|
هل حان الوقت لتجديد أفكارنا ؟! ... وأن نسير وفق معايير حديثة في لحظة تاريخية ملحة؟!
موقع عربستان ـ عادل السويدي
المقدمة
سوف أحاول بقدر المستطاع أن أقوم بدراسة تحليلية ـ أولية و متواضعة ـ في توضيح بعض الجوانب ـ السلبية و الإيجابية ـ التي لا زالت تحكم رؤيتنا و هي تعتبر جزءٌ من المسار الوطني العربستاني، لاستكشاف الطريق الذي يمهد لنا الوصول إلى ما نطمح إليه خلال الفترة القادمة. من خلال بحثنا التالي سوف نبذل المحاولة ـ و لا أدّعي الصواب فيما نذهب إليه ـ في التركيز على المعالجة الموضوعية، السياسية و الفكرية، للإحاطة بمواطن الخلل الذي يجعلنا نبحث في معالجته و بذل الجهود المنهجية لكي نولـّد البديل عن الخلل القائم، و بالتالي بناء التصورات العلمية لهذا البديل و العمل على صياغة هذا البديل بمقاييس علمية متأنية و صبورة. و قبل الدخول في هذا البحث دعوني أطرح بعض التساؤلات حتى تكون مفتاحاً للتفكير عن مجرى و مغزى هذا البحث. أولا: هل نحن حقاً في مرحلة ٍ تاريخية ٍ يشكـّل فيها النضج الاجتماعي و الثقافي و حتى الفكري، و السياسي ـ باعتبار الأخير أرقى وعي ـ ما يجعلنا مؤهلين في المساهمة في معالجة هذا الخلل، و بالتالي تصبح كتاباتنا النظرية قابلة للتطبيق على أرض الواقع أو حتى أن تكون لها علاقة بهذا الواقع و صلة بالظروف الموضوعية الماثلة ؟؟ إن مفتاح أية فعاليات سياسية لجس نبض الواقع هو أن نثير الأسئلة حول تناقضاته و تجليات هذا التناقض و التفكير في كيفية تجاوز هذه المآزق التي تحيط بهذا التناقض، و من ثم يقتضي منا بذل الجهود للتحليل الموضوعي للواقع السياسي القائم، و التفكـّر بالردود العقلانية التي تترتب على الممارسات التي تمس الواقع و تقترب منه، و ذلك بغية تطوير بعضها و كشف نواقص البعض الآخر، و السعي في إهمال الجوانب غير المفيدة لهذا التطور، و هذه هي مهمة تقع على عاتق المفكـّرين و المخلصين من أصحاب الرؤية الموضوعية و الاستمرارية في العمل، أي العمل على ( سياسة المراحل ) و دون القفز عليها أو الاستعانة الطائشة للدعم الخارجي و بشكل غير واعي.
تداعيات الماضي... و تأثيراته السلبية على أفكارنا
إن عقلية الفرد العربستاني بحاجة أساسية للوعي: الفكري و السياسي، و وعي المرحلة الاجتماعية التي يمر بها شعبنا، فلا يمكن الافتراض بوجود نموذج اجتماعي عربستاني و الفكر القبلي و كيانه قائم بكل قوة في الواقع، فهذا الفكر القبلي الممزّق يبحث عن نقاط الاختلاف و المعارك قبل البحث عما هو مشترك و ايجابي و ناضج، حيث أن بناء التصورات الصحيحة و تطبيقها يتطلب تحديد المقومات الموضوعية للسير إلى الأمام، و الأهم ـ برأيي ـ أن يتم تصفية مرحلة التخلف القائم للدخول في مرحلة التقدم، و كل ذلك يتطلب عقلية متنوّرة و مناهضة في الوقت ذاته عن ((ثقافة القوة و تهميش الآخر))، لا سيما التسلـّح بثورة أخلاقية تفرض نفسها علينا، و عدم قطع جذور الاتصال بالمجتمع و رسم أحلام طوباوية مستمدّة من الواقع الأوروبي المتطوّر مثلاً، أو المبنية على وعودٍ واهمة كان قد جرّبها البعض ـ رضا شاه و إبنه فيما بعد ـ و قد انقلبت نتائجها السلبية عليهم و عضوا إصبع الندامة على الأخذ بها. و ربما من المهم أيضا أن نذكر مثالاً آخراً ـ رغم قسوته ـ فإن الأمير الشيخ خزعل ألكعبي قد وثقَ بالبريطانيين و استمع إلى نصائحهم و طبّق خططهم ولكن دفع حياته ووطننا ثمنا لتلك النصائح، أي عدم الاعتماد في التغيير الوطني على الأجنبي، الذي كان السبب المباشر ـ و ما يزال ـ في تخلفنا و ضياع وطننا و كياننا العربي.
