|
محاضرة ألقيت بمناسبة عقد مؤتمر موسع في مدينة الأحواز يوم الجمعة الماضي الموافق 25 – 2 – 2005 الذي أقيم تحت عنوان: ((ضعف اللغة العربية في الأهواز .. الأسباب و النتائج))
بسم الله الرحمن الرحيم موقع عربستان ـ أبو توفيق الأهوازي
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله وصَحبه أجمعين. من دواعي الفخر و السرور أن تكون لي مساهمة متواضعة في هذه المناسبة القيمة ـ «اليوم العالمي للغّة الأم».
كما يشرفني أن أكون في محضر أهل العلم والأدب من علماءَ وأساتذة. لكنني، في نفس الوقت، أشعر بشيءٍ من الارتباك لأن الكلام يصعب أمام فحول اللّغة والأدب.
«والذين لا يشهدون الزّورَ و إذا مرّوا باللّغو مرّوا كراماً»(صدق الله العليّ العظيم).
قد طـُلب منّي أن أتناول موضوعاً مازال مورد إهتمامنا، و هو«ضعف اللّغة العربية في الأهواز و أسباب ذلك و نتائجه». كنت قد تناولت «ضعف لغتنا في الأهواز» قبل سنوات و ذلك في مناسبةٍ عزيزة، حيث أسهبت في الموضوع و شرحته شرحاً وافياً و جعلته مقدمةً لكتاب بعنوان «لغتنا» والذي كنت بصدد إكماله ثّم طبعه، ولكن حالت الظروف دون تحقيق ذلك. من جهةٍ أخرى، أنّ«ضعف لغتنا في الأهواز و أسبابه» لم يعد أمراً غامضاً على أحدٍ، لاسيّما، على الإخوة المهتمين بالثقافة و المتتبّعين لقضايانا – و منها اللغة بالذات.
فانطلاقاً من حرصي الشديد على المساهمة في هذه المناسبة، ارتأيت أن أتناول موضوعاً آخر، وهو «اللغة العربية ركن أساسي من أركان القومية العربية». هناك قومياتٌ عديدةٌ على وجهِ البسيطة و كلّ منها تحملُ خصائصَ ثقافيةً ولغويةً و تاريخيةً وجغرافية، فتصبح تبعاً لذلك مرآةً لهويتهم و خصوصيتهم التي تميّزُهم عن غيرهِم.
والقومية العربية هي إحدى القوميات المستمرة منذُ القدم وهي بما تحمله من خصوصيةٍ تاريخيّةٍ وحضاريةٍ تُعدّ مرآةً تعّبر عن أحلام و آمال و طموح و إرادة الأمة العربية. فالقوميّة العربية إذن هي هويّة الإنسان العربي تجاه الأمم و القوميات الأخرى. إنّ الانتماء إلى أمة ما، يخلق في داخل الإنسان شعوراً من العاطفة، نابعاً من العمق الوجداني. إنّها العاطفة التي تربط الإنسان بمحيطه الاجتماعي الإنتمائي:الانتماء إلى تاريخ ٍ واحدٍ ولغةٍ واحدةٍ وثقافةٍ واحدةٍ و إلى حاضرٍ واحدٍ و مستقبلٍ واحدٍ وأرض واحدةٍ وآمالٍ واحدةٍ. إنّ القوميَّ العربيَّ الأصيل هو مَن يَعي أنّ التاريخ أصلهُ، و الأرض شرفه، والوحدة قوّتهُ، والحضارة العربية الإسلامية رسالتُه...
أيّها الاخوة، منذ قرونٍ ولاسيّما، في القرن الميلاديّ المنصرم إلى يومنا هذا و نحن نتعرض لهزاتٍ مدمّرةٍ و تياراتٍ جارفةٍ و عواصف عاتيةٍ فلابدّ للقومية العربية من أن تحمل «ثوابت الأمة العربية»، وأعني ثوابتها التاريخية و الثقافية و الحضارية بكلّ وضوح، لتصبح تلك الثوابت هي الحدود التي يمارس في داخلها و تحت سقفها الصراع الفكريّ الفلسفيّ العقائديّ العربي. وتلك الثوابت هي بمثابة «خطّ الدفاع» عن خصائص و هويّة القوميّة العربية في عصر التطورات و المتغيّرات الفكريّة، وأعني «عصر العولمة» بقيمها المادية التي ضربت القيم الإنسانية و منها قيمنا نحن العرب بالذات.
إن الثوابت أو الأركان التي لابّد وأن تبقى في صميم النهج الفكريّ القوميّ العربيّ في مسار التطورات والمتغيّرات العالمية، والعربية عديدةُ، ولكنّي، و كما أسلفت، رجّحت ركن «اللغة» على غيرها من أركان القومية العربية: في الحديث عن اللغة العربية و دورها الهامّ في ثقافتنا و هويتنا الإسلاميتين لابّد من الإشارة ـ ولو بإيجازـ إلى أثر ديننا الإسلامي الحنيف على لغتنا العربية.
