|
ملاحظات
أولية حول المسألة الأحوازية
في
اللحظة التاريخية الراهنة
أيها الأخوة المحترمون . .
. أيها الرفاق الحضور . . .
باديء ذي بديء ، أود
التقدم منكم وإليكم بخالص
التحيات النضـالية ، والى
مسـيرتكم الوطنية الأحوازية
، والقومية العربية في الآن
نفسه ، بموفور النجاح والسؤدد
والتقدم على طريق تحقيق
أمانيكم ومساعيكم من أجل
تحقيق ما تصبون إليه ، والذي
دفعكم إلى تحمل مشاق السفر
وبـذل الغالي والنفيس بغية
إلتئام شـمـلـكـم على هـذه
الأرض الألمانية ، في مدينــة
بـوخــوم : [
BOCHUM] ، البعيدة
عن وطنكم الذي يلامس قلوبكم
صباح مساء .
أتقدم منكم وإليكم بإسم
أشقائكم في الطموح الوطني
العراقي ممن يلتزمون ببرنامج
التحالف الوطني العراقي ،
الذي يسعى إلى عراق وطني
ديموقراطي موحد ، بعيداً عن
التدخلات الأجنبية التي تريد
فرض رؤيتها الإستراتيجية على
العراق ، والوطن العربي ،
وبقية أقطار العالم من تلك
التي ترفض الرؤية الغربية
بقيادة أمريكا ، في زمن
عولمتها الظالمة الغادرة
الآثمة .
عندما أتتنا ، كتحالف ،
الدعوة لحضور مؤتمركم الذي
نتوسـم به كل الخير ، ونتمنى
له كل الخير ، قلتُ في خاطري ،
إنَّ المشاركة فيه لابد أنْ
تكون غير تقليدية ، أي أنْ لا
تقتصر على إداء التحيات
النضالية ، والتمنيات
بالنجاح لكم ، وإنما الإسهام
في مسيرتكم النضالية بالقدر
الذي يوفره لنا الإجتهاد
الفكري والمعرفي ، فإذا
أصـبنا فلنا أجر العمل
والأجتهاد ، وإذا لم ننجح في
إضافة ما نحاول تقديمه هنا ،
فلنا فضيلة المبادرة ، كما
نعتقد ، راجين تقبل هذا
المسعى الذي ينطلق من نوايا
الإخلاص الوطني والإيمان
القومي العربي ، والله هو
الرقيب على ما في الضمائر ،
والحسيب على النوايا
والأعمال ، والتاريخ هو الحكم
والفيصل .
ولكن ، مع ذلك ، تساءلت في
سريرتي ، وهل يليق بعامل في
ميدان النضال الوطني العراقي
والقومي العربي ، أنْ يدلي
بدلوه الفكري والسياسي في
حضرة مؤتمر للخريجين
الجامعيين ، ويحضره الكثير من
الأساتذة والمتخصصين ؟ ! .
وهل أنا أعَـرَف منهم
بشؤون قضاياهم الوطنية
والقومية في هذه المرحلة ،
وهم المناضلون المنغرسون في
لُجَّة الممارسة العملية ،
والمنخرطون في ميدان العمل
السياسي والفكري ؟ .
كان الجواب الواضح : كلا ،
فهم أدرى بشؤون قضيتهم
الوطنية ، ولكن لا بد من
الإسـهام معهم ، من التعلم
منهم ، وإبداء ما أراه
مناسباً ، عسى أن يكون ذلك
خدمة لهم ، بغية أن أجد فائدة
مرجوة من حضوري لهذا المؤتمر
الأحوازي الكريم ، ومن هذا
المنطلق كانت مساهمتي الذي
أرجو أنْ تنال رضاكم ، وتساهم
في ميدان نضالكم الوطني
والفكري .
مرّت النهضة العربية
الحديثة بعدة مراحل، من أجل
صيرورتها ذاتاً قومية فاعلة،
وجوداً عربياً ذا دورٍ ملموس
، على صـعيد العالم ، عبر
الإختلاف المعرفي مع الآخر ،
وتنامت المفاهيم القومية ،
مثلما تعمَّقت ، وتنوعَّت ،
في آتون الصراع أو النـزاع مع
الأجنبي ، الذي أراد التحكم
في مساراتها التاريخية . . .
مثلما أراد أنْ يكون
عملها وفكرها على أرضية رؤيته
التكوينية ، وسياساته
اليومية أو المرحلية أو
الإستراتيجية ، لكن التطورات
الموضوعية التي شهدتها
العقود التي تصرَّمت قد حسمت
الأمر ، وبات الوطن العربي
بمجموع أقطاره ذا حضورٍ فاعل
في
مجموع
التطورات السياسية التي
تتعلق به ، إنْ لم نقل على
عموم التطورات الإقليمية
والعالمية ، رغم تطلع شعبنا
العربي من محيطه الأطلسـي
وإلى حيث يمتد في الإقامة
والعيش على أرضه الوطنية ،
إلى تعميق حضوره السياسي على
الصُعُد كافة .
