الرؤية السياسية الإيرانية :

كسروية طائفية . . . أم فارسية صفوية

 

موقع عربستان ـ بقلم : باقر الصراف *

 

الحلقة الثانية

ـ 2 ـ

     لقد كثـّـَف تاريخياً ومعرفياً المفكـِّر الإسلامي الإيراني الشهيد الدكتور علي شريعتي الذي اِغتاله ((سافاك)) الشاه الإيراني في العاصمة البريطانية : لندن ، جزءاً من المفهوم الصفوي بشكلٍ عام ، مميطاً اللثام عن أهدافه السياسية الكلية والحقيقية ، وتناول بشكل معمَّـق الجانب المتعلق أساساً بالمفهوم السياسي لذلك المصطلح المرئي في الممارسة اليومية ، أي : ((المفهوم الصفوي)) ، والذي جرى تلقيحه مفهومياً على أيدي الزمر المعممة الحاكمة اليوم في إيران الراهنة .

 

     في الحقيقة ، شكلت تلك الرؤية التاريخية والتحليلية عن مكنون ((المفهوم الصفوي)) أحد مسـكوكاته التاريخية من حيث التنظـير والإحاطـة الشـاملة : الفكرية والسياسية ، أي أنَّ الشهيد شريعتي قد تناوله بالحديث الفكري المفصَّل والتحليل السياسي العميق ، الأمر الذي يجعل من اِعتراضات البعض حول الاِستخدام العلمي والعملي لهذا المفهوم من قبل القوميين العرب ـ في بعض التحليلات السياسية ـ هو نافل تماماً ، واِتهام كل الذين يتعاطونه في الفكر السـياسـي على أرضية ما هو ملموس في أداء المهمات الوطنية العراقية والقومية العربية ، وما يشكله ذلك المفهوم واحداً من المقولات النظرية الأساسية في تحليلاتهم السياسية  . . . اِتهامهم بأنهم قوميون وعنصريون من العرب ، وفاقدو مواقعهم السياسية السلطوية السابقة ، وغيرها من نعوت أيديولوجية ، ليس من أقلها أو من بينها : التكفيريون والصداميون . . . تجعل كل تلك الأوصاف والنعوت مجرد اِتهامات فارسية عنصرية وأوهام طائفية لتمرير السم بالدسم  ، أي على طريقة ذلك المثل العربي : ((ضربني وبكى وسبقنى واِشتكي)) . . . أي أنَّ اِتهاماتهم زائفة وباطلة تماماً ، وكذلك تنطوي على رؤية أيديولوجية فارسية عنصرية مسبقة . لا شك أن بعض العرب المخلصين : من الكتـاب والصحفيين قد وقعوا فيها للأسف الشديد .

 

      نقول إنَّ الدكتور الشهيد علي شريعتي الإيراني الفارسـي الأرومة والمحتـّد ، هو أبرزهم وأشهرهم وأنبلهم ، في سياق طرحنا هذا المفهوم والمحاججة مع الآخرين : الخصوم خصوصاً بصدده وسيكون ـ كذلك ـ مصدرنا الرئيس في الإفادة المعرفية والإحاطة التاريخية في تحديد هذا المفهوم : ((الفارسية الصفوية)) لأسباب كثيرة ، منها بسبب المبادرة الريادية المنهجية والفكرية في تأصّيـله وإرسائه لهذا المفهوم ، من جهة ، وكون أرومته فارسية ، ولكنه المخلص للحضارة العربية الإسلامية ، هي أحد المعالم التكوينية له ، من جهة أخرى ،  وشخصيته العلمية في إطار البحث التاريخي التدقيقي وحرصه على الأمانة والصدق مع الذات والآخر ، إضافة إلى نزاهته الدينية ، من جهة ثالثة ، وموقعه في إطار الرؤية الجهادية : الفكرية والعملية ضد التغريب الذي كان هو الشأن الفكري الشامل لرؤية الشاه الإيراني السابق المقبور محمد رضا بهلوي . وهو فوق ذلك ، صاحب رؤية سياسية غير مشكوك فيها وخصوصاً بالنسبة لبعض معتنقي الفكر الإمامي : عرب وغير عرب على وجه الخصوص ، من جهة رابعة وأخيرة .  . [3] .

 

    هل يعني أنَّ كل ما جاء به الكتاب : التشيع العلوي والتشيع الصفوي الذي سيكون مصدرنا الرئيس من أفكار وآراء ، وما قاله الدكتور شريعتي في غيره ، هي مباديء فكرية ورؤى سياسية ملزمة لنا في التقدير والتقرير ، على مسـتوى الرؤية الدينية والمذهبية التي سـطـّرها في عشـرات الكتب الأخرى ؟ .