و لو رجعنا إلى الوراء قليلاً للنظر حول حركاتنا التنويرية أو الفكرية أو السياسية العربستانية و مسيرتها في أوائل القرن العشرين و إلى هذا اليوم، سنكتشف أن أسباب الخلل في هذه الحركات لها أسبابها التي تلزمنا للبت فيها، و أن نطرح البدائل الموضوعية الناضجة و العملية لتحجيم الشرخ الذي حدث و أوصلنا إلى حقبة التفسّخ الاجتماعي و الاقتصادي و بالتالي السياسي مما سهل على الآخرين سيطرتهم على مجتمعنا و كياننا العربي و الأهم، احتلالهم لعقولنا. و بهذه الرؤية سنحاول تبيان بعض الجوانب المهمة التي ربما أهمله البعض من خلال كتاباتهم، بأن ما تعرّضنا له في العام 1925 م كانت له أسباب و نتائج موضوعية أدت بدورها إلى تقويض الحكم العربي في وطننا.
لو ألقينا الضوء بنظرة دقيقة لتلك الفترة الزمنية سنجد أن الفرد العربستاني كانت لديه إنتمائين في الفكر و السلوك، و هما: الفكر القبلي، و الفكر المذهبي الطائفي، حيث أن هذين الفكرين كانتا هما أهم ما كانت تشغله في تلك المرحلة {1}، و لأن شعبنا كان يتأرجح بين إمبراطوريتين: الإيرانية و العثمانية، و كان الفرد العربستاني يحس بالخوف دائما من الغزاة فقد عانى ما عاناه في تلك الفترة من تأثيراتهم السلبية و حروبهما في المنطقة العربية و الإسلامية و كانت نتائج تلك الحروب تنعكس سلباً على إقليمنا بشكل مباشر و غير مباشر، و ربما يكون هذا أحد أهم الأسباب التي جعلت الصيرورة المرحلية للتكوينة المجتمعية العربستانية في تلك الفترة غير قادرة على مواكبة العصر و أن تكون غير مستوعبة للتحديات التي كانت تحيط به من كل جانب، بسبب تعقيدات المرحلة الزمانية و المكانية، و بالتالي كانت سمات ـ المرحلة تلك ـ عند العربستانيون هو عدم تبلور الحس القومي و الوطني لديهم، و ربما من الواجب أن أذكر أهم الأمور التي كانت تحول دون أن يتبلور هذا الحس، و هو:
ــ أن المجتمع العربستاني كان يعاني من الضربات المتكررة من قبل ثلاث قوى أجنبية: البريطانية ( العدو الإستراتيجي ) و الفارسية و العثمانية. و لو ألقينا الضوء هنا على حالة الحروب الجديدة المتجددة بين هذه القوى الثلاث لوجدنا بأن الحروب كانت تتجه لصالح القوى الاستعمارية البريطانية، و هي ـ أي بريطانيا ـ كانت تتصارع مع القوى الاستعمارية الأخرى و المتصاعدة حديثاً مثل الإتحاد السوفييتي و فرنسا، حيث أن هذه القوى كانت في صراع جلي و محتدم مع بريطانيا على تقاسم تركة العثمانيين و الفرس، و توزيع هذه التركة عن طريق رسم الخرائط الجديدة لهذه المنطقة و بالتالي توزيعها و توزيع خيراتها على أن تكون المحصلة النهائية من هذه التوزيعة لصالح