|
ضجة الأعوان حول المستقبل العراقي حقيقة إعلامية أم دعاية سياسية ؟
موقع عربستان ـ باقر الصراف*
ـ 1 ـ المتابع لوسائل الدعاية التي تتعلق بالشأن العراقي التي تبث من داخل العراق أو من خارجه ،((عراقية التمويل)) أو من أية جهة كان تمويلها ، وسواء كانت مرئية أو مسموعة أو مقروءة ، يلحظ تكرار بعض الرؤى والمفاهيم التي تتعلق بماضي العراق السياسي : النزعة الدكتاتورية السائدة ، أو حاضره السياسي : الديمقراطية السياسية ـ وهو المأساوي وفق كل المقاييس الوطنية ـ للدرجة التي تبعث على التقزز والتقيوء ، لكثرة الأكاذيب والمغالطات التي تنطوي عليها موضوعات البث . يستطيع ((فرسان)) تلك الوسائل الكتابة عن مختلف القضايا ، أو التحدث عما شاؤوا أو ظنوا ، ولكن عليهم ((تذكر)) ما قالوه بالأمس عن ((فرص الديمقراطية السياسية)) القادمة والمؤكدة ، والرخاء حول المستقبل العراقي على كل المستويات الاِقتصادية والاِجتماعية ، و((اِحترام)) حقوق الإنسان التي اِستباحها ((جلاوزة النظام السابق)) ، وغيرها من أطنان ((المقولات الدعائية)) ، والمثل المعروف والشائع يقول : إذا كنت كذوباً فكن ذكراً . فذلك المعيار يستطيع مسك أي واحد من أولئك ((الثيران الحاكمة)) ويضع بعض قرونهم على شاشة كشف الكذب والدجل والتصرف الزئبقي المذموم ، وبالتالي جعلهم ((حكاية)) يتداولها الطالع والنازل .
والمضحك في الأمر كله ، هو مدى تخبطهم في حلبة المنطق الزائف بين ((حقائق)) الوضع المعاش من قبل مجموع المجتمع العراقي ، من جهة ، وخرافات أقوالهم وكتاباتهم وأحاديثهم الممجوجة تلك ، من جهة أخرى . وإذا كان البعض من ((الكتاب السياسيين)) في هذه المرحلة السوداء من تاريخ الاِحتلال الأمريكي للعراق ، لا يستأهل حتى التعرض النقدي لهم ، بالرغم من ((نباحهم الدائم)) حول ((الديمقراطية السياسية ، كونهم مجرد أدوات في كورال الجوقة الملعلعة التي جلبها الاِحتلال الأمريكي لخدمته ، بلحاظ ((المهمة الدعائية المنوطة بهم)) ، فإنَّ القسم الآخر ممن كان يتحدث بلغة إسلامية ـ وإنْ كانت طائفية المحتوى فارسية الهوى ـ وصلوا إلى الدرك الأسفل من درجات الحضيض بسرعة لافتة للنظر ، عندما باتوا يعملون في الأجهزة الإعلامية / الدعائية للمحتلين ، ويسوق مقولات ((المحافظين الجدد)) : وهي مقولات صليبية / صهيونية باِمتياز بدلالة برنامجهم السياسي . . . يسوق دعايتهم السياسية ، وذلك من خلال مقابلات وبرامج ((إعلامية)) رصينة أو سخيفة .
لقد غدا البعض مكرراً لأكاذيبه السمجة حول مَنْ يبدي أية ملاحظات نقدية عن مجريات الوضع الحالي الذي باتت روائح فضائحه تزكم الأنوف بشدة ، من خلال زعمهم أنه يحنُ للديكتاتورية السياسية السابقة ويحاول العمل على إعادة بناء التجربة السياسية السابقة في الحكم قبل 9 / 4 / 2003 ، من دون أنْ يجروا أية مقارنة موضوعية بين مجريات وأحداث الأمس الذي كان سائداً قبل الاِحتلال الأمريكي وأحداث اليوم التي ((يقودها)) الفكر الطائفي ، وإذا أخذنا معيار حقوق الإنسان ، على سبيل المثال المحسوس ، كونها المقياس الرئيس لمنظومة دعايتهم السياسية عندما كانوا في صفوف ((المعارضة)) السياسية للنظام ، فإنََّ الأمر يغدو فضيحة بذاتها ، ولسنا نحتاج إلى إيراد معايير أخرى من أجل البرهنة على الاِنحدار السريع حتى لدعاياتهم السياسية اليومية التي كانت قائمة آنذاك ، وليس فقط ممارستهم اليومية على ضوء مفاهيم الوطن العراقي والمجتمع العراقية والدولة العراقية .