     كلا بالتأكيد . . .

 

     فمنهجنا ورؤيتنا وأفكارنا وتوجهاتنا متغايرة تماماً : اِختلاف الرؤية الدينية المحضة عن الرؤية الحضارية العربية الإسلامية ، وهدفنا السياسي متناقض معه على مستوى الرؤية القومية العربية والرؤية الحضارية العربية الإسلامية ، كوننا نعتقد بأنَّ أي تطور توحيدي على مستوى الأمة العربية سيكون ، وبالضرورة ، مدماك أساسي في أي تطور في العالم الإسلامي ، ذلك هو مبدأ يتعلق بالمفاهيم الحضارية العربية الإسلامية ، لذلك فهي ضرورة موضوعية وطابعها الإخلاص الوطني العراقي والقومي العربي ، ولكن من الضروري التطرق لأفكار المبادرين في هذا الاِتجاه الفكري والتحليلي ، كون ذلك من حقهم الإبداعي بالذات ، ومن أجل مواصلة مسيرتهم الفكرية في هذا النطاق بالذات ، عن طريق الإضافة أو الحذف من أجل ترصين ما نراه فكرياً وسياسياً ، في سياق مناقشة الظروف التاريخية المكونة لهذا المفهوم : ((الفارسي الصفوي)) .   

 

    يستخلص الدكتور شريعتي التالي ، في سياق محاولته العلمية لتأصيل هذا المفهوم المبني على ركيزتين أساسيتين ، كما يرى عن حق ـ ونتحفظ نحن حول مطلقاته الإيمانية والمذهبية ، التي سنتطرق لبعض التعبيرات عنها لاحقاً ـ وتلك الركيزتين هما : ((المذهب الشـيعي + القومية الإيرانية)) ، ويبني تصوراته الفلسفية على أسـاس رؤية معرفية خاصة تدقق في المسار التاريخي لتطورات المواقف الفارسية منذ أوائل عهد الدولة الإسلامية العربية التي أرساها الرسول الكريم ـ ص ـ في المدينة المنورة وما أعقبها من سيرورة تاريخية في العصرين الأموي والعباسي ، ولكن النظرة الفارسية للتطورات تلك ـ كما يرى ـ موتورة حاقدة ومسعورة على الدوام ، كما يتجلى ذلك بقوله : إنَّ طابع ذلك الاِستخلاص ومبناه ومرتكزات أقانيمه الاِجتماعية والتاريخية هو ((الحقد والضغينة وسوء الظن بالآخر والتهمة والاِفتراء والطعن واللعن والتحريف والتزييف والتفسيق والتكفير(. . . المقرون) بالجهود المريضة التي يبذلها بسخاء عملاء الأجهزة الدعائية الدينية التابعة لقصر : عالي قابو ، أي بلاط الشاه)) ، [4] .

 

      ولكن كيف يستطيع هذا المفهوم الفكري والسياسي أنْ ينتج ((الأداة الإنسانية / البشرية)) المؤثرة على سلوك الفرد اليومي ويطبع دوره بسمات الممارسة العملية على ما فيها من محرمات ، كان الدين الإسلامي واضحاً في التوقف أمامها وتحديد الموقف الحازم منها ، كالقتل الغادر على سبيل المثال ؟ ! .

     إنّ الإجابة على ذلك التساؤل الهّام والحيوي جداً ، يكثفه الشهيد شـريعتي على الوجه التالي ((إنَّ رجل الدين الصفوي ـ ولا أقول العالم الشـيعي ـ متعصب تعصباً أعمى ، بمعنى أنه غير قادر على تحمل رأي المخالف وليس لديه أدنى اِستعداد للإصغاء إليه وفهم ما يقول ، وليس المراد من (المخالف) هنا بالضرورة مَنْ يخالفه في الدين أو المذهب ، بل حتى مَنْ يخالفه في نمط التفكير وطبيعة المزاج ، فإنه لا يتورع عن تكفيره بدون تردد)) ، [5] .

 

      وربما ما نجده اليوم على الصعيد العراقي من أحداث فظيعة تعبِّر عنها حالات الاِغتيالات الواسعة التي تطال ((النواصب)) ـ كما تقول دعايتهم ـ  من جهة ، والتناول الحاقد الموسوم بالضغينة والمقرون بالألفاظ المقذعة لمحطات تاريخية كانت مظهراً رئيسياً لنشوء المفاهيم الخاصة بالأمة العربية والعالم الإسلامي وعموم مفاهيم الدين الإسلامي الحنيف ، واِتسامه بالنقد السلبي والشتم المتواصل واللعن الأبدي ، من جهة أخرى ، هي إحدى العلامات الدالة على ذرا مفارقات ذلك التعصب الأعمى والحقد غير المفهوم وفق معايير النظرة الإسلامية الصافية كما جاءت في القرآن الكريم والسُنـّة النبوية الشريفة .

