|
اللغة العربية في الأحواز
.................................................
المقدمة :
هذه
الدراسة كان قد قدّمها ، كاتب و
مدرّس مرموق في الأحواز يدعى :
الأستاذ
مجيد
عبدالله ، حيث أُلقى هذه الدراسة
في إحدى الأمسيات التي أقيمت في
بيت أحد
الأخوة
في منطقة كوت عبد الله ، بمناسبة
تكريم الشاعر الأحوازي الراحل :
" جفير البحيّـر"، شاعر
أحوازي معروف ، و كان قد حضر هذا
الحفل التكريمي جمع من أبناء و
بنات شعبنا العربي في الأحواز، و
شارك بعض الشعراء الشباب في
تكريس هذه الأمسية ذات المضمون
الفكري .
و
كان موعدها في عام 1998 م .
شارك
في الإعداد: عادل السويدي
إن
الشعوب تحيا حياتها عبر مسيرتها
الحضارية و تسير في تاريخ
حضارتها نحو الإعتلاء و الكمال ،
و من الطبيعي أن تعترض هذا السير
الطولي أمورُ ُ عرضية ، لتعيق
المسيرة او لتوقفها لفترة ٍ من
الزمن أو تزيده إندفاعا .
فهذا
السير وما يعترضه من عرضيات و
معيقات يشكّل تاريخها الحضاري ،
و التاريخ ما هو الا مرآة تعكس
للأجيال المتلاحقة ثقافة
الأسلاف و آدابها و أدبها و
أديانها ، وكل أعرافها و
تقاليدها و إحتكاكها مع الشعوب
الأخرى و ما ينجم من هذا الإحتكاك
من سلبيات و ايجابيات . فهذا هو
التاريخ .
و
اللغة هي الأداة الوحيدة ،
لتعرّف أي شعب ٍ على ماضيه حتى
يعرف اين تكون مكانته بين الأمم و
الشعوب ! و كيف يستوعب التجارب
ليواصل مسيرته التقدمية! ولكن
اذا فقد شعب ُ ُ هذه الأداة ، فبأي
وسيلة ٍ يتمكّن من التعرّف على ما
فعله القدماء و ما قدّمته له ؟ و
بأي وسيلة ٍ يتمكن ايضا من نشر
ثقافته المؤلفه من معتقداته و
أفكاره وإنجازاته المادية و
المعنوية، وبالتالي نقلها الى
الأجيال القادمة .
فمن
الصعب تصوّر مفهوم الشعب دون
الأخذ بالإعتبار المفاهيم و
التعاريف العلمية التي يستخدمها
علماء الاجتماع و السياسة في
تعريفهم للشعب .
اذا
ما نظرنا في لغتنا نظرة ً دقيقة ً
تحليلية ، لوجدناها لغة ً ضعيفة ً
، ذليلة ً مثقلة ً بأعباء ٍ منهكه
، مشبّعة ً بمفردات ٍ فارسية،
ومتطبّعة ً بطابع ٍ فارسي ٍ في
صياغة جملها، و لهذه الحالة
المؤسفة أسباب ُُ ُ شتى ، يمكن أن
نحصرها في سببين رئيسيين ":
السبب
الأول :
هو
عامل خارجي ـ أي عامل ُ ُ يقع خارج
إرادتنا نحن عرب الأحواز ـ شعب او
كأفراد ، ويتكون من ثلاث نقاط :
1
) إن اللغة الفارسية بصفتها ،
كلغة ٍ رسمية ٍ في البلاد هي
اللغة الدراسية الوحيدة للعرب في
الأحواز ، و شأننا في هذا الأمر
كشأن الفرس دون أي تمييز .
2
) إن اللغة الفارسية تهيمن هيمنة
ً مطلقة ، وبدون أي رادع على جميع
العلاقات السياسية و العلمية و
الثقافية و الدراسية و
الاجتماعية و الاقتصادية و غيرها
من العلاقات في مجتمعنا العربي ،
وفي مقدمة النقطتين المذكورتين ،
إن
شعبنا لم يمنح حقوقه القومية ،
ولم يفسح أمامه المجال الرسمي
ليمارس حرية العمل في ما يتعلق
بشؤونه القومية ، بما في ذلك : عدم
إتاحة المجال له لدراسة لغته و
القيام بالتعبير عن حضوره العربي
، كواقع ٍ تاريخي .
إن
هذا القمع الثقافي كان قد بدء منذ
عهد النظام البهلوي ، إبتداءا من
رضا شاه ، وختاما بإبنه ، حيث
ركّز هذا النظام القمعي سياساته
الغاشمة على طمس هويتنا : كعرب ،
وعلاقة إماتة لغتنا العربية بشتى
السبل ، منها :
ــ
إبعاد كبار القبائل و الطوائف
الى طهران و مازندران و تفريس
المدن العربية في الأحواز ، ونشر
الفارسية لغة ً و ثقافة ً بيننا .
ــ
إنشاء المدارس في المدن و
الأرياف لا من أجل نشر التعليم ،
بل من أجل دعم سياسته البغيضة .