إنَّ
الصراع أو النـزاع مع الأمم
المجاورة كالأمة التركية
التي إتخذت في الماضي الإسم
العثماني مضموناً قوميا لها
لا سيما في سنوات
إمبراطورياتها الأخيرة ،
وكان الوعي بالتطورات
الموضوعية على الصعيد
العثماني والعربي ، هو السبب
الرئيس بوعي دروس تلك
التطورات ، وإكتشاف تلك
الدروس بالملموس ، بكون إنَّ
(( إتجاه الأتراك بكليتهم
تقريباً نحو الأخذ بسياسة
التعصب للقومية التركية ، أو
ما سميَ بالنـزعة التورانية ،
والسير في سياسة التتريك
وفرضها على بقية عناصر الدولة
وطوائفها)) ، كما يستخلص ذلك
توفيق برو ، الذي يضيف : ((كان
حُلم الإتحاديين بأن يحققوا
في بضع سنوات ما لم تحققه
الدولة ، من مزج العناصر
وصهرها في بوتقة واحدة من
أبرز ما إتصفت به سياستهم
الداخلية)) ـ بالرغم من إنَّ
الإسلام دعا إلى المساواة بين
التكوينات المجتمعية ، ومبدأ
تعارف الشعوب ـ مبرراً
تاريخياً للسيطرة السياسية ،
ومن ثم إستعباد الشعب العربي
، لا سيما في منطقته المشرقية
، كالعراق وبلاد الشام ،
وتنافسها مع إيران عسكرياً
على الأرض والسكان ، اللذين
شهدا خلال قرون عصيبة ،
حروباً دامية ومديدة ومريرة ،
على الأرض العراقية ، وتغلغل
الإستعمار الأوروبي في هذا
الجزء الحيوي من العالم طوال
القرن الثامن عشر والتاسع عشر
، قبل أن يحسم موقعه ووجوده
بُعَـيْدَ الحرب العالمية
الأولى عام 1914 قد جعل من خَط
التحرر الوطني
والقومي ، من الأجنبي ،
عنواناً عريضاً للممارسات
النضالية لجميع الأقطار
العربية .
لقد
كانت القضية العربية
الأحوازية جزءاً من هذا
التكوين ، وإنْ تحملت من
إستعمارٍ مزدوج أوروبي
وفارسي ، وتعاونهما
الإستراتيجي ، القسط الكبير ،
تمثلَ بإغتصاب الأرض العربية
المشرقية لصالح الدولة
الفارسية ، ونكوص الإستعمار
البريطاني عن تنفيذ تعهداته
للسلطة الخزعلية ، الأمر الذي
أتاح لشاه إيران الأسبق
لتنفيذ سياساته ، بإلحاق هذا
الجزء (الأحواز) بالدولة
الإيرانية ، ولعب الوعي
القومي العربي بأهمية الشرط
الذاتي بصياغة الواقع العربي
المُتمَنى في تلك المرحلة ،
وتخلفه قياساً لوعي أعداء
الشعب الأحوازي ، وإدراكهم
لطموحاتهم القومية ، خصـوصاً
على المستوى الذاتي ، الدور
المهم في نجاح مخططات الأعداء
.
كانت
القضية الأحوازية طوال
الفترة الماضية التي سبقت
التغييرات الإيرانية العاصفة
، في أواخر السبعينات من
القرن الماضي ، كفكر وممارسة
على الأرض ، تجسيداً وتعبيراً
عن الذات الوطنية والوجود
الوطني الأحوازي ، التي تنشد
نيل حقوقها البشرية المشروعة
في الإستقلال الوطني ، وبناء
الدولة الوطنية ، وتقرير
مصيرها بنفسها بعيداً عن أية
ضغوط أجنبية قريبة (فارسية) أو
بعيدة (أوروبية)
، وإستمدت هذه القضية من
حقيقة كينونتها الممتدة على
مساحة جغرافية تبلغ مائة
وخمسة وثمانون ألف كليلو متر
مربع ، [ أي أكثر من ثمانية عشر
مرةً من مساحة لبنان المُعاصر
، كدولة ] ، ويقطن فوقها
الملايين من البشر ، يتكونون
من أصول إجتماعية متباينة :
عشائر وقبائل وفئات طلابية
وفلاّحية وعمال وموظفين . . .
إلخ .
وقد
دفعت الأحداث والتطورات التي
شهدتها إيران ، قبيل ثورتها ((الإسلامية))
التي كان لمساهمة الشعب
العربي الأحوازي ، وطلائعه
المناضلة ، والفعاليات
النشطة في إطارها ، وكذلك
دورهما الكلي ، أبعادها
الملموسة في نجاحها ، على أمل
تحقيق الطموحات الوطنية
والقومية ، بالوعي السياسي
الجماهيري للذات الوطنية
الأحوازية ، الخطوات العملية
للأمام ، كقومية متمايزة في
الواقع الإيراني ، تطمح إلى
نيل حقوقها السياسية
الطبيعية ، وفرض آرائها
الثقافية في شتى مناحي الحياة
وإتجاهاتها ، على مَـنْ
ينكرون هذه الحقوق الوطنية
الطبيعية وآرائها الثقافية .