لعل الصخب الدعائي حول ((الاِنتخابات القادمة)) التي ستجسد ((ديمقراطية النظام)) تحتاج إلى وقفة سريعة ، كونه مقولاتها والمقالات عنها هي ألف باء النشط الدعائي للقنوات الفضائية التي تمجد الاِحتلال وما ترتب عنه وما نتج منه على كل الصعد ، كونها مقرونة بعمليات عسكرية مجرمة تبيد الأخضر واليابس تسبقها يومياً ـ إنْ لم يكن قبل ذلك ـ فمن البصرة إلى الموصل ، ومن الديوانية إلى بعقوبة ، ومن الثورة في بغداد ، وعموم قِطاعاتها ، إلى مدينة العمارة ، ومن كربلاء إلى سامراء والفلوجة وحديثة ، ((تنشط المؤسسة العسكرية)) التي بلغ تعداد أفرادها حوالي الستمائة ألف ـ فيما كان تعداد الجيش السابق يتشكل من 400,000 كانت تعترض أمريكا عليه وقامت بحله بسبب نوع العقيدة القتالية ـ في ((تنظيف)) الطريق أمام المحتلين العسكريين ، كمهمة أساسية له ، و((الحكومة العتيدة)) واضحة في تصريحاتها وأقوالها حول ما أسمته على سبيل الدعاية اليومية ((فرض الأمن والقانون)) .
إذن : خمس سنوات من القمع والقتل والاِعتقال المتواصل ، وما يزال ((الأمن القانون)) مفقود ، وعموم أبناء الشعب العراقي تستباح يومياً حياتهم الاِجتماعية وتسرق ثرواتهم الشخصية والعائلية والعراقية الطبيعية ، ويغدو الفرد غير آمن على رجوعه حتى للبيت في حال مغادرته منه ، وأحاديث الرشوة المسجلة باِسم المسؤولين تطـْبِق على الآفاق ، وكل هذه ((الخريطة العجيبة)) من الممارسات الإجرامية بحق الوطن والمواطنين ، تبدو مجرد كلمة صفراء في صفحة من الممارسات الحكومية الكالحة السوداء ، ومع ذلك تغدو ((خطط فرض الأمن القانون)) تجسيداً يتبدى قتلاً يومياً للشعب العراقي ، وقصفا أمريكياً كذلك .
والحديث عن المحتلين المتناسـلة حملاتهم القمعية والإجتثاثية عبر القصف والقتل المباشر وفتح أبواب المعتقلات ، يستحق إفراد صفحات كثيرة : نقدية لتسليط الأضواء عليها ، فالتعاون بين الأطراف الأمنية المجرمة : قوات الاِحتلال ، الأجهزة الحكومية ، أتباع إيران ، وأفراد المرتزقة البيشمركة ، ضد الوطنيين العراقيين ، جعلت عدد الشهداء منهم يربو على المليون ، وأعداد المعتقلين يبلغون مئات الآلاف ، والمشردين في الداخل أو الخارج يتجاوز عددهم الخمسة ملايين مواطن ، الأمر الذي سيطرح سؤالاً حول الجهة العراقية التي ستنتفع من عملية الاِنتخابات ؟ بعد تلك الخسائر البشرية العراقية التي طالما شكلت الخميرة المتنورة والعالمة والواعية الملحة والمهمة لتطوير العراق على كل الصعد ! ؟ ، وليس فقط على قاعدة مقياسية تتعلق بحقوق الإنسان العراقي فقط .