وفي
عهد الشاه الإبن قوبلنا بنفس
الحقد و الكراهية ، ولكن هذه
المرة بأسلوب آخر و هو إرغام
المعلمين و المدرسين و الموظفين
العرب في الأحواز و الخفاجية و
البسيتين و الحويزة و مدن أخرى ،
على ترك مدنهم و التوجه الى مدن
شمال الإقليم و مدن ٍ نائية ٍ
أخرى خارج الأقليم .
فلم
يكتفي الشاه بهذا القدر من
الإستخفاف ، فأصدر أوامره
الخبيثة عن طريق الوزارات منها
وزارة التربية و التعليم ،
بممنوعية النطق بالعربية في
الدوائر و المدارس و هكذا منع
العرب حتى من تبادل أقل ما يمكن
من كلمات بلغتهم .
أملنا
كبير بأن المسؤولين في نظام
الجمهورية الاسلامية الايرانية
المبتعدين كل البعد عن الأفكار
الضيقة ، و الداعين لمكافحة
الإضطهاد و العنصرية ، و
المتفتحين نحو آفاق الحرية و
العدالة الاجتماعية في إطار
المجتمع الحضاري المنسجم مع روح
الاسلام النهضوي ، و أسس النظام
الثوري و الدستور التقدّمي ، سوف
ينظرون في حقوق الشعوب ، بمنظار
العدل و الفعلية ، و يساهمون
مساهمة ً صادقة ً فعّالة في تجسيد
ما وهب الله الشعوب من حقوق ٍ
مبدئية، تجسيدا على أرضية الواقع
يرضي الله و عباده ، إنشاءالله .
السبب
الثاني :
اذا
كان السبب الأول ناشئا عن عامل ٍ
خارجي ٍ لا إرادة لنا فيه و لا
رغبة ، فالسبب الثاني ، و هو
تصرّفنا غير اللائق بلغتنا ،
يأتي منّا و علينا ، ويبرهن على
عدم إهتمامنا بها و بأنفسنا
بالذات .
اذا
كانت المصطلحات العلمية و الفنية
لا تتبادر في بالنا و لا تجري على
ألسنتنا بطلاقة ، ماذا تقولون في
الأقوال البسيطة التالية ، و
التي لا تحتوي أيّ كلمة ٍ يصعب
علينا بديلها في العربية .من جملة
هذه الأقوال كأن تقول مثلا :
(
طكّيت الباب رنك )
............ ( يوم الدوشنبه عندنا
زروش ) ................ ( إبني طلع قبولي
برشتة الكشاورزي )
(
الترافيك كان سنكين ) ..... ( جرخ
الكوشتي ما تجرخ زين ) ..... و هكذا .
يجب
علينا أن ننظر الى الحالة
المؤسفة لهذه اللغة بنظرة ٍ
دقيقة ٍ و بإهتمام ٍ بالغ ، و لا
أظن بأن هنالك ممن يشك
بالحالةالمأساوية التي تمر بها
لغتنا ، اذا ما نظرنا اليها بنظرة
الحريص الغيور ، كلما مرّ زمن ُ ُ
على لُغتنا و هي تعيش نفس الحالة
المستمرة ، كلما إزدادت نسبة
الكلمات الفارسية فيها و إتّسعت
مساحة تواجدها على حساب لُغتنا ،
و الدليل واضح ، فكلنا ندري و
نعترف ايضا بأن نسبة الكلمات
الفارسية الدخيلة في لغتنا قبل 20
او 30 عاما مثلا ، كانت أقل بكثير
مما هي عليه الآن ، و ما كُنّا
نتكلّم الفارسية في بيوتنا او
نخلطها بلغتنا في طفولتنا و
بصبواتنا، بقدر ما تستخدم الآن و
تخلط لا من قبل الأطفال و تلامذة
المدارس فحسب ، و إنّما من قبل
الكبار ايضا .
لكل
شئ ٍ حدّ، تعاطي المفردات و
المصطلحات و المفاهيم العلمية و
الفنية و السياسي و الاقتصادية و
غيرها عن طريق تعلّم اللغات و
تبادل الخبرات أمر ُ ُ طبيعي
ولا يمكن إجتذابه خاصة ً في
عصرنا هذا حيث وسائل الإعلام و
المواصلات الحديثة و المتطوره و
المتنوعة الاشكال و المهام آخذة
ً بترويج العلوم و الثقافة و
التكنولوجيا و نشرها بسرعة ٍ
هائلة ٍ عبر القارات ، الأمر هام
ُ ُ و شامل ُُُ ُ ، و اللغة بصفتها
كظاهرة ٍ من ظواهر الثقافة بأي
مجتمع ٍ او شعب لا تُستثنى من ذلك،
ليس بإمكان أي لغة ٍ او ثقافة ٍ أن
تضع نفسها في سياج ٍ من فولاذ كي
تصون نفسها من أي تطور ٍ أوتأثر ٍ
بغيرها، كل ما تطوّرت العلوم و
التكنولوجيا و انتشرت في
المجتمعات ، كلما تأثّرت بها
معالم الحياة البشرية و منها
اللغة بالذات، فاللغة تتغير
و تتطور و تنمو و تتوسّع و تنتشر و
تؤثّر و تتأثّر ، لانها حيّة و
ليست صمّاء او ميته ، لكن ترك
الباب مفتوحا على مصراعيه أمام
الهجمات العشوائية للغة
المهيمنة حتى تُطبق على المهيمن
عليها أمرُ ُ لا يُطاق و لا يستحق
اللا مبالاة و ينافي تماما ما قيل
آنفا في ما يتعلّق بتعلّم اللغات
و تبادل المصطلحات و الخبرات ،
فمن هنا يجب علينا أن نعي و
نستوعي الآخرين حتى يقوموا بدور
ٍ نشط ٍ متّسم ٍ بالغيرة ، تجاه
إنعاش لغتهم التي تقع في مقدمة كل
ظواهر الثقافة و الحضارة .
