عنهما ، في الوقت الذي تعاون فيه أئمة آل البيت الأوائل مع الخلفاء الراشدين في المجالات التي كانت تهم العرب والمسلمين ، من جهة ، وقول الإمام علي بن أبي طالب بأنه سيكون وزيراً أفضل من أمير لحظة اِنتخابه أميراً على المسلمين ، وذلك بعد الغياب القسري للخليفة الثالث عثمان بن عفان ، [رض] ، من جهة أخرى .    

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش والمصادر

 

    [84] ـ راجع الاِستفاضة النظرية حول مفهوم وتجليات ((العولمة الأمريكية))  التي كتبها السيد سمير أمين في كتاب العلاقات العربية ـ التركية : حوار مستقبلي ، والكتب هو إجمال لندوة فكرية شارك فيها عشرات الباحثين العرب والأتراك والأجانب ، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت لبنان ، الطبعة الأولى الصادرة بتاريخ كانون الثاني / يناير 1995 ، ص 490 ـ 513 بما فيها المصادر ، كما تتالت الدراسات والبحوث حول هذه الظاهرة : النازية الجديدة المنفلتة من عقال كل القوانين الدولية التي جاءت في منظومات الأمم المتحدة ـ على سبيل المثال ـ في التاريخ المعاصر .

    [85] ـ راجع كتاب الأستاذ محمد حسنين هيكل المعنون المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل ، الكتاب الأول ، الأسطورة الإمبراطورية والدولة اليهودية ، لإصدار دار الشروق ، الطبعة الثالثة ، 3 أبريل عام 1996 ، ص 99 . 

    [86] ـ راجع الكتاب الذي ألفه الأستاذ عبد الإله بلقزيز المعنون من العروبة إلى العروبة ، أفكار في المراجعة ، إصدار الشركة العالمية للكتاب ، بيروت / لبنان ، عام 2003 ، ص 59 .

    [87] ـ المصدر السابق ، ص 61 .

    [88] ـ راجع كتاب الأستاذ الدكتور محمد عابد الجابري المنشور في قضايا الفكر العربي (3) ضمن سلسة الثقافة القومية (27) والمعنون مسألة الهوية العروبة والإسلام . . . والغرب ، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت / لبنان ، الطبعة الثانية الصادرة في كانون الثاني / يناير 1997 ، ص 22 ـ 23  .

    [89] ـ راجع كتاب الأستاذ عبد الإله بلقزيز ، من العروبة إلى العروبة ، مصدر سبق ذكره ،  بلقزيز ، ص 149 .

    [90] ـ راجع المصدر السابق ، ص 153 ـ 154 .

    [91] ـ راجع كتاب الأسـتاذ الدكتور عبد العزيز الدوري والمعنون النـّظـُـم الإسـلامية ، مصدر سـبق ذكره ، ص 36 . 

    [92] ـ من الضروري الفهم الديني / المذهبي عند أتباع هذا القسم من المسلمين لمفهوم الإمامة على ضوء التعاليم الإمامية التي تتعلق بالرؤية المذهبية الصحيحة ، وليس المنطلقة من الاِعتبارات الصفوية الفارسية ، إذ أنَّ جوهر هذا المفهوم ((يتمثل المبدأ الأساسي ، الذي ميز الشيعة عن بقية المسلمين ، في فكرة الإمامة ، أي القيادة السـياسـية الدينية ، فالإمامة وحاملها نفسه قد نصبهما الله وحدهما عن طريق نبيه ، وسلطة الإمام تشمل الأرض كلها ، فهو يحكمها بلا حدود ، لأنَّ الله وكـَّل إليه أمرها ، وكل ما يوجد فيها وفوقها ، سواء أكان معدنا ، أم غابة ، أم حيوناً ، براً أم بحراً ، فالأشياء كلها ملك للإمام ، وله الخمس مما يكسبه الناس من أعمالهم)) . . . إلخ ، راجع كتاب الأستاذ جواد علي المعنون المهدي المنتظر عند الشيعة الإثني عشرية ، ترجمة الدكتور أبو العيد دودو ، الطبعة الثانية عام 2007 ، منشورات دار الجمل ، كولونيا ـ ألمانيا ،  ص 13] ، والكتاب عبارة عن رسالة دكتوراه نال من خلالها المؤلف درجة الدكتوراه ، من جامعة هامبورغ في ألمانيا عام 1939 . ولعل ما ينبغي ذكره على هذا الصعيد هو مفهوم الخلافة القائم على مشاورة المجموع بهذا المعلم المهم لكل الذين يعيشون في ظل النظام الإسلامي  .                               

 

      

 * كاتب عراقي مقيم في هولندا