لقد حرص القرآن الكريم على إظهار عروبته اللغوية من خلال آيات التي تؤكّد ذلك «إنّا أنزلناه قرآناً عربياً لعلّكم تعقلون» (سورة يوسف ،آية رقم 2) و «كتاب فصلت آياته قرآناً لقومٍ يعلمون» (سورة فصلت ، آية رقم 3) و«كذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أمّ القرى و من حولها» (الشورى ، 7) ، و غيرها من آيات.. لقد تعدّى القرآن الكريم حدود إظهار عروبته اللّغوية، الى التعهد الصريح بالحفاظ على اللّغة العربيّة من كلّ ما قد تتعرّض له و يكون سبباً في زوالها أو تشوّهها، و ذلك من خلال قول الخالق «انّا نحن نزّلنا الذكر و إناّ له لحافظون» (سورة الحجر، آية رقم 9) . وبما أنّ الذكر هو القرآن ، و بما أنّ القرآن هو باللغّة العربيّة، فهو إذاً تعهّد بالحفاظ على القرآن من جهةٍ ولغته العربية التي أكدته آياته من جهةٍ أخرى.
استناداً لما جاء من آيات، أقول: إن الإسلام ليس ديناّ خارجياً غريباً يحمل صفات وعادات وأخلاق قوم آخرين. الإسلام دين نابع من داخل المجتمع العربي ، عايش مشاكل العرب و عاداتهم. فتبنّي الحميدة منها و حارب الرّذيلة . فالإسلام منّا و إلينا نحن العرب، و العرب هم أقرب الناس إليه على الإطلاق . فهم الذين شهدوا إنبثاقه، فكانوا دعاته و أبطاله الأوائل و أدوات إنتصاره. و كانت أرضهم مسرح إنجازاته و منطلق إشعاعه، و قبل كلّ شيءٍ، كان الرسول العربي الكريم ، القائد الأعظم في تاريخ البشرية، في مقدّمة أولئك الدعاة الأبطال و لهذا يعتبر الإسلام بالنسبة إلى العرب«ديناً قومياً». ليس الإسلام بالنسبة إلينا كما هو بالنسبة إلى الأتراك أو الفرس. فذاكرتنا القوميّة هي «التاريخ و التراث الإسلاميان».
بعد إنتشار الإسلام في أقاليم شاسعةٍ من العالم و إحتكاك العرب المسلمين بحضاراتٍ و ثقافاتٍ أخرى و تعرفهم على آثارٍ علميّةٍ و أدبيّةٍ و فلسفيّة عبر التراجم، لاسيمّا، في العهد العباسيّ الأول، تبوّأت اللّغة العربيّة مستوي «الفكر في حياة الإنسان العربي»، الفكر الذي يحوي التاريخ و التراث و العادات و الهواجس و الآمال و الطموحات العربية. فأصبحت اللغة العربية بذلك «الرباط القوميّ العربيّ الأوّل» أو الأساس الأوّل لهويّة الأمّة العربية و أبنائها. و استمرار قيام الأمة العربية مرتبط ارتباطاً وثيقاً لا ينفكّ باستمرار لغتها.
لقد تعرّضت الأرض العربية عبر مراحل التاريخ إلى حالاتٍ من المدّ و الجزر الجغرافيين تبعاً لقوّة أو ضعف الدولة الإسلامية، وفي جميع هذه الأحوال كان أبناء الأقاليم العربية ملتزمين بالإنتماء الى أمتهم، رغم وقوعهم تحت سلطة و إدارة الأمم المستعمرة، و كان ذلك نتيجة ارتباطهم و حفاظهم على لغتهم، أي ، رباطهم القومّي. فمثلاً ، لقد قام الحكم العثماني بإسم «الخلافة الإسلامية»، بإحتلال الأرض العربية، ثم قام بمحاولاتٍ عديدةٍ لـ«تتريك» العرب، و من خلالهم «الإسلام». فإصطدمت الرابطة القومية التركية بإرادة أبناء الرابطة القومية العربيّة، وإنتصرت اللغة العربية.
و في هذا السياق، يمكننا القول بأنّ محاولات «التتريك» و غيرها التي وقعت على العرب كانت مقتبسة عن العرب المسلمين أنفسهم حين قاموا بتعريب أبناء الأقاليم في عصر الفتوحات ، و هنا يتبيّن لنا مدى الأثر الكبير الذي أحدثه و وفرهُ الإسلام «للّغة العربية» : نعم «إنّا نحن نزّلنا الذكر و إنّا له لحافظون».