ـ 2 ـ
التاريخ ينطوي على تجارب حسية ينبغي على كل متابع تفحص مجرياته التفصيلية أو دروسه الأساسية ، ووطننا العراقي لم يكن الوطن الأول الذي ((يخضع)) أو يقع تحت الاِحتلال العسكري الأمريكي ، بسبب عقلية المصلحة الأمريكية التي تماهت مع المصلحة الصهيونية والرؤية التوراتية لشؤون ومستقبل هذه المنطقة : والعراق خصوصاً ، وحقائق التجربة السياسية المعاشة طوال نصف القرن الماضي ، مثلاً ، تبين مدى حرص الرؤية السياسية الأمريكية على ((دم جنود غزوتها)) ، إذ هي الطاقة التي أنضجت التفاعلات السياسية في المجتمع الأمريكي ، ودعت المجموع الحريص عليها : البارزون منهم على مستوى الفكر والشعور الإنساني ، وحتى المصلحة الأمريكية ، إلى إطلاق دعوات الاِنسحاب وترك العراق لأبنائه ، ولم يصر على البقاء فيه محتلاً ومجرما سوى عتاة المحافظين الجدد الذين يقودون الإدارة الأمريكية ، وهو يرتبط ببرنامجهم السياسي المكتوب من أجل صياغة مستقبل العالم على ضوء مرحلتهم : النظام القطبي المتفردة والولاء للفكر الصهيوني .
ووعي هذه الدروس التاريخية هو الذي ينير الهدف الأساسي من وراء تخلي المحتلين عن الاِستمرار بحملاتهم القمعية العسكرية المباشرة ، وترك تلك المهمة ((الأساسية لأمنهم)) لقوات الجيش والشرطة والمخابرات والأحزاب الطائفية المنشأ والتصور: أي القمعية ((المحلية)) ، فإعادة تجربة ((فتنمة الحرب)) صالحة ـ في نظرهم ـ لإدارة الوضع السياسي العراقي ، تعد أكثر من ضرورة ((للحفاظ على الذات ، ولخدمة للحركة الصهيونية وكيانها القائم على الاِغتصاب والإجلاء والتشريد لسكان فلسطين الأصليين : مصافحة زيباري ((وزير خارجية العراق)) في الفترة الماضية ، وجلال الطالباني ((رئيس الجمهورية)) ، لبعض مسؤولي كيان الاِغتصاب الصهيوني ، ورحلة بعض ((النواب العراقيين)) لتل أبيب ، وتواجد عموم الشركات الإسرائيلية في العراق ، يجيء مثالاً ملموساً على ذلك الاِتجاه السياسي المتبع للتلاقي ((العراقي)) مع الرؤية الصهيونية في المستقبل ، وضماناً لهيمنة كلية على العراق عبر ((تقنين)) العلاقة معه من خلال المعاهدة الأمنية ، وتوفيراً ((لطاقة الدم الأمريكي)) للسيطرة عليه .
ومن هنا برز الدور المالكي وحزبه ومجلس عزيز حكيمي ، وغيرهما ، من ناحية ، وأنصار الرؤية السياسية الأمريكية ، من ناحية أخرى ، فهم الدرع الذي يحمي الجسد الأمريكي ليس إلا ، ويوفر ((الأمن)) للجنود المحتلين وشركاتهم المجرمة بغية تجنيبهم ثمن الدم ، ولن يجد المحتلون الأمريكيون مثل هذا المجرم الذليل : نوري المالكي لتنفيذ إستراتيجيتهم العسكرية عبر الأرواح العراقية والأملاك العراقية والسيادة العراقية ، ولعل تشبيه الأستاذ محمد حسنين هيكل للمالكي في ندوة القضاء المصري التي تم عرضها من على قناة الجزيرة . . . لعل تشبيهه من خلال إيراد المثل الشعبي المعروف : ((من قلة الخيل شدوا على الكلاب سروج)) ، يعبـِّر عن حقيقة خلو الساحة العراقية ، أو ندرتها على وجه أدق ، من أمثال هذا الخائن الذي ولغت يداه في دماء أبناء الرافدين ، بصورة لم يسبق لها مثيل على كثرة العملاء والمجرمين .
والمهم في أية عملية سياسية هو إدراك الحقائق السياسية القائلة أنَّ القرار الرئيسي ـ كي لا أقول الأساسي ـ هو بيد المحتلين الأمريكيين الذين رسموا ((دستور العراق)) كبرنامج لما يجب أنْ يؤول إليه وضع العراق السياسي ، بغض النظر عن الأثمان الباهظة المدفوعة من اللحوم الحية لشعب الرافدين من زاخو في الشمال حتى الأجزاء الجنوبية لمدينة البصرة ، فالحرص على المصلحة الأمريكية هي البوصلة التي تحدد مسارهم ، والخروج عن جادة هذا المسار هو الذي ينبغي التدخل المباشر في شأنه من أجل وضع ((المصلحة الأمريكية)) على المسار الصحيح لتطور الوضع السياسي العراقي ، وبالاِعتماد على ((الأرقام العراقية)) تنفذ الخطة السياسية المرسومة على ضوء المصلحة الأمريكية ، من دون دفع ((ضريبة الكلفة الدموية)) الأمريكية التي عمقت المقاومة الوطنية العراقية مجراها ، وفرضت عليها اِتخاذ العديد من الإجراءات السياسية .