المستعمر القديم الجديد ( بريطانيا )، و كانت معاهدة السايكس بيكو هي التي بينت آفاق المستقبل المنظور لهذه القوى و بالتالي تقسيم المنطقة العربية للنفوذ البريطاني. فق تمثلت الأهداف الإستراتيجية البريطانية في العالم وقتئذ و حول الخليج العربي تحديداً على النحو التالي: فصل السواحل عن الدواخل، أي فصل المناطق الساحلية على الخليج العربي عن المناطق الصحراوية البعيدة عن هذه السواحل، و سيطرة البريطانيين على كل المناطق الساحلية الغنية بالنفط و مشتقاته على ضفتي الخليج العربي كما كانت هذه سياستها في كل العالم، لأنها ـ أي القوة البريطانية ـ كانت قوة بحرية و تستطيع السيطرة على المناطق المهمة في العالم {2}، و كان إقليم عربستان يقع ضمن هذه التقسيمة البريطانية و بالتالي جعل المناطق الصحراوية ملكاً للسكان العرب المحليين، و المقصود بها أن يبقى العرب بعيدين و محرومين في نفس الوقت عن معرفة محتويات أراضيهم و كنوزها النفطية و أن يبتعدوا عن ممارسة سيادتهم حول الموانيء التجارية في خليجهم الغني بالموارد النفطية و غيرها من الموارد و بالتالي أن يبقوا منشغلين بالحياة البدوية الخالية من أي تطور مجتمعي {3}، و من ثمّ يتم تقسيم هذه المناطق منها إلى فتات و البعض الآخر لبناء سدود قوية في وجه القوى المصارعة للإمبراطورية البريطانية و أقصد في وجه الإتحاد السوفييتي.
ــ كان إقليم عربستان(الأهواز أو الأحواز) هو أول منطقة في العالم يتم اكتشاف النفط فيه في تلك الآونة و كان ذلك في العام 1902 م حيث تم استخراج النفط لأول مرة من أراضيه في العام 1908م، و كان هذا الإقليم أول ضحية من ضحايا هذه التقسيمات و الضياعات التي تلتها فيما بعد ضياعات لمناطق أخرى كمناطق الأكراد و لواء الإسكندرونة و فلسطين و غيرها، فبعد موت الرجل المريض (الخلافة العثمانية) تقاتل الورثة: (بريطانيا و فرنسا و ألمانيا و الروس) على التركة، واستلب الورثة ما يمكن سلبه، ثم تسابقوا للسيطرة على الحصص التي قسّمها لهم الإنكليز والفرنسيون، مثل: ضم إقليم عربستان إلى إيران (بالقوة)، و لواء الإسكندرونة إلى تركيا(بالقوة)، و الأكراد تم توزيعهم على أكثر من دولة (بالقوة)، طبعا دون أن يفكروا ما إذا كانت هذه التقسيمات عادلة أم لا، ففي مثل هذا التوقيت يغيب منطق العقل و الوجدان.
ــ و قد دخلت المنطقة في تقسيمات و إحتلالات جائرة جاءت نتيجة ً لمشروع استعماري في المنطقة سمي في وقته أي في العام 1917م باتفاق الـ (سايكس بيكو) الذي قسم المنطقة من خلاله فيما بين بريطانيا و فرنسا لدرء خطر المطامع الألمانية من جهة، و الروسية، من جهة أخرى فيها.
