الرؤية السياسية الإيرانية :

كسروية طائفية . . . أم فارسية صفوية

 

موقع عربستان ـ بقلم : باقر الصراف *

 

الحلقة الثالثة

ـ 3 ـ

 

    وفي الواقع الفكري الملموس ، أنَّ هذا التوجه هو مخالف لكل التعليمات الدينية الإسلامية ، ومتمرد على روحيته التي تسعى للتكامل بين المسلمين كافة ، ذلك اِنطلاقاً من رؤية ثقافية نابعة من المفاهيم التاريخية للدين العربي الإسلامي ، بلهَ جعله مظهراً كبيراً وأساسياً ورئيساً في المجتمع الإسلامي الذي ينبغي أنْ يكون متكاملاً متواصلاً ومتنافياً أيضاً ، كما هو مفترض ، بناءً على قراءة واعية : مخلصة ونزيهة تعتمد على رؤية قرآنية صافية ومقرونة بسيرة نبوية واضحة كما أفرزته السنة النبوية الشريفة المنسجمة مع الظروف التاريخية  . . . وذلك في إطار نزعة إنسانية عالمية ((قائمة على التسامح والاِعتراف بأقدار الأمم والشعوب وثقافاتها)) وفقاً لما قاله الأسـتاذ عرفان عبد الحميد فتـَّاح : الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي الشعبي من بغداد ، مستنداً في ذلك إلى ما قرره الفيلسوف أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي : ((ومن أوجب الحق ألا نذّم مَنْ كان أحد أسباب منافعنا الصغار الهزيلة ، فكيف بالذين هم أكبر أسباب منافعنا العظام الحقيقية الجدية ، وينبغي ألا نستحي من اِستحسان الحق ، واِقتناء الحق من أين أتى ، وإنْ أتى من الأجناس القاصية عنا ، والأمم المباينة لنا ، فإنه لا شيء أولى بطالب الحق من الحق)) . [راجع قوله المذكور ذاك وكذلك الاِستشهاد الذي جاء به ، في كتاب وحدة الثقافة العربية وصمودها بوجه التحديات ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت / لبنان ، بيروت ـ كانون الثاني / يناير 1994 ، ط 1 ، ص 129 ] ، إنَّ هذا المنطق ومحتواه الحضاري هو مصداق قول الإمام علي بن أبي طالب ، [ك] ، ((الحكمة ضالة كل مؤمن ، خذ الحكمة من أهل النفاق)) ، و((خذ الحكمة أنـّّى كانت ، فإنَّ الحكمة تكون في صدر المنافق فتلجلج في صدره حتى تخرج فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن)) ، وكل ذلك ـ كما هو معلوم ـ يتناقض مع رؤية الطعن واللعن والإقصاء الفارسية الصفوية ! .   

 

     يبذل أولئك ((المجتهدون)) الصفويون الفرس في صياغة بنائهم الفكري : أي اِستثمار المفاهيم المدرسة الإمامية وحتى مفاهيم بقية المدارس الإسلامية ، على أرضية المصلحة الفارسية الإيرانية ، في جعل التكوينات الإسلامية متناقضة متصادمة في صفين هما ((الشيعة)) و((اللا شيعة)) ، وبالتالي تشييد أنماطهما ((الفكرية المذهبية)) معرفياً لصالح صيرورتهما طرفين متناقضين قبالة بعضهما البعض ، ومتصادمين في الفكر والعمل ليس في الحاضر فقط ، وإنما في كل التاريخ الإسلامي الماضي أيضاً ، بغض النظر عن المفاهيم الحضارية المسلمة المتكاملة والمتوحدة في الأهداف الإنسانية المشتركة .

 

    وبذلك تمكن هذا الأسلوب الماكر الذي يتبعه حكام إيران الحاليون ـ على سبيل المثال المحدد والملموس ـ ومَنْ يدور في فلكهم من المعممين السياسيين والأيديولوجيين الذين يزعمون اِلتزامهم بـ((الرؤية الدينية الإسـلامية)) ، في العراق أو غيره ، من التوصل إلى توليد حالة عملية ملموسة قوامها ، كما يقول العالم شريعتي : اِتحاد ((التشيع الصفوي مع القومية الإيرانية :{وأظن أنَّ الكاتب يقصد القومية الفارسية ، إذ أنَّ الدولة الإيرانية ، كما هو معلوم ، تتكون من شعوب متنوعة قومياً : العرب ، والأذريين ، والأكراد ، والبلوش ، والتركمان ، والفرس طبعاً ، جمعتها ظروف تاريخية عابرة} في حركة جديدة)) .

 

    لقد اِمتزجت هاتان القوتان معاً حتى بات من الصعب التفكيك بينهما ونجم عنها مركب جديد يمكن أنْ نصطلح عليه تارة بأنه ((تشيع شعوبي)) وأخرى تارة بأنه ((شيعة شعوبية)) . [7] ، وهو توليف غريب عن أي مفهوم إسـلامي قرآني أصيل وغير مأوَل بشكل تعسفي أو قسري ، إذ تولـَدَ هذا المفهوم العنصري ، وما نشأ عنه من تعاليم وفتاوى و((أفكار مقدسة)) وترهات ميتافيزيقية خارجة عن نطاق العقل والمنطق . . . لقد تولد عن ((عقد قران)) بين((الرؤية الإمامية / الشـيعية)) المزعومة و((القومية الفارسـية)) . . . عقد قران غير شـرعي يتسم بالسِفاح ، [8] .