فقد اِعتادت السياسة الأمريكية منذ صيرورتها نظاماً على حساب 112 مليون مواطن من سكان أمريكا الأصليين ، تحميل إثمان سيطرتها الكلية على البلدان الأجنبية وعلى أكتاف العملاء بالتحديد ، اِنطلاقاً من فلسفة ((المصلحة)) التي يحرص القادة السياسيون الأمريكيون على تنفيذ بنودها بدقة متناهية بغض النظر عن أية معايير إنسانية تخص الإنسانية من غير العنصر الأمريكي ، إذ ((أنَّ المجتمع الأمريكي في حسابه للنجاح على أساس الأرباح والخسائر ، كان مستعداً للتكلفة المادية ، متردداً ذات اللحظة إذا كانت الكلفة دماً ، وذلك موقف يسهل فهمه ، لأنه إذا كانت فكرة ((المصلحة)) هي الجامع المشترك ، فإنَّ الدم لا تصبح له ضرورة ، بل أنه يتعارض مع العقد الأساسي لشراكة المصلحة ، بمعنى أنَّ الشراكة تنظيم يدخل فيه كل طرف بحصة من رأس المال ، لكن الدم يظل خارج الحسبة لأنه لا يحتمل الربح والخسارة)) ، ومن هنا يمكننا تفسير رؤية عشرات الألوف من المرتزقة الذين تجمعوا على العراق ينتمون إلى شذاذ الآفاق من جميع المناطق في العالم .
وخير الأمثلة الحسية التي نسوقها للدلالة على العقلية الأمريكية ، هو المثال المستمد من تجربة الحرب العالمية الثانية والدور الأمريكي فيها ، فلم تتورع القيادات السياسية عن اِرتكاب أي محظور قيمي : وفق المعايير الإنسانية من أجل تنفيذ إستراتيجية عدم ((سفح الدم الأمريكي)) ، ومجرد قراءة ذلك المثال ـ الذي سنذكره لاحقاً ـ ربما يعيد ((الوعي)) لبعض العملاء ممن أوغلوا في اِرتكاب جرائمهم بحق العراقيين ، ويدفعهم لمراجعة سيرتهم السابقة ويبدؤون بالنأي عن المحتلين المجرمين والتكفير عن ماضيهم من خلال صيد الأمريكيين ذاتهم أو الكشف عن خططهم العملية ، كما حدث في المدائن والفلوجة وغيرهما ، ودون ذلك تبدو كل تجليات التكفير بائسة ورخيصة وتافهة ، فدماء الشهداء العراقيين أقدس من أي شيء على الإطلاق .
((على أنَّ أغرب ما هو أغرب جاء مع المعركة الثانية للقوات الأمريكية على مسار الحرب ، وهي معركة النزول في صقلية . وكان محتملاً في هذه المعركة أنْ تكون إنزالاً حقيقياً (بكل مخاطر الإنزال من البحر إلى الشاطيء أمام تحصينات قوية ونيران معادية) . لكن البيت الأبيض تحرك لكل الوسائل ، وشاغل الرئيس فيه (وهو فرانكلين روزفلت وقتها) كيف يمكن تقليل خسائر الإنزال في عملية صقلية بأقل كلفة في الدم ، لأنَّ هذه الجزيرة مطلوب منها أنْ تتسع لنصف مليون جندي أمريكي ثم تتحول إلى منصة قفز لهم على شبه الجزيرة الإيطالية المتدلية في البحر الأبيض المتوسط .