و قد ساهمت كل هذه الأمور في عدم تمكن ((مجتمعنا)) العربستاني في تلك الآونة من أن ينتقل ـ بفعل التطورات الحاصلة ـ إلى ((مجتمع)) متماسك قوي، للوقوف في وجه الأطماع و التحديات الماثلة، ما نتج عن ذلك ضياع إقليم عربستان العربي عن الوطن الأم، حيث دخل هذا الإقليم و شعبه العربي إلى مسار تاريخي مجهول، مع العلم أن الحركة القومية العربية التي كانت قد نشأت في بلاد الشام و مصر و لبنان و العراق ـ العمق الحضاري و الإستراتيجي لعر بستان ـ كانت في بدايات نهضتها، و لم تنتقل رياح هذه النهضة إلى عربستان إلا القليل، حيث كانت الانتماءات القبلية و المذهبية الطائفية عند الفرد العربستاني كانت الأقوى منها من الانتماءات الوطنية أو القومية عنده، أو بالأحرى لم تكن المفاهيم الوطنية و القومية معروفة و واضحة و متداولة لهذا الفرد بعد، و هذا بالتأكيد يعتبر تحصيل حاصل لكل تلك الحالة الفوضوية التي كان يعيشها شعبنا العربستاني و المنطقة العربية ـ الإسلامية برمتها. إن الأحداث الدولية آنذاك كانت تتمخض لبداية حقبة جديدة، نستطيع أن نذكر أهمها بإيجاز:
ــ حدّة التنافس الروسي ـ البريطاني على منطقة الخليج العربي و أهمها إقليم عربستان الذي اكتشف النفط فيه قبل غيرها من الدول العربية المجاورة و في المنطقة ـ و ربما في العالم ـ و كان ذلك في العام 1908 م. ــ نشوب الحرب العالمية الأولى (عام 1914م). ــ انهيار الدولة العثمانية. ــ استلام رضا شاه زمام السلطة في دولة جديدة اسمها (إيران) بعد احتلاله لإقليم الأهواز(عربستان) في العام 1925م و بأوامر و تخطيط بريطاني. ــ بداية الحكم الوطني في العراق. ــ اتضاح الأسباب السياسية للمستعمر الجديد ( بريطانيا ) التي أدّت ـ فيما بعد ـ لعدم تحرّك العراق والدول العربية الأخرى للمطالبة بإعادة بلد عربي استبيح و احتل أمام مرئاهم، و بالتالي كانت كل هذه الأحداث لها أثرها السلبي و المحبط على شعبنا العربستاني و على أميرهم الشيخ خزعل ألكعبي و خصوصاً على أداء حكمه.
و إذا انتقلنا إلى بعض الجوانب الأخرى التي كانت حاصلة في هذا الإقليم من حيث موقعه العربي و السياسي، فإن من جملة الأدوار التاريخية التي قام بها الشيخ خزعل ألكعبي ـ آخر أمير عربي لهذا الإقليم ـ في التكوين السياسي لمنطقة الخليج العربي، نجد بأنه كان يعتبر رائداً و مجسداً لليقظة القومية و النهضة العربية في تلك الآونة من بدايات القرن العشرين، و قد وصف أيضا بأنه أقوى شيخ عرف في جزيرة العرب، حيث أنه وطد علاقاته مع ملوك العرب و أيضا مع الأوروبيين {4}.
و يذكر المؤلفين لكتاب(الشيخ خزعل... أمير المحمــّرة) حول أدوار الشيخ خزعل و مكانته السياسية المرموقة في تلك الآونة قائلين:" وصل الأمر بأن المراكب الأجنبية كانت تطلق له ـ أي للشيخ خزعل ألكعبي ـ مدافع التحية كلما مرت من شط العرب و حاذت قصره. و قد أنعم عليه البابا برتبة فارس لمساعدته ببناء كنيسة في المحمـّرة. كما تبرع بمبلغ من المال لمفتي القدس مساهمة منه في تعمير مسجد الصخرة "{5}.
ولكن سيرورة التطور الذي كان يسير في نهجه الشيخ خزعل لم تكن تسير في إطار النمو الموضوعي و لم تكن تسير بشكل النمو التدريجي و الزاحف في عموم الإقليم العربي الذي كان يحكمه هذا الأمير، حيث أن تلك النهضة العربية و اليقظة القومية كانت تعتبر سابقة لأوانها كما بينتها الأحداث، من جهة، لا سيما أنها لم تكن ناتجة عن التراكمات الموضوعية الحاصلة في إطارها المرحلي، من جهة أخرى، حيث أن آثار تلك النهضة كانت مرتبطة و مؤثرة فقط بالشيخ و حاشيته المقرّبة منه، و لم يكن الشعب العربي في عربستان يعلم معاني تلك اليقظة القومية و الوطنية و لا حتى مستوعباً لها، منها بسبب تدنـّي الوعي القومي و السياسي، و غيرها من الأسباب التي ذكرنا بعضها آنفاً.