مرّتْ
المسألة الأحوازية ، إنْ صحت
تسميتها بالمسألة ، بمراحل
متباينة وسنوات مختلفة ، منذ
أنْ أخذ الشعب الأحوازي على
عاتقه القضية النضالية
لصيرورته الوطنية المستقلة ،
فحمل من الأيديولجيات
المتباينة ما راكم دروسـه
التاريخية ، ولكن وسمها
بالعفوية والتخبط ، بدلالة
عدم نجاحها السياسي الحاسم ،
فمرة رأى مُستقبله المنشود ،
عبر العمل الوحدوي ، كخيار لا
بد منه لتحقيق الذات الوطنية
الأحوازية ، وفي أخرى إصطفى
المعايير الطبقية ، وما ترتب
عليها ، كأداة تنظيمية لتحقيق
طموحاته القومية ، كما راهـن
على الزعيم القومي العربي ،
أيّاً كان هذا الزعيم ،
لترجمة آماله ، لمرات عدّة ،
مثلما راهن على تطورات الحرب
العراقية ـ الإيرانية ،
بإعتبارْ أنَّ نتائجها ستفضي
إلى إنعكاسات جيبولوتيكية لا
بد منها على الأحواز ، الأمر
الذي يدعونا لتفعيل النظر
المدقق حول هذه الخيارات
المتنوعة ، ومراجعتها بغية
تحديد الخيار الوطني الصحيح
منها ، والذي سـيؤدي حتما إلى
النجاح الوطني المسـتقبلي ،
وفي رأينا إنَّ :
# خط التحرر الوطني ، وحق
تقرير المصـير ، ومسـاهمة
كلُّ الشـعب الوطني في بناء
مسـتقبله ، هـو الخـط
السـياسـي المطـلوب راهناً ،
بغية إفسـاح المجال للمجموع
الوطني المخلص للمشاركة في
رسم طريقه ومبتغاه .
#
إن التقدم في ميادين
التضحية ، بالنفس والنفيس ،
هو المعيار للقيام بالدور
القيادي ، وإعتبار إنَّ حمل
المسؤولية هو عبارة عن تكليف
وطني وليس مركزاً تشريفياً ،
وتحديد الخيار السـياسي
المُتَبع ، النابع من القراءة
الموضوعية للتطورات ،
وبعيداً عن الخيارات الذاتية
الحالمة دون وجه عملي ملموس ،
وإنتقاء الوسيلة والأداة
لترجمة هذه الرؤية ،
والإنغمار في لُجَّة
الممارسة الصادقة والحازمة
بروح ديموقراطية حقيقية .
#
وذلك يتطلب إصدار مطبوعة
سياسية تعَبِّر عن التوجه
السياسي الوطني ، تكون مرنة
ومفتوحة للمجموع الوطني ،
ولمدة زمنية لا تتجاوز الفترة
التي تنحصر بين دورتي مؤتمركم
، تأخذ على عاتقها فتح صدر
صفحاتها لكل الآراء الوطنية
حول تلك المراجعة النقدية
التاريخية المطلوبة ، وكذلك
تجمل التصورات المستقبلية
للقضية الأحوازية ، وتحمل
المضمون الذي يُعبِر عن تلك
المُراسلات الفكرية ، ولا بأس
من تسميتها بالـ((مراسلات)) ،
كما تتسع صفحاتها للآراء
ووجهات النظر التي تنشرها
وسائل الإعلام الأخرى ، التي
تتعلق بالمراجعة التاريخية
والنقدية ، بغية الإستفادة
منها ، وإعطائها مضموناً
ديموقراطياً مُعبراً .
ولقد مرّت النهضـة
القومية العربية ،
والتعبيرات الوطـنية ، في
إقليم الأحواز ، بمراحل
مختلفة ، وتفاوتات متباينة ،
من حيث إختياراتها الذاتية ،
أي إصطفائها لوسائل الكفاح
بغية تحقيق الأهداف السياسية
، لأشكال النضال الوطني
والكفاح القومي ، والعمل
الوطني المطلبي الإجتماعي ،
الموضعي المديني ، النقابي
القِطاعي أو الجماعي ،
منفردين أو بمعية الآخرين من
القوميات الأخريات .
لقد
راودت الكثير من أبناء الشـعب
العربي الأحوازي ، والعديد من
القوى السياسية المنظَمة ،
فضلاً عن ترجمتها في بعض
الأحيان ، وخلال كل مرحلة
نضالية . . . راودته إنتقاء
خيار وسائل عنيفة ، مُسـلحة
وغير مُسـلَّحة ، لإنجاز
الأهداف السياسية ، الوطنية
والقومية ، كون أنَّ السلطة
السياسية الفارسية المهيمنة
في إيران ، تمنع الشعب العربي
الأحوازي من التعبير الحُر عن
الذات الوطنية القومية ، في
ظِلِّ دعاية تتمحور حول إيران
واحدة ، وسبيكة فارسية صُلبة
، شؤونها في الداخل والخارج
متماهية ، تتحكم فيها ،
جوهرياً ، الرؤية القومية
الأمنية ، خصوصاً وإنَّ
النـزعة ((الآرية)) ، التي كانت
سائدة علناً أيام الشاه
المقبور ، يمكن لها التعبير
عن الكل المجتمعي الإيراني ،
أي النيابة الكلية عن المجموع
الأثني والطائفي السـاكن في
إيران ، بغض النظر عن واقعه
القومي ، و بدون البصر
لطموحات تكويناته القومية ،
الراهنة والمستقبلية ، وفي
سياق وأد الوعي القومي أو
القضاء عليه ، بمسميات عدّة
وسُبُل مختلفة ، مادياً
ومعنوياً ، لا سيما عند
ناشطيه الفعّالين ،
والمبادرين المتفانين لأجله
، والواعين المُتحسسين
لمستقبله الوطني السياسي ،
الذي ينبغي له التجَسُد
الفعلي على الأرض .