 

    ولكن المرحوم شريعتي لم يكن حياً في الواقع الآني والراهن ، وبالتالي جعـْـله باحثاً علمياً يعطي الأمثلة الحسية الملموسة من واقع الحياة اليومية الراهنة ، وبالتالي : يغترف الشواهد الحسية الملموسة من العراق السياسي في هذه المرحلة الذي اِنتصر فيها الطغيان الأمريكي على مجتمعه العربي المسـلم وفق معايير الحضارة العربية الإسلامية ، والذي جعله ((خاضعا)) كلياً للاحتلال الأمريكي وخصوصاً في ظل طابع أفكار إدارته الصليبية الصهيونية المنفلتة من أي عقالٍ سياسي تضبطه الشرعية الدولية ، كما وردت في مواثيق الأمم المتحدة ،  وذلك من أجل البرهنة على وجهة نظره تلك من حيث مواقف الأتباع / العلماء المذهبيين والسياسيين الذين يديرون الوضع السياسي العراقي في هذه الأيام ، وبالتالي لكي يتطرق إلى قرائن التبعية السياسية الواضحة للرؤية الصليبية المتصهينة ، وكذلك الاِستدلال على صحة أطروحاته الفكرية من خلال مناظر الجثث المقطوعة الرأس والمفصولة عن أجساها ، التي ركبها الله في أحسن تقويم ، والمثقوبة الأجساد بالمثقب الكهربائي (الدريل) ، والمحروقة الجلود بالتيزاب والأحماض الكيميائية والسلق بالمياه المغلية ، والمفقوءة أعينهم جراء التعذيب البشع ، والمقتلعون من مناطق إقامتهم التاريخية أو المرَّحَـلـَون من مواقع سكناهم على خلفية التفتيت المجتمعي العراقي والتجزئة الطائفية الملموسة ، كما بينته تجارب صولاغ / مجلس آل الحكيم ، وأقسام كبيرة من جيش مقتدى الصدر ، وغيرهم من المنظمات الطائفية ((السنية)) التي تقف في الصفوف المواجه لهم ، إذ أنَّ ردود الفعل الإجتثاثية أمر وبديهي في مثل هذه الأحوال، وتلتقي في نوعية الجرائم المرتكبة بحق العراقيين من مختلف الاِنتماءات المذهبية والدينية !، بغض النظر عن مفاهيم الشريعة الإسلامية التي تعد حياة الإنسان وكرامته خطاً أحمر لا ينبغي الاِقتراب منه، ناهيك عن اِنتهاكه كما هو ملموس في الماضي الذي أعقب الاِحتلال الأمريكي .

 

    لقد كان ـ كما أتوقع ـ بأمس الحاجة لهذه الأمثلة الملموسة ـ للتدليل على وجهة نظره،إذ أنَّ السلطة الصفوية التابعة القائمة في العراق المحتل والمشبعة بتعاليم الرؤية الفارسية الإيرانية،والتي تنامت ((قناعاتها السياسية)) في الحاضنة الفكرية لمرشديها من ((المراجع العظام))،هي المسؤولة عن وضع الناس الأمني في داخل العراق بسبب تبعيتها المطلقة للمحتلين الأمريكيين ، بلهَ لا يتوانون عن التصريحات المعلنة بضرورات التمسك بوجودها العسكري في العراق لحمايتهم من غضب الشعب العراقي .

 

    كما أنَّ صدور التصريحات الإيرانية المعلنة حول ما يسمى بملء الفراغ الذي سيخلفه اِنسحاب القوات الأمريكية من العراق والمقرون بعدم الإشارة إلى دور الإرادة الوطنية الحازمة التي واجهت قوات المحتلين بالقتال، من ناحية أولى ، وتأييد حكومة المالكي أو الشبيهة فيه ، هي تستهدف ، وبشكل محدد وقبل أي شيء،طمأنة العملاء والأتباع حول حمايتهم في المستقبل ، فيما إذا اِنسحب حماتهم من العسكريين الأمريكيين،من ناحية ثانية ، ناهيك عن كونها تستبطن ملامح التفكير العنصري الذي يستهدف العراق تكويناً وتاريخاً ومضموناً قومياً ، من ناحية ثالثة .

 

   ولكن كيف تجسّدت هذه المفاهيم الصفوية على الصعيد الجنسي ؟ أي على صعيد جانب محدد من الرؤية الصفوية للعلاقات الطبيعية بين البشر الأسوياء في المجتمع الواحد ؟ والتي كانت سبباً في نقل الأمراض الجنسية المعدية والخطيرة للدرجة التي تركت أثارها الرهيبة المتمثل في النخر الاِجتماعي العراقي ؟ هذا ما ستعالجه الرؤية الفكرية التالية بعد تلمس المجموع العراقي الممارسات الإيرانية / الفارسية التي بتنا نراها في مجتمعنا العراقي والتي لم يعرفها سابقاً ، وبالقطع ! .

 

    إنَّ التشيع الصفوي الفارسي ، كما هو متجلٍ في الممارسة اليومية على الصعيد العراقي ، وكذلك المتجسد أمامنا على الصعيد ((الفكري)) والسياسي ، يقترن بالأقوال النابية والأفعال الدخيلة على الإسلام الذي حضَّ على المحبة والاِحترام للذات البشرية وحرَّم الطعن واللعن ودان الهمز واللمز وأوعد مروجيه بالويل والثبور ، وهي القيم المنافية لأبسط الأخلاق الإنسانية جمعاء ، والاِتصال البشري السوي من خلال مؤسسة الزواج الشرعية التي لها شروطها المعروفة .

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الهوامش والمصادر

    [7] ـ المصدر السابق ، ص 143 . 

    [8] ـ المصدر السابق ، ص 123 .

يتبع

 

 

* كاتب عراقي مقيم في هولندا

 

 

17 – 1 – 2008