و لو أخذنا مثالاً حول بناء البنية التحتية و المواضيع ذات الشأن المتعلقة بالدولة و أجهزتها التي كان يروم الشيخ خزعل بإنشائها في إمارته على نمط الدول الحديثة في تلك الأثناء، نجد أنه حاول أن يطبـّق(التجربة الضريبية) ـ و بشكل متسرّع دون أن يدرس آفاق و مستلزمات هذه الفكرة الجديدة ـ التي كانت تجربة غربية و حديثة و غير مألوفة في مجتمعاتنا العربية في تلك الآونة، فقد أثار سخط أكثرية شعبنا العربي في الإقليم الذي كان يعتنق نمطاً (( قبلياً)) في إدارة حياته و أسرته و مجتمعه في تلك الآونة، و قد ثارت أغلب القبائل العربية في عربستان ضد هذه التجربة، سيما أن هذه القبائل كانت ترى أن هذه التجربة هي بمثابة انتقاص لرجولة و شهامتهم البدوية و أن القصد الأساسي لهذه التجربة ـ كما يعتقدون ـ هو إذلال شيوخ القبائل و تدمير حياتهم المعاشة، لذلك فقد ثارت بعض هذه العشائر العربية مثل: قبيلة بنو طرف و غيرها من العشائر في العام 1902 م ضد الشيخ خزعل ألكعبي، و أعلنوا الثورة و العصيان عليه و على مشاريعه الظالمة كما كانوا يتصورون.
و مما يؤسف له أن ردة فعل الشيخ خزعل أيضا كانت غير معتدلة بل كانت بالمثل ـ أي بالقوة ـ و في العام نفسه ثارت عليه قبيلة النصـّار ممتنعة عن دفع الضرائب فاكتفى خزعل بترحيل هذه القبيلة إلى الكويت بعد معارك طاحنة كانت نشبت بين الطرفين {6}.
و في هذا الشأن يذكر الدكتور علي الوردي عالم الاجتماع العراقي، يذكر هذه التجربة من خلال إلقاء الضوء عليها و على عقلية البدوي و القبائل العربية في تعاملهم مع هذه التجربة، حيث يبين بأن القبائل كانت لا تتقبل هذه التجربة الضريبية بتاتاً، لأنها تحسب ذلك عاراً عليها، و أن الإنسان القبلي كان لا يخضع لقوانين السلطة و الدولة الحديثة، لأنه لم يتعوّد على هذه الحياة و لم يستطع استيعابها لأن التطور المرحلي لم يكن قد وصل موضوعياً إلى هذه المرحلة الناضجة في تقبلها و التعامل معها و بالتالي فإنه كان يحس بأن هذه التجربة ستنتزعه من كرامته و كبرياءه، لذا كانت القبائل تنبذ هذه التجربة و تواجهها بالنار و الحديد {7}.
كانت هذه العمليات و الحروب المشتعلة ـ بين الحين و الآخر ـ بين الشيخ خزعل كحاكم من جهة، و بين شعبه العربي في عربستان، من جهة أخرى، كانت معظمها قائمة على عقلية العنف و العنف المضاد، و كان الشيخ و حاشيته المترفة في وادٍ، و الشعب العربستاني بغالبيته المنهكة و الجاهلة للظرف السياسي الخطير في حينها، في وادٍ آخر، و للأسف الشديد ـ أو قل ربما كانت شروط المرحلة تتطلب ذلك ـ فإن الشيخ خزعل لم يدّخـّر وقتاً لمحاولة فهم طبيعة هذه المشكلة الحاصلة و لا حتى في كيفية التعامل التدريجي في تطبيق هذه التجربة الضريبية التي كانت هي غريبة أصلاً عن مجتمعنا و حتى عن المجتمعات المجاورة لنا، وكان من المفروض أن توضع لها الآليات العملية المدروسة للتطبيق وقبل ذلك كان يجب أن تسبقها سلسلة من إجراءات البدائية الأخرى و ذلك من خلال تأسيس المدارس و الجامعات و الصحف و غيرها من وسائل التي كان من المفروض أن تسبق هذه التجربة و أن توضع لها برامج مرحلية، ولكن في المقابل و بسبب عقلية القوة و العنف المنتشرة في هيكلة المجتمع العربستاني ـ للأسباب الكثيرة التي كانت تعصف بالإمارةـ، بالإضافة إلى الظروف الصعبة و التطورات السريعة للسياسة الدولية التي كانت تمر بتغيير كبير في منطقة الشرق الأدنى، أدّى كل ذلك إلى موت مثل هذه التجارب في الإقليم العربي و كان من الطبيعي أيضا أن ينظر الشعب العربستاني لهذه التجربة على أنها حالة خطيرة و بالتالي اتخذ موقف مقاومة هذه التجربة بكل الوسائل و مقاومة الشيخ خزعل ـ العدو بنظرهم ـ حتى و إن أدّى ذلك إلى ضياع الوطن و مستقبل الشعب، وهذا ما حصل بالنتيجة. و كان الشعب العربستاني بعيد بغالبيته الشعبية عن الممارسات الفكرية و الاجتماعية و التفاعل معها، إلا ما ندر، في حين كان الشارع العربي بشكل ٍ عام و الإيراني بشكل ٍ خاص في حالة غليان و ثورة {8}.