إن
الخيار النضالي ذلك ، لم يكن
إختياراً ذاتياً ، يتبين ذلك
جلياً ، من منع الذات الوطنية
والقومية الأحوازية ، من
التعبير السياسي السلمي عنها
فكرياً وتنظيمياً ، وبالتالي
بلورة أدوات أشـكاله
النضالية المعروفة ، في
خِضَّم العمل النضالي اليومي
، فلا وسائل إعلامية مشروعة ،
مُجازة ، تصدر علنياً ، سواء
كانت مقروءة أو مسموعة ،
ناهيك عن المرئية ، مثلما
نالته قريناتها في الدولة
العربية المجاورة ، ولا
مؤسـسات تعليمية ، في شتى
مراحلها وهيآتها ، تنتهج
الرؤية القومية بالحَدِّ
الأدنى ، كإستخدام اللغة
التاريخية الأم ، لغة التراث
، المتداولة في البيت ،
والشـارع ، والمجتمع ، وهي
اللغة العربية هنا ، لُغة
القرآن والحديث النبوي ، التي
تكررَ واجبُ العنايةِ بها
لعشرات المرات في الكتاب
المجيد والسُنة النبوية
الشريفة ، في كناية واضحة على
أهميتها ووجوبها في
الإستخدام .
وكذلك
لا وجود البتة لمؤسسات مركزية
إيرانية تعالج الإختلالات
البنيوية المتراكمة في
الأحواز ، وتدفع بالوعي
الوطني والقومي نحو الأمام في
إطـار التقدم والتكامل ،
كوزارات قائمة ، تختص بهذه
المنطقة ، وتنصرف لخدمة
شؤونها اليومية والمرحلية في
إقليم الأحواز ، لا سيما على
المستوى الإجرائي التطبيقي ،
فضلاً عن الإنعدام الملموس
لشبكات الطرُق المُعبَدة بين
المُدن والمدن ، والمدن
والقرى ، الأحوازية ، ولا
وجود ، أيضاً ، للمؤسسات
الصحية في هذا الإقليم . . . إلخ
.
إنَّ
إندفاعات الوطنيين
الأحوازيين ، في العمل
الكفاحي ، المنظَم منه وغير
المنظَم ، لا سيما نشطائهم
ومَنْ لعبوا الدور الريادي ،
طوال السنوات الفائتة ،
كأفراد ومنظمات حزبية وجهات
تعمل جَمَاعَياً ، قد وجدتْ
في تلقي الدعم المادي
والمعنوي ، السياسي والثقافي
، من الخارج الأحوازي ،
والعربي : الليـبي ، السوري ،
العراقي مثلاً ، على وجه
التحديد ، أي من قِبَل
الأشقاء في الأرومة والمنبت ،
أو رفاق الطريق والمُعتَقَد ،
أو الشركاء في الطموح الوطني
والقومي ، سواء أكان موضوعياً
صادقاً أو لغايات ذاتية تتعلق
بسياسات أنظمتها . . . ذلك
الدعم الذي يسَّر عمل
العاملين في هذا المجال
الوطني ، والمجاهدين من أجل
تحقيق الطموحات الوطنية
والقومية ، وبالتالي
مكَّنَها من طرح الأهداف
السياسية ، الوطنية والقومية
، كبيرة أو صغيرة ، كلية أو
محدودة ، عامة تخُّص القضية ،
أو خاصَّة تجسِّد ذاتهم
الحزبية ، أو تخدم شخوصهم تحت
ذرائع ومبررات مختلفة ،
ولكنها على العموم ساهمت تلك
الممارسات في التعبير عن
الذات الوطنية الإحوازية ،
بهذا الشكل أو ذاك ، أو في
إصطدامهم مع الآخر الذي
إستحوذ على الأرض ، وسـيطرَ
على الشعب
، وألغى الحضور السياسي
للقضية الأحوازية ، في
المحافل الدولية أساساً .
ولكن
هذا الدعم المتعدد الأشكال
والسُبُل ، قد إنقطع فجأة عن
هؤلاء الناشطين ، لأسباب
متباينة ، لا سيما على خلفية
التواجد العسكري الغربي ،
الأمريكي أساساً ، في المنطقة
العربية المشرقية ، والأهداف
الإستراتيجية التي تتطلع إلى
تحقيقها التي ترتبط بالنفط ،
وكيان الإغتصاب الصهيوني ،
التي تتطلب حضور قوات عسكرية
في المنطقة ، والتخلُص من
أطنان اليورانيوم المنضب ، في
الصحراء العربية ، في المثلث
العراقي ـ السعودي ـ الكويتي
، في الوقت الذي لم يُستَخدم
في الشمال العراقي ، أي في
المنطقة الكردية .
وعلى
ضوء ((تحالف)) الأنظمة
الخليجية مع الدولة
الأمريكية التي جيَشت القوات
الغربية ، أو تبعيتها الكلية
على مستوى القرارات المفصلية
، التي تهُم المنطقة العربية
، والسكوت الإيراني العملي ـ
إنْ لم نقُل تواطؤه مع هذا
الوجود السياسي والعسكري
وإستهدافاته على المستوى
القومي العربي التحرري ، بشكل
موضوعي ـ خاصةً وإنه إقترن
بتنفيذ مخابراته الإيرانية
حملة إغتيالات واسعة
للناشطين والفعّالين في
القضية الأحوازية ، التي
تمكنت من الوصول إليهم ،
مُستغلة فوضى الحرب والعدوان
على الشعب العراقي ، والغفلة
السياسية والأمنية لهؤلاء
الناشطين ، بالرغم من معرفتهم
العدو القومي لقضيتهم ،
وإدراك خططه ، وتَلُمُس
أفعاله المباشرة طيلة
السنوات الماضية .