في
إطار هذا الإهتمام نرى اليوم بعض
الشعوب ، ونعني بوجه ٍ خاص شعوب
العالم الثالث ممن تأثرت لغاتهم
في هذا القرن بمفردات ٍ و مصطلحات
ٍ فنية و علمية و سياسية و
إقتصادية غربية ، قد بداوا بنهضة
واعية للحد من تسرّب تلك
المفردات الى لغاتهم ، حيث بذلوا
جهدا كبيرا لإستبدال ما يمكن
منها، بمفردات و مصطلحات محلية ،
بُغية الحفاظ على لغاتهم من
التعرُّض العشوائي للغة
المهاجمة التي تفرض هيمنتها عن
طريق إستيراد التكنولوجيا و
التعرّف على العلوم الحديثة.
ففي
بلادنا ايران مثلا : هناك مجمع ُ ُ
يسمّى " فرهنكستان زبان و أدب
فارسي " أي " المجمع الثقافي
للغة و الأدب الفارسيين " ،
يشرف على وضع مفردات ٍ و مصطلحات
ٍ فارسية ٍ جديدة لتحل محل
المفردات و المصطلحات الغربية
المستوردة ، حيث يصدر في هذا
الشأن، مجلة ً فصلية ً تسمّى "
نامه فرهنكستان " أي " رسالة
المجمع الثقافي " و ينشر فيها
آخر ما يتوصّل اليه من كلمات ٍ
بديلة، بالإضافة الى هذه المجلة
هناك مساع ٍ أخرى يبذلها المجلس
لنفس الغرض ، فمثلا
نرى في التلفزيون برنامجا
خاصا بإسم " فارسي را باس
بداريم " أي " لنصُن
الفارسية " ، يتناول بعض
المفردات الأجنبية و الأغلاط
الإنشائية و المكتوبه و المقروءة
الشائعة كي يصحّح الناس أغلاطهم
و ينقّوا لغتهم .
نفس
المساعي تبذل في الدول العربية و
لنفس الغرض ، و تحت إشراف مجمع
واحد يسمّى " مجمع اللغة
العربية " و مقرّه في القاهرة .
من
البديهي أن يكون لأي عمل ُ ُ دافع
ُ ُ، والدافع الوحيد لتنقية
اللغة هو ( الغيرة ) و لا غير ، فأي
مسعا يرمي الى الحدّ من تسرّب
المفردات الأجنبية الى لغة ٍ
أخرى ، لاسيما إن كانت بسيطة و من
الطراز المتداول عند العامة و من
النوع المشار اليه سلفا ، يكون
أمرا ممكنا اذا ما إتصل بالغيره ،
بالإضافة الى الدافع الرئيسي ،
أي الغيره لا بد أن تكون هناك
وسائل كفيلة بتنقية اللغة ، وهي
مراجعة الكتب و الجرائد العربية
و استخدام الوسائل ذات الصلة
بالسمع و البصر .
و
الى جانب هذا لا بد من عنصر الحرص
و الإصرار على إستخدام المفردات
الصحيحة دون خجل ٍ من هذا او ذاك .
و في نفس الوقت تشجيع الأبناء و
الآخرين على التكلّم بها و
الاستمرار في هذا النهج حتى تأخذ
الكلمات العربية الصحيحة طريقها
تدريجيا الى المسامع و تتطبّع
على الألسن ، فتصبح سارية ً
مألوفة .
إن
كان هذا قدَرُ لُغتنا أن تعيش
حالة ٍ كهذه و تصبح كما هي الآن :
فالإستمرار الدؤوب على المحافظة
عليها و المراقبة المشددّة على
عدم خلطها بغيرها هو قدرنا نحن
أهلها ، فليس لها دوننا و ليس لنا
دونها.
لا
مناص من قدر ٍ و لا عدول عن
مسؤوليةٍ تقع على عاتق الانسان
الغيور .
و السلام عليكم و رحمة الله و
بركاته
الأستاذ
: مجيد عبدالله ، كاتب وباحث في
مجال اللغة العربية
و
أستاذ اللغة الإنجليزية في جامعة
مدينة الأحواز
|