لا يعني هذا بأنه لم تكن في حينه أصوات و أحاسيس صادقة تعي مطامع الرضا خانية الجديدة المتبلورة و المتعاونة مع النظرة البريطانية التوسعية في المنطقة، تجاه إمارة عربستان و غيرها، ولكن هذا الحس لم يكن بالمستوى المطلوب لمواجهته و مقاومته، لذلك لم يستطع الشعب العربستاني في دفع الغزاة عن نياتهم و قد تم احتلال هذا الإقليم العربي الغني بثرواته و بالتالي ضُمّ إلى الجغرافية السياسية الجديدة لدولة سميت فيما بعد بـ (إيران)، و كان ذلك مدعوماً بالأجنبي ((البريطاني )) و بالقوة العسكرية و الدهاء السياسي. أما من الناحية العسكرية فقد وقف كل من زعيم البختيارية و والي بشتكوه و أمير لرستان و غيرهم و شكلوا ((إتحاد حلف سعادة)) في العام 1924 لمناهضة الغزو الإيراني المحتمل لعربستان، و انتخب الشيخ خزعل رئيساً له. ولكن رضا شاه توجه بقواته العسكرية نحو المحمـّرة عن طريق: أصفهان ـ شيراز ـ بوشهر ـ بهبهان، حيث جرت معارك متعددة بين جيشه و عرب المنطقة {9}.
في نفس الوقت فإن هدف هذه المقاومة لم يكن الدفاع عن الوطن بقدر ما كان هدفها قبلياً، و الدليل على ذلك أن أقارب الشيخ خزعل و قبيلته ( بني كعب ) كانت هي نواة هذه المقاومة وهم من كان يقاوم هذا الغزو الأجنبي بجدية، وهذا إن دل فإنه يدل على مدى الخوف الذي كان مسيطراً على هذه القبيلة و قائدها خزعل من أن تنهار زعامة بني كعب و تنتهي سلطتهم القبلية في الإقليم {10}.
كان من المهم إلقاء الضوء بعض الشيء إلى الماضي لنعتبر منه، و لأن في حاضرنا المعاش الكثير من الإشكاليات و القضايا المتكررة و المُعادة التي يجب كشفها و تحليلها، و من ثم معالجتها برويـّة و صبر.
إن انعدام الشعور القومي و الوطني أو ضعفه كان هو السبب المباشر الذي أجهض المشاريع الرامية و الهادفة إلى استيفاء حقوقنا المشروعة دولياً منذ عقود، وأيضا ابتعادنا عن المتابعات الثقافية و النشاطات المتعلقة بهذا المجال و غيره من المجالات ذات الشأن جعلنا نتقوقع رويداً رويداً على أنفسنا، حيث أننا ـ الأحوازيون في المنفى ـ متخلـّـفون مقارنة ً بالآخرين في أغلب المجالات، و عدم استطاعتنا ـ إلا القليلون ـ لطرح قضيتنا بالشكل العلمي و السياسي المدروس ضمن القضايا العالمية لهو خير دليل على ما نقول و نستنتج.
هنالك تحاليل و دراسات حثيثة يقوم بها بعض أبناء و بنات إقليمنا العربي في الداخل و الخارج بالاستعانة بأصحاب الخبرة و المخلصون العرب محاولين أن يساهموا في إشعال الشموع في مشوار حركتنا التنويرية و المليئة بالظلام الدامس و ذلك من خلال أبحاثهم المضنية و إجتهاداتهم الفكرية و السياسية المشكورة، ساعين في البحث عن مواطن الخطأ و الصواب، لا سيما الأمراض المزمنة التي عانى و يعاني منها مجتمعنا العربي و كشف تداعيات هذه الأمراض الاجتماعية التي سيطرت على عقولنا ـ و إننا لا ننفي تأثيرات الاحتلال العقلي الذي مورس علينا منذ العام 1925م و هو أخطر أنواع الاحتلال ـ و معالجتها بالأفكار المتنورة و الجادة، المثابرة و المستمرة، للخروج من التراكمات السلبية الكثيفة التي اعترت مسار حركتنا الوطنية العربستانية.