إن
كل ما تقدم يوفِر أدلَّة
مادية ملموسـة ، من إسـتفادة
الجهات المتنفذة في السلطة
الإيرانية ، وتعاملهم الفوري
مع التطورات على خلفية
مصالحهم القومية الفارسية ،
وبالتالي إستغلال الظروف
المثالية للإنكسار الكفاحي
لهؤلاء المناضلين الناشطين ،
والإرتباك المفاجيء الذي حدث
لديهم ، و إضطرابهم ، جراء
التطورات التي شملت حتى
رؤيتهم السياسية ، بسبب فقدان
الأرض الكويتية ، القريبة من
بلد الأحواز جغرافياً ، والتي
كانت تشكل حلقة هامة ، بله
أساسية ، في تحركات هؤلاء
الناشطين ، يومياً ومرحلياً ،
في مختلف المجالات النضالية :
من النشر وحتى التواصل الفعلي
.
إنَّ
مراجعة المسيرة النضالية
السابقة ، في ضوء إفتقادنا
للمعلومات على هذا الصعيد ،
لهو مهم بصورة إستثنائة ،
كونها تبين لنا : أين أخطأنا
وأين أصبنا ؟ ، أين فشلنا وأين
نجحنا ؟ ، إذ أنَّ الإستفادة
من تجاربنا الوطنية
والكفاحية ، يجنبنا عثرات
الماضي وتكرار أخطائه ،
ويصطفي الدروس العملية
الهادية التي تنضج ممارساتنا
المستقبلية ، ويجعل الوعي
السياسي والكفاحي ينتظم كل
مساراتنا العملية ، إضافة ،
وهذا هو الدرس الأهم
، إضافةً إلى تبيان
الموقف السياسي والفكري ،
إختيار الأدوات الخاصة
لترجمة وتنفيذ هذا الموقف
عملياً ، أمام المجموع الوطني
والقومي ، ويوفر المعايير
الموضوعية ، الكمية والنوعية
، لطرح الرؤية السياسية
الكلية لقضية شعبنا راهنا على
ضوء الماضي المليء بالدروس
والعِبَر والإستنتاجات .
إنَّ
الإنكسـار في الرؤية الوطنية
الأحوازية ، والخلل العميق في
مسـيرة الحركة القومية
العربية ، وإعاقة تجسُـد
القضية الأحوازية ، ـ وإنْ
كان مؤقتاً ـ وبروز أدوار بعض
النُظُم العربية ،
كالسـعودية
مثلاً في مجمل التطورات
العربية ، على خلفية وحدانية
النظام القطبي العالمي ، قد
فسح المجال واسعاً لظهور
وتقدم الفكر السلفي في ميدان
الجغرافية الأحوازية ، وبذل
الجهود في سياق محاولة إحلال
الرابطة الدينية الإسلامية
مكان الرابطة القومية
العربية ، في علاقة تناقضية
واضحة ، تكرس همومها الفكرية
وأنشـطتها العملية للهجوم
على القومية العربية
التحررية ، بدلاً من تكاملهما
في العمل والرؤية لخدمة قضايا
الأمة العربية المصيرية ،
وكان واضحاً إن الإستهداف
الكلي لهذ الإتجاه هو خدمة
الرؤية السياسية الأمريكية
بالتحديد ، وجعله المظهَر
الرئيس الذي يسِم التطورات
المستقبلية في المنطقة
العربية ، وهذا الأمر طبيعي
جداً ، إذ إنَّ الهزائم
السياسية والعسكرية ، والفشل
الكلي أو الرئيسي ، كما يعتقد
الخصوم ، يؤدي حتما وحكماً
إلى طرح بدائل عن رؤية فكرية
وسياسية معينة كانت سائِدة ،
أو تشكل المظهر الرئيسي فيها
، قبيل الهزائم والفشل .
إنَّ
أهم البراهين على مناهضة رؤية
الأطراف التي تضع الرؤية
السلفية ضمن أولوية نشاطاتها
السياسية والثقافية ، هو
موقفها من الحركة الصهيونية ،
وكيانها القائم على الإغتصاب
، فالقرآن الكريم قد خصص 25% من
سوره أو آياته ، لمناقشة
المسألة اليهودية ، وحاكم
مواقفهم العملية تجاه دولة
العرب في الجزيرة ، وإنَّ
الرسول الكريم (ص ) قد شنَّ
الحرب على بني قينقاع وبني
النضير ويهود خيبر ، إلاّ
أننا نجد هؤلاء يمالئون
الحركة الصهيونية عمليا في
نصرتها ضد مجاهدي فلسطين من
أجل فلسطين المُبارَكة ،
وقدسها الشريف ، ففي الوقت ،
نقول ذلك كمثال ملموس ، الذي
دفعوا واحداً وستين ملياراً
من الدولارات لأمريكا بغية
تدمير العراق ، وتمزيق العرب
التحرريين ، فإنهم يلحسون
تعهداتهم المالية للشعب
الفلسطيني ، التي لا تتجاوز
المليار دولار ، التي تحدثوا
عنها أمام كاميرات الشاشات
المرئية خلال قمة عمان
العربية في العاصمة الأردنية
، هذا أولاً .
ويعقدون الإتفاقيات
الأمنية مع الدولة الإيرانية
ذات النـزوع القومي الفارسي ،
والتي لا تخفي توجهها الطائفي
المذهبي تجاه العديد من
الأقطار العربية ، وغير
العربية ، وتحتلُّ عسكرياً ،
فوق ذلك الجزر العربية الثلاث
: طنب الكبرى ، وطنب الصغرى ،
وأبو موسى ، ناهيك عن
إستيلائها على الأرض
الأحوازية ، وسلبها الحقوق
القومية عن أبنائها التي
ينبغي التمتع بها ، وتشريد
الألوف من أبناء الشعب العربي
الأجوازي ، لإسباب قومية
وعرقية لا تخفى على أي متابع ،
ثانياً .