 

     لذلك فالشهيد شريعتي يركز ، اِبتداءً ، على اللغة النقدية الواضحة ومسألة التفاوت الكبير بين مفاهيم الاِختلاف ، وهي ظاهرة إنسانية {أي ظاهرة الاِختلاف} تنشـِّط عوامل التدافع البشري والاِجتماعي من أجل التطور الموضوعي ، من ناحية ، والمفهوم الآخر : أي الخلاف المبني على رؤية أيديولوجية تتحكم فيها ((القناعات المسبقة)) وهو المفهوم الذي يؤدي غالباً إلى التنازع والتهارش والصراع اللا موضوعي وحتى الحروب المفتعلة ، من ناحية أخرى . لذا ، كما يرى ، أنَّ ((العالِم الديني الصفوي)) يركز في مجمل أبحاثه الفقهية و((التاريخية)) على مسائل من شأنها ((الإثارة والاِختلاف بين السنة والشيعة وإهمال نقاط الاِشتراك أو تأويلها بالشكل الذي يحيلها إلى نقاط خلاف أو يفرغـّها عن قدرتها على أنْ تكون أرضية صلبة لموقف مشترك بين الفريقين)) ، [6] ، مما يؤدي وبالضرورة إلى صيرورة هذين التكوينين في المدارس الفقهية التي تنظر في التفصيلات الحياتية ، ليس متناقضاً على طول الخط  من حيث التفاصيل في بعض المسائل الفكرية فقط ، وإنما جعل ذلك مجسداً في فريقين متقابلين متحاربين عبر مختلف الوسائل والسبل .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الهوامش والمصادر

    [3] ـ راجع كتاب الشهيد الدكتور علي شريعتي المعنون التشيع الصفوي والتشيع العلوي ، ترجمة الأستاذ حيدر مجيد ، تقديم الدكتور إبراهيم دسوقي شتا ، سلسلة الآثار الكاملة ، الجزء الرابع ، إصدار دار الأمير للثقافة والعلوم ، الطبعة الأولى 1422 هـ ـ 2002  م  ، بيروت / لبنان ، ص 120 .

    والتطرق إلى الخلفية التاريخية لنشوء أية ظاهرة سياسية أو غير سياسية تفرضها الضرورات الموضوعية ، إذ كما يقول بعض القرّاء للتاريخ من موقع الإخلاص للأمة العربية ، يوجب الاِستشهاد بالقول التالي : إنَّ ((الاِهتمام بالسياسة فكراً أو عملاً يقتضي قراءة التاريخ أولاً ـ لأنَّ الذين لا يعرفون ما حدث قبل أنْ يولدوا ، محكوم عليهم أنْ يظلوا أطفالاً طول عمرهم !)) . ولا شك أنَّ المعممين : نهجاً فكرياً أو سلوكاً سياسياً ، من الذين اِستقبلوا الغزاة الأمريكيين المحتلين وتعاونوا معهم أو سكتوا عن فسادهم في البلاد وأداروا ظهورهم للأعمال الفظيعة التي صبها المحتلون على رؤوس أبناء العراق . . . لا شك أنهم في هذا النهج السـياسـي حول قضية العراق هم من هذا القبيل ، وحتى إنْ كانت أعمارهم قد تجاوزت المائة عام .

     أما العودة التفصيلية للتاريخ الصفوي : نشوئه ومظاهره ، فقد وردت في العديد من المصادر المعروفة ، ولكننا نختزل ذلك النشر وتلك المظاهر بما كتبه الدكتور محمد بسام يوسف في موقع ((البصرة)) وتحت عنوان :

 