و كما لا يخفي على الحضور الكرام ، قام رضا شاه في الربع الأول من القرن الميلادي المنصرم، بعيد جلوسه المشؤوم على عرشه، بعد ثورةٍ مدعومةٍ من عجوز الاستعمار، بريطانيا، بحملة عنصرية ضد شعبنا حيث بذل جُلّ جهده لطمس الهويّة العربية و النيل من كرامة الإنسان العربي وإماتة اللّغة العربية في إطار سياسة «التفريس» الغاشمة البغيضة. فالضعف و الوهن المشهود و الملموس في لغتنا الاهوازية هو نتيجة مباشرة لسياسة رضاشاه والتي استمرّت حتى نهاية حكم إبنه. و بعد انتصار الثورة الإسلامية، كنّا مفعمين أملاً بأن تنكشف عنا غياهب الحقد والكراهية و الإضطهاد، و أن تتاح لنا فرص لإنعاش لغتنا و ممارسة حقوقنا المبدئية وفقاً لما ينصّ عليه الدستور، ولكن، و للأسف، لم نر شيئاً نستبشر به إلى يومنا هذا... و بقيت لغتنا كما كانت دون أي علاج، و مناشدة مثقفينا و ممثّلينا في مجلس الشورى من خلال الخطابات و عبر الجرائد بتطبيق الدستور لم تلق آذاناً صاغية لدى زعماء الثورة الإسلامية، و جديراً بالذكر أنّ ترسبات سياسة التفريس التي كانت تُمارس من قبل النظام السابق ضدّ شعبنا لم تزل موجودةً في أفكار بعض المسؤولين في نظام جمهورية إيران الإسلامية.
كناّ قد قلنا، بعد احتكاك العرب بالحضارات و الثقافات المختلفة، أدّخر العرب مخزوناً هائلاً من العلم و المعرفة. و بناءً على تلك الثقافة و المخزون المعرفي، أصبح هناك «فكرٌ عربيُ» ينطلق منها ، و الفكر هو أحد أوجه اللغة، إذ إنّ اللّغة رباط فكريّ بين أبناء الأمة الواحدة. فاللّغة هي آلة لإجهار الفكر، و التفكير ما هو إلا «تكلّمٌ باطني».
من جهةٍ أخري، أنّ اللغة هي واسطةُ لنقل الأفكار و المكتسبات من الآباء إلى الأبناء، و من الأجداد إلى الأحفاد، و من الأسلاف إلى الأخلاف. وهي العلاقة التي تربط بين أفراد الأمّة و تعبّر عن أحلامهم و آمالهم و عن لذائذهم و آلامهم، و هي الخزينة التي ترسم فيها الأمة عناصر ماضيها و تُسطّرُ بها حوادث تاريخها و ثمرات نتاجها في العلم ، أو السياسة ، أو الآداب، أو الفّن أو الحرب... وهي الواسطة التي يتمّ بها انتشار الأفكار و المشاعر فتنتقل من فردٍ إلى آخر و من مجموعةٍ إلى أخرى.فاللغة ليست مجموعةً من الألفاظ و العبارات الجامدة، بل هي أحاسيس و مشاعر و نوازع كامنة، و أفكارٌ وميولٌ حيّةُ مطويّةُ تقومُ بمثابة طابعٍ قوميٍّ يشدُّ من روابط الاتحاد و الألفة بين جميع أفرادها، فيشعُرُ هؤلاءِ و كأنّهم أسرة واحدة.
و بناءً على ما تقدّم ، نرى أنّ اللغّة العربية هي التجسيد الحيّ للفكر العربي، بطموحهِ و آمالهِ و أحلامهِ و بآلامهِ و قهرهِ و اضطهادهِ ...
وختاماً، أقول: قد تسقُطُ دولة أو أمّةٌ من الأمم تحت نير سيطرةٍ أو غزوٍ أو سيادةٍ أجنبيّةٍ، و يأخذُ الأجنبي يتحكّم في شؤونها كما يشاء. فخسارة الشعب المحتلِّ في حالةٍ كهذه لا تتجاوز حريّته و إستقلاله السياسي و الاقتصادي، و قد تأتي ظروف تمكّنه من دحر المحتلّ الأجنبي عاجلاً أم آجلاً ليستعيد حريّته و أرضه المفقودتين. لكن إذا خسرت أمّة لغتها القومية و إعتنقت لغةً جديدةً بديلةً، فإنّ ذلك يعني فقدان تلك الأمّة كيانها و حياتها .
ليس بمقدور أيّ لغةٍ بديلةٍ أن تعبّر عن«الفكر القومي». الفكر القومي لا ينطق إلا«بلغته القوميّة». إن الفكر واللغة صنوان، أو كلاهما وجهان لعملةٍ واحدة . هذا ، والسلام عليكم ورحمة الله و بركاته، وأعتذر عن إطالة الكلام .
25 – 2 – 2005
|