من
بين أهم الأسباب التي أدت إلى
بروز الرؤية السلفية ،
وتقدمها في الممارسة السياسة
، هو فشل التجربة العملية في
ميادين التطبيق الذي كان
يُسمى إشتراكيا ، في كل الدول
التي إنضوت سابقاً تحت لواء
ما كان يُدعى بالإتحاد
السوفياتي ، وما شكله ذلك من
حيث الواقع الملموس ، من بروز
وهيمنة مطلَقة (( للعالم
الجديد )) تحت مسميات سيطرة
القطب الأمريكي الواحد ،
ومحاولة نشر القيم (( الجديدة
)) واسعاً ، بذرائع الكفاح من
أجل حقوق الإنسان العالمي ،
وذرائع خفقان ورفـرة الراية
الديموقراطية السياسية ،
وذرائع صيرورة ظلال الحرية
عالمياً ، المنشرة على
المجتمعات كلها ، وغير ذلك من
ذرائع تتوسل بمصلحة من أجل
تحقيق المفسدة ، كما يقول
الشاطبي ، في موافقاته .
إنَّ
الشعب العربي الأحوازي
الصابر المُحتسب عند الله
والتاريخ ، يدرك بالتجربة
الحِسِّية والعملية ، بشكلٍ
فكري مجَرَد ومادي ملموس ، أن
هذه القيم العالمية لم تصل
إلى المنطقة الأحوازية
المُحتلة أبداً ، حتى في
حدودها الدنيا ، الإبتدائية ،
الأمر الذي يجعل من هذه
الأطروحات السياسية
الأمريكية ، التي جرى تغليفها
بالكونية والعالمية ، مجرد
دعاية سياسية وإعلامية ،
لتمرير الرؤية السياسية
الأمريكية ، في نزوعها
للسيطرة والهيمنة على العالم
كله ، وإلاّ بماذا نُفَسِّر
سيادة الرؤية الفارسية في
جوهرها الفكري والسياسي ،
مثلاً ، على منطقتنا العربية
الأحوازية ، حتى من دون صدور
تصريح غربي واحد حول قضية
شعبنا ، لا إتجاه الفرد و لا
إتجاه القضية الأحوازية ،
ناهيك عن عدم تحديد موقف
سياسي معين ، ورسمي ، من قِبل
الدول الأوروبية وأمريكا ،
بصدد القضية الأحوازية كلها ،
نحاول العثور على تطبيقاته في
الميادين السـياسية العملية
؟! .
إن بروز القطب الجديد ،
هيمنة القوة الجديدة ،
وإنتشار آرائه وأفكاره وقيمه
، على صعيد العالم ، أمرٌ
مفروغ منه في ضوء الوقائع
الملموسة ، خلال العقد ونيف
من السنوات الماضية ، وعلى
صعيد منطقتنا بما يخص الشأن
العالمي ، ومجمل شؤون الأمة
العربية السياسية ، واضح في
الممارسات اليومية
وتطورات الموقف الوطني
والقومي ، لا سيما في القضية
القومية المركزية ، القضية
الفلسطينية التي تحظى
بالإجماع العربي ، المُعلَن
على الأقل ، وبالطريقة التي
ترتئيها منظمة التحرير
الفلسطينية .
لقد
نجح القطب الأمريكي في جعل
القضية الفلسطينية حكراً على
رؤيته وتصرفاته ، عالمياً وفي
المؤسسات الدولية ، وما ترتب
على ذلك من سوق كل الأنظمة
العربية المهتمة بهذه القضية
من موقع التفاوض ، إلى
العاصمة الأسبانية ، لحضور
مؤتمر مدريد ((لحل)) القضية
العربية والفلسطينية خصوصاً
، أي لتصفيتها في نظر البعض ،
لصالح الهيمنة الصهيونية
والنظام الشرق الأوسطي
المرسوم للمنطقة ، بغض النظر
عن نوعية التحالف الأمريكي ـ
الإسرائيلي ، والقرارات
السياسية المُشتركة ، ليس على
أساس القرارات الدولية
الصادرة من مجلس الأمن ،
كالإنسحاب من الأراضي التي
أُحتلت عام 1967 وممارسة حق
تقرير المصير للمواطنين التي
أُحتلت أرضهم ، فحسب ، بل على
أساس كل التفاصيل الصغيرة
التي تلجم اليد الصهيونية عن
بطشها المتواصل : جيش العدوان
المسلَّح حتى الأسنان ،
والتغطية على ممارساتها
الهمجية بحق الفلسطينيين ،
كشعب ومنظمات وأفراد ، في
محاولة عملية ملموسة ، ولكنها
خائبة بالتأكيد ، لتحقيق
المطالب الفلسطينية ، أو
إنجاز مهمات معينة ، ولو كانت
بالحد الأدنى ، تتعلق
بالقومية العربية ، التي
إغتصبها الكيان الصهيوني ، أو
التي ترتبط بالشؤون
التسليحية الإستراتيجية ، لا
سـيما النووية ، عبر الوسائل
السياسية والدوبلوماسية ، في
ظروف يفتقد فيها العرب القوّة
الموازية ، أو المناسبة .