يذكر السيد عبد الكريم الأهوازي {11} في إحدى أبحاثه و دراساته المعنونة بـ ((القومية و القبلية)) حول بعض هذه الإشكاليات موضحاً: " إن استمرار بقاء الشعوب لا يستغنى بدون الثقافة و كذلك نؤكد إذا أردنا أن تبقى الثقافة الشعبية مستمرة حقاً ينبغي إحياءها و بثّ الدماء في عروقها و لكن ليس بالتمسك بالماضي السحيق و بالعرقيّة العقيمة.
فالثّـقافة هي المعرفة النسبية لدى كل إنسان في مجتمعه و قد يكتسبها من مجموعة الأفكار و التجارب و الفنون و الآثار التي تعطي و تلهم، و طابعها إنساني بالدرجة الأولى وإن كانت ثقافة الشعب ملهمة و مشرّفة من حيث معطياتها الإنسانية ". إذن ضمن هذا التحليل نجد بأن الثقافة عامل مهم و حاسم في الوصول إلى نتائج هامة و ضرورية، ليس فقط أثناء التغيير و التحول الجدي نحو المرحلة التحررية، بل الأمر مرتبط ارتباطا وثيقاً بكل مرحلة متتالية، و بالتالي نجد بأن هذا العامل هو ما يضمن آفاق المستقبل المنشود و الاستقرار النسبي في التحول نحو هذا المستقبل.
الحاجة الملحة في إعادة النظر في التفكير التقليدي العربستاني لمفهوم الحزب و الحزبية
هنالك مسألة أود أن ينتبه إليها الأخوة المحترمون في الأحزاب و التنظيمات العربستانية، و بمختلف مآربهم و مشاربهم و انتماءاتهم السياسية، حول التفكير الجدي في إعادة النظر لصياغة الخطابات و المناهج العملية الجديدة و العلمية في هيكلة العمل الحزبي أو العمل التنظيمي، لأن أغلب الأحزاب ـ و لا أقول كلهم ـ ومن خلال ممارساتهم للعمل الحزبي التقليدي نلاحظ أنهم يتجهون إلى سلسلة من المراحل غير المتصلة و غير المتجانسة ببعضها البعض ـ بشكل يعلمون أو لا يعلمون ـ و يتجهون تلقائياً في إنتاج سلسلة من الأفكار الاستبدادية و نتاجاتها المتخلفة، الأمر الذي يستوجب عليهم و ضمن التجارب الماثلة و الكثيرة في المشهد العربي اليوم، أن يعيدوا النظر بهذا النهج الحزبي التقليدي و أن يسعون جاهدين في الإلتفات نحو التجدد العملي و الفكري داخل جسم هذه الأحزاب و تقبل الانتقادات، فالتجديد هو شرط أساسي و لازمة من لوازم الحيوية و الاستمرارية بالعمل، و لا أدّعي بأن نتائج (( كل )) العمل الحزبي العربستاني كان سيئاً، ولكني أدّعي بأن النتائج الماثلة لم تكن هي المرجوة، لذا وجب أن ننتقد العمل الحزبي التقليدي على أن نفكر سوية في إيجاد صيغ عملية و قناعات مشتركة للخروج من تداعيات هذه المرحلة، بغية الانتقال لمرحلة جديدة نوعية التي بواسطتها نستطيع أن نتعامل مع المفاهيم المجتمعية المتجددة و فهم التناقضات السياسية الدولية و الإقليمية، خدمة لحاضر و مستقبل المشوار الوطني المنشود، و لتقليص العامل الزمني في الوصول إلى الحرية التي نودّها و بالتالي ممارسة هذه التجديدات المطلوبة عمليا و بطرق الحوارات المتكررة و المستمرة، فإن كل هذه التجارب العملية و النظرية ستزيد و تغني تراكماتنا الوطنية و سنستطيع من خلالها أن نسير وفق مراحل متدرجة و متجانسة لخلق هذه الحرية. على صعيد آخر، هنالك ظا |