وكان البيت الأبيض بنفسه هو الذي تولى رسم ورتب تنفيذ خطة تقليل خسائر الإنزال في صقلية . وكان الرسم والترتيب على شكل مقايضة مباشرة وعملية (دون روادع من أي نوع : ديني ـ أخلاقي ـ قانوني أو غيرها !) ، شملت ترتيبات لا تتخفى ولا تتستر ـ وسياقها على النحو التالي : · أن ((عصابات المافيا)) في نيويورك (ذلك الوقت) على اِختلاف أسرها هم في الأصل مهاجرون من صقلية . · ولعصابات المافيا في هذه الجزيرة أقارب وأنصار واِستثمارات كبيرة توفر أرزاقاً وتعقد ولاءات ، بل وتشتري السلطة المحلية في الجزيرة . · ومعنى ذلك أنَّ ((عصابات المافيا)) قادرة على تسهيل عمليات إنزال القوات الأمريكية القادمة من المغرب إلى صقلية لكي تبدأ غزو إيطاليا (مقدمة لكسر قبضة ألمانيا وكسر رأسها أيضاً !) . · وبناءً عليه فقد كلّف الرئيس ((روزفات)) أحد مساعديه (هاري هوبكنز) أن} يعرض على زعماء المافيا صفقة مقايضة ـ قبلت بها عصابات المافيا ، واِتفقت عليها بأعصاب باردة ـ وشروطها : 1 ـ تحصل عصابات المافيا مقدماً على 25 مليون دولار ((لوضع قطع من الحلوى في أشداق بعض المسؤولين في صقلية)) ـ (كذلك سجلت مذكرة للرئيس عن الاِتصالات ) ! 2 ـ تكون للمافيا ((حقوق حماية)) بعد تحرير إيطاليا ، وهذه الحماية يلزم أنْ تكون إيجابية ، بمعنى أنها لا تقتصر على مجرد التغاضي عن نشاط هذه العصابات في أمريكا وحدها ، وإنما تضمن لها فوق ذلك وزيادة عليه مشاركة فاعلة ومؤثرة في الشأن الإيطالي . 3 ـ تتشاور الجهات الأمريكية المعنية مع زعماء عائلات المافيا في ترتيب ((علاقة عمل)) مع أجهزة الأمن الأمريكية تكفل تغطية نشاط عصاباتها في الولايات المتحدة ذاتها ، بما في ذلك أنْ يكف مكتب التحقيقات الفيدرالي عن الوقيعة بين عائلاتها وتحريض بعضها على بعضها الآخر . وبعد هذه الصفقة ـ وليس قبلها ـ وصلت ناقلات الجنود الأمريكية إلى شواطيء صقلية ، ونزل الجنرال ((باتون)) ومدرعاته من البحر إلى البر ، وكان زعماء عائلات المافيا وأبناؤهم وزوجاتهم وأطفالهم ورجالهم وأعوانهم في الإدارة المحلية (بل حتى تلاميذ المدارس) يلوحون بالأعلام الأمريكية ، ويهللون لوصول كل قارب من قوارب الإنزال الناقلة للجنود والأسلحة والذخائر .)) .
تلك الوقائع مسجلة من صورة ممارسات حية ، كان فيها ((الدم الأمريكي)) هو المقدس ، وتم بـ((وعي اِستباقي)) تكفلت بإنجازه أعلى ((المستويات السياسية والعسكرية)) الأمريكية ، ووجدوا في عصابات المافيا ((الأرقام الملائمة)) لإنجاز مهماتهم السياسية ، مع ملاحظة أنها تكررت في كل التاريخ الأمريكي في سبيل تحقيق مصالحها الخاصة ، وإذا أسقطنا دروس وقائع تلك التجربة على مجريات العراق الحالي ، ألا نرى تطابقاً في خطوط التحرك الأمريكي ، من خلال وضع ((القوى السياسية العراقية)) وأنظمة الخليج ومصر والأردن ((العربية)) ، ونظام الملالي الإيراني مكان وضع ((عصابات المافيا)) لاِحتلال العراق وإدامة ذلك الاِحتلال ؟ من جهة ، وتكليف المالكي وأتباعه للقيام بدور المجرم / الكلب الذي يحافظ على دم سيده من أجل ((جلب الطريدة له)) .
ـ 3 ـ
الحقيقة العملية المرئية لجميع العراقيين ، المكتوين بنتائجها المأساوية الكثيفة والكثيرة تقول : أنَّ ((زعماء الأحزاب الطائفية)) على مختلف تلاوينها : سنية ، شيعية ، من أصول دينية أخرى ، والعصابات الإثنية التي أقامتها القيادات الاِنعزالية الكردية ، هي المتاريس التي تتوضع خلفه القوات العسكرية المحتلة للعراق العظيم ، من أجل توفير طاقة ((الدم الأمريكي)) ، تاركة لغربانها الطيارين في الجو يهدمون البيوت الآمنة على رؤوس ساكنيها الآمنين ، بحجة أنهم من ((الإرهابيين)) . لقد تغير اِسم مهمة أولئك الطيارين المجرمين من القصف المتواصل للعراق طوال أعوام 1991 ـ 2003 ، إلى توصيف القصف والقتل للعراقيين بعناوين محاربة ((الإرهابيين)) ، في حين أنَّ كل الضحايا هم من العراقيين الآمنين في وطنهم .