المشروع الإيرانيّ الصفويّ الفارسيّ المشبوه

في بلاد العرب والمسلمين

     الصفويون والصفوية يُطلَق هذا الاسم على الدولة التي أسّسها (الشاه إسماعيل الصفويّ) وعلى أتباعه، وهو من سلالة الشيخ (صفيّ الدين الأردبيلي) الذي كان يسكن مدينة (أردبيل) التابعة لإقليم أذربيجان في شماليّ غرب إيران.. والشيخ الأردبيلي هو أحد مريدي الشيخ (تاج الدين الزاهد الكيلاني) صاحب إحدى الطرق الصوفية، وكان ينتمي إلى المذهب الشافعيّ.. وقد كان (صدر الدين خواجة علي) حفيد صفيّ الدين الأردبيلي أول مَن اعتنق المذهب الشيعيّ بعد وراثة الطريقة الصوفية الأردبيلية عن والده (صدر الدين موسى)، ثم قام (شيخ شاه إبراهيم بن صدر الدين خواجة علي) باعتناق المذهب الشيعيّ على الطريقة (الشيعة الإمامية) وتحويل طريقته إلى طريقةٍ شيعيةٍ إمامية متعصّبةٍ غالية.. وسار على دربه ابنه الأصغر (جنيد) الذي قُتِلَ في إحدى حروبه، فخلفه ابنه (حيدر بن جنيد) الذي لُقِّبَ بلقب (سلطان)، وأمر أتباعه بأن يضعوا على رؤوسهم (قلنسواتٍ) من الجوخ الأحمر، تضمّ الواحدة منها اثنتي عشرة طيّةً، رمزاً للأئمّة الإثني عشر عند الشيعة الإمامية، وقد قُتِلَ (حيدر) أيضاً في إحدى حروب الثأر لوالده.. وخلفه ابنه (إسماعيل)، الذي أعلن فيما بعد عن تأسيس دولته الصفوية (في عام 1501م)، ووطّد دعائمها، فامتدّت من إيران إلى ما حولها من بلدان، حتى وصلت بغداد. كان المسلمون في إيران بأغلبيتهم الساحقة (90%) من أهل السنة الشافعية، إلى أن قامت الدولة الصفوية على يد (إسماعيل الصفويّ) كما ذكرنا في عام 1501 م، الذي اتّخذ من مدينة (تبريز) عاصمةً له، وأعلن أنّ دولتَه (شيعية إمامية إثنا عشرية)، وقام بفرض عقيدته بالقوّة، على الرغم من أنّ علماء الشيعة حذّروه بأن لا يفعل ذلك، لأنّ الأغلبية الإيرانية الساحقة تنتمي إلى أهل السنة.. لكنه رفض وقال قولته المشهورة: (إنني لا أخاف من أحد، فإن تنطق الرعية بحرفٍ واحد، فسوف أمتشق الحسام، ولن أتركَ أحداً على قيد الحياة)!.. وقام بصكّ عملة الدولة، منقوشاً عليها مع اسمه عبارة: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي وَليّ الله)!.. ثم أمر جنوده بالسجود له كلما قابلوه، وقد اشتهر بدمويّته وساديّته الشديدة، فقام بقتل علماء المسلمين وعامّتهم، فقتل أكثر من مليون مسلمٍ سنيّ، ونهب أموالهم، وانتهك أعراضهم، وسبى نساءهم، وأمر خطباء المساجد من أهل السنة بسبّ الخلفاء الراشدين الثلاثة (أبي بكرٍ وعمر وعثمان) رضي الله عنهم، وبالمبالغة في تقديس الأئمة الإثني عشر.. ووصل الأمر به إلى أن ينبشَ قبور علماء المسلمين من أهل السنة ومشايخهم، ثم أن يحرقَ عظامهم!.. وهكذا كانت دولة الشاه (إسماعيل الصفوي) تأسيساً لكل الدول الإمامية الإثني عشرية، ومثالاً يُحتَذى بها ((شيعياً)) فيما بعد، من حيث ممارساتها وبدعها الشاذة!.. امتدّت الدولة الصفوية فيما بعد في كل أنحاء إيران وما جاورها، فقضى (الشاه إسماعيل) على الدولة التركمانية السنية في إيران، ثم سيطر على (فارس وكرمان وعربستان) وغيرها.. وكان في كل موقعةٍ يذبح عشرات الآلاف من أهل السنة.. إلى أن هاجم بغداد واستولى عليها، ومارس أفظع الأعمال فيها ضد أهل السنة، ومما فعله، أنه قام [بتهديم مدينة بغداد، وقَتل الآلاف من أهل السنّة، واستخدم التعذيب الشديد بحقّهم قبل قتلهم، ثم توجّه إلى مقابرهم، فنبش قبور موتاهم، وأحرق عظامهم!.. كما توجّه إلى قبر (أبي حنيفة) و(عبد القادر الجيلاني) -رحمهما الله- ونكّل بهما ونبشهما!.. وكذلك قام بقتل كل مَن ينتسب لذرية القائد المسلم (خالد بن الوليد) رضي الله عنه في بغداد، لمجرّد أنهم من نَسَبِه، وقَتَلهم قتلةً شنيعة]!.. (تحفة الأزهار وزلال الأنهار، لابن شدقم الشيعي).   

    [4] ـ المصدر السابق ، ص  139 ـ 140  .

    [5] ـ المصدر السابق ، ص 82 . 

    [6] ـ المصدر السابق ، ص ص141 .  

 

    يتبع

 

 

* كاتب عراقي مقيم في هولندا

 

14 – 1 – 2008