إنَّ
مجمل التطورات العربية ،
الذاتية والموضوعية ، قد
أفسحت المجال العملي واسعاً ـ
بغض النظر عن الدعايات
الإعلامية ، وكم التضليل
المبثوث ـ لتَفرُغ النظام
الإيراني لحسم ، كما يعتقد ،
قضية الشعب العربي الأحوازي
الوطنية و القومية ، وقيامه
بقمع الحركة الكفاحية
لجماهيرنا ، ووقوفه بقوة ضد
طموحاته العادلة ، وبتكميم
الأفواه أو السجن أو الإغتيال
السياسي ، ضد الأصوات الحزبية
المناضلة في تحقيق الإستقلال
الوطني ، وضد المطالبات
الفردية المنادية بالحقوق
الوطنية والقومية في الأحواز
.
ولكن
((الحركة السلفية)) ، كما تقتضي
ذلك المعايير التي تحددها
الرؤية الدينية ، التي تؤكِّد
أحقية مبدأ تعارف ((الشعوب
والقبائل)) ، وتعاونها ، في
إطار الممارسات الإنسانية
والقومية ، وإعتبار أنَّ
اللغة العربية لها الأولوية
المُطلَقة على تلك الرؤية . . .
رأينا الحركة السلفية تقوم في
الميادين العملية بالدفاع ((المزعوم))
سياسياً عن القوى التي تخالف
الحركة الدينية الحقيقية ،
وتسهم في نشر الشروخات
الفكرية والتكوينية ،
وتعميقها ، في المجتمع الواحد
، الذي تماسك تاريخياً ، أو
تكامل خلالهُ ، وعملت على
تعميق الفجوة بين العرب
التحررين ، من جهة ، والفُرس
كنظام وتجسـدات عينية ، ومنع
العرب الأحوازيين ، كنتيجة
ومُحصلة ، من التعبير الحُر
عن ذاتهم الوطنية والقومية ،
رغم أنهم أشقاء في الدين
الإسـلامي والأرومة القومية .
لقد
إنصرفت ((الحركة السلفية))
للتعبير عن ذاتها ((اللاطائفية))
، بذريعة الإلتزام بالرؤية
الإسلامية ، لتسفيه الرؤية
القومية العربية الحضارية
الإسلامية ، أو التأكيد ،
إنَّ القومية العربية هي ((دعوة
جاهلية تهدف إلى محاربة
الإسلام والتخلُص من أحكامه
وتعاليمه . . . وقد أحدثها
الغربيون من النصارى لمحاربة
الإسلام والقضاء عليه في داره
بزخرف من القول . . .
هي دعوة باطلة وخطأ عظيم
ومكر ظاهر وجاهلية نكراء وكيد
سافر للإسلام وأهله ))
، كما يقول إبن باز في
إحدى فتاويه ، في تجاهل واضح
لتاريخ شعبي ، وإفعال مجيدة
سطرها ألوف الشهداء العرب ضد
الغرب منذ مطلع القرن العشرين
، وما تزال متواصلة ، وفي
ظِلِّ سـكوت عملي مطلق عن
الرؤية الغربية الأمريكية
التي يكثفها صموئيل هانغتون
حول صراع الحضارات ، كيان
الإغتصـاب الصهيوني، ودوره
الفكري والسياسي في تخريب
الدين الإسلامي ، وفي وقتٍ
صبَّت كل جهودها السياسية
العملية ، لنصرة أنظمة سياسية
في جوهرها ذات طابع طائفي
صريح ، ليس مع ((الأعداء)) و ((المنافسين))
فقط ، بل ((الأشقاء))
الذين ينتمون صميمياً
للطائفة أيضاً ، الأمر الذي
خلق إزدواجية فاضحة في منطقها
، لا سيما عند مموليها ومروجي
((رؤيتها)) ، خاصة مع أصحاب هذه
الرؤية السلفية الرسميين ، من
أنظمة الخليج العربي
والجزيرة العربية ، في
علاقاتها الأمنية الرسمية مع
النظام الفارسي في القيادة
الإيرانية ، هذا النظام الذي
يتخذ من الرؤية الطائفية
والإلتزام الطائفي المُعلَن
، كستار تبريري مُحكم لسلوكه
القومي العنصري .
تلك
الرؤية والإلتزام اللذين
يتخذان من بعض المظاهر غير
العربية ، غير البدوية ، التي
تغلغلت من الأمم الأخرى في
نسيج الواقع الشعبي العربي ،
ومناوئة للرؤية الحضارية
العربية الإسلامية في جوهرها
الصحيح ، عبر إعتمادها الأساس
على مظاهر عَلِقَتْ بالدين
العربي الأسلامي الحنيف ، كـ((عبادة))
الأولياء ، والتَمَسُــح
بمقامات الصالحين لنيل
بركاتـ((هم)) ، وتقديس القبور ،
والتزوير الفظيع لأقوال
أحفاد الرسول الأعظم ، وجعلها
بديلاً عن آيات القرآن الكريم
وسُنَّة النبي الأكرم ، (ص) ،
بلـهَ إيجاد مسافة واسعة بين
الخليفة الراشدي الرابع ، على
بن أبي طالب ، كرم الله وجهه ،
والرسول الأمي العربي الذي
قال عنه القرآن الكريم : ((وإنك
لعلى خُلُقٍ عظيم)) وتفضيل
الأول عملياً على الثاني (ص) .
إنَّ
إعتماد هذه الطريقة لنشر
الأديولوجية القومية
الفارسية ، حتى لو كان عن طريق
الشعوذة ونشر الأوهام وتعميم
الخرافة ، هو نهج ثابت عند
الحكّام الأيرانيين ، منذ أن
تبين بالملموس ذلك التوجه ،
الذي أدركه عملياً المجتهد
مهدي الخالصي الكبير خلال
الربع الأول من القرن
العشرين، والذي قال : لقد
أهانني الخراسانيون أكثر مما
أهانني الإنكليز ، وحتى
عمليات الطرد والسجن
ووالإعتقال والتعذيب حتى
الموت ، في الفترة الزمنية
الأخيرة ، والتي طالت
العراقيين الذين ذهبوا إلى
إيران ((الإسلامية)) ، وتوجهوا
إلى ساحات الحرب القومية
الإيرانية ضد أشقائهم
بالمواطنة والأرومة في
العراق .
ولكنَّ
، مع ذلك ، فإنَّ الرؤية
الطائفية ، أو السلفية ، في
كافة المناحي الوطنية
والقومية ، حتى لو أدت في
مرحلة ما ، وفي ظرفٍ معين ،
دوراً متقدماً ما ، ستصل في
نهايتها المنطقية ، إلى تطابق
تام مع الرؤية الطائفية في
إعاقة التطور الوطني وعرقلة
التوجه القومي العربي ،
في البلاد العربية
الإحوازية
، وتسهم في إنعدام بروز
القوى المناضلة في ساحة الفعل
والمجابهة ، وتمنع ، كذلك ، من
مشاركة المتعلمين والمُثقفين
في الإندماج بهذه الحركة
الوطنية والقومية عند عموم
أبناء الشعب العربي الأحوازي
، كونها تطعن في الصميم
التكويني الهويةَ الوطنية
والقومية العربية عند أبناء
الشعب الأحوازي ، من ناحية
أولى ، وكونها تترجم ، بلـهَ
تعيد إنتاج التجربة الماضية ،
التي تجسدت في التجربة
العثمانية/التركية التي
إستمرت في هيمنتها على الوضع
العربي لمدة 400 عاماً ونيف ،
من ناحية ثانية ، فضلاً عن
كونها لا تعالج أسباب الخلل
والتشرذم في المجتمع
الأحوازي بصورة ناجزة وعملية
وناجحة ، من ناحية ثالثة ،
وتوسِّع وتُعمِّق وتُعَمم
الجدل السني ـ الشيعي العقيم
، بدلاً من توحيد الجهود
لبناء الحالة
الوطنية المستقبلية
الأحوازية ، من ناحية رابعة .
كون
الحركة السلفية لا تستطيع
أبدا الإستجابة للتحديات
البنيوية الداخلية ، وبناء
البديل المناسب عنها ، خاصة
على المستوى الإجتماعي ،
مثلما لا تستطيع الإرتقاء
لمجابهة المستجدات التكوينية
التي قد تفرزها تطورات الوضع
الداخلي ، كونها تنطلق من ذات
الأرضية الفكرية والدعاوية
التي أفرزت هذا الواقع وكرست
نتائجه ، أي إنَّ النظرة
الطائفية هي ذاتها النظرة
السـلفية ، وذلك تحت تمويهات
مختلفة ، وما أفرزته التجربة
الأفغانية الطالبانية ، على
المسـتوي الداخلي ، خير دليل
ملموس وعيني على ذلك .
من
جهة أخرى ولكنها أوضح
بالتأكيد ، إنَّ هذا التشرذم
، التفتيت ، الإنقسام العمودي
، يلغي عملياً ودلالياً ،
فترة هامة وعزيزة من التاريخ
الوطني والقومي العربي
الأحوازي ، رغم ضبابية
المفاهيم آنذاك ، لا سيما
خلال فترة قيام الحكم
الأحوازي المستقل ، تحت سلطة
التجربة المشعشعية في بلاد
الأحواز .
علاوة
على كون هذه الحركة السلفية
لا تستطيع أبداً وبالمطلق ،
الإستجابة الملموسة للتحديات
الداخلية على المستوى
الإجتماعي ، التي يحيا في
ظِلِّها المجتمع العربي
الأحوازي ، و لا تستطيع
الإرتقاء لمجابهة المستجدات
التي ستفرزها تفاعلات نتائج
هذا الواقع ، وإذا أردنا
التحديد والتشخيص ، فعلينا
القول الفصيح ، إنَّ الرؤية
السلفية هي النسـخة
الكاربونية للرؤية الطائفية
، إذا صحتْ تسميتهما بالرؤيـة
.
إنَّ
القناعة السياسية والفكرية
التي تبلورت خلال الفترة
الماضية ، تؤكد عدم قُدرة ،
بلهَ جدارة السـلطة الطائفية
المتعصبة ، في إدارة وضع
الدولة الإيرانية ، وحركة
شعوبها المتمايزة قومياً ،
تحتَ أي مُسمى كان ،
وتلكوءُهـا في حـل ، أو
معالجة ، معضلات التطور في
مجالات القضايا الوطنية
الداخلية ، إنَّ مضي هذه
المدة الطويلة ، وتراجع
التحديات الخارجية ، وصيرورة
المطالب الوطنية ، الثقافية
والإجتماعية والسياسية
والإقتصادية ، المظهَر
الرئيس للتطورات الداخلية في
الجمهورية الإيرانية ((الإسلامية))
قد أسهمت بشكل ملموس في زعزعة
الرؤية القومية الفارسية في