يشاركهم في الترويج إلى تلك التعبيرات المخاتلة المدجلة الشائنة المجحفة ، حول مفاهيم ما يسمى بـ((الدكتاتورية)) و((الإرهاب)) ، الزمر التي تسلحت بالخطوط العريضة للدعاية السياسية الأمريكية ، بعد تلوينها بالذرائع الطائفية والمقولات الإثنية ، أما الثمن المدفوع عن فواتير تلك المعارك والحروب الجارية فوق أرض العراق ، فهو من مخزون الدم العراقي وأرواح الأبناء العراقيين المخلصين على مختلف اِنتماءاتهم الأيديولوجية والقومية ، والمواطنين العرب في مقدمتهم وعلى رأسهم ، وذلك من أجل مزاعم ((العمل على إرساء الديمقراطية السياسية)) في العراق المحتل ، والتمهيد ((لاِنتخابات محلية)) قادمة ومحمية من قبل ((رافعي الجزمات الأمريكية)) . إنها ديمقراطية سياسية مجلوبة عبر القصف والقتل والإبادة والاِحتلال العسكري الغاشم والمجرم ليس إلا ، ويريدونها نموذجاً سياسياً جاذبا لشعوب المنطقة العربية .
إذن ، ما يمكن اِستخلاصه من التجربة السياسية العراقية ((الراهنة)) ، والتجربة الأمريكية في ثنايا تجربة الحرب العالمية الثانية ، هو تطوع ((المالكي)) وعموم ((المتحكمين في السلطة)) المتسلطة على العراق الأشم ، الذي تجري فيه المقاومة الوطنية المسلحة وغير المسلحة : وهي مقاومة شعبية ووطنية مبادرة ، متفانية ، صبورة ، مقدامة ، رائدة ، عفية ، شجاعة ، مقتحمة ، غير هيابة ، جريئة ، إلخ ، وهو الأمر الذي اِستفز كل أعداء العراق في الداخل والخارج ، وجعلهم يحزمون إثمهم ويجدلون حبائلهم من أجل خنق العراق وفرض الاِستسلام على أبنائه المقاومين عبر الزحف ((العراقي)) الصفوي التابع على المدن ، أولاً ، والقصف الأمريكي اليومي الذي يبيد ويحطم ويجرم ، ثانياً .
واليوم تنفذ حلقات الإبادة الأمريكية بواسطة ((القوات العراقية التي تحررت)) من قبضة ((الديكتاتورية)) السياسية ، من أجل ((إسعاد)) الشعب العراقي عبر ((صناديق الاِقتراع)) ، فإلى أي درك سافل وأسفل يحبو الحكام على صدورهم وهم يشخصون بأبصارهم نحو سيدهم الذي جلبهم من ((المنافي)) بواسطة دباباتهم الغازية ؟ . أنها القضية السياسية الأهم : الدائمة والمستمرة التي ينبغي وضع معيارها عند رصد أحوال العراق ، أما القضايا السياسية الأخر فهي تجليات ((طبيعية لكل اِحتلال أجنبي)) : المعاهدات الأمنية ، والاِنتخابات المحلية ، من أجل خلق وتكوين الفئات الحاكمة ، إلخ . . . ويجب أنْ لا تلهي شعب العراق عن القضية الأساسية ، ولا تلغي المهام الأساسية لطلائعه المفكرة والواعية ، على الرغم من ضرورة فضح آليات تفكير الاِحتلال وعملائه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة جديرة بالاِنتباه المعلومات حول وقائع التجربة الأمريكية المستشهد بها في سياق هذه المقالة ، منقولة نصاً مما أورده كتاب الأستاذ محمد حسنين هيكل ، الإمبراطورية الأمريكية والإغارة على العراق ، الطبعة الثانية / ديسمبر 2003 ، ص 28 ـ 30 .
* كاتب عراقي مقيم في هولندا
7 – 7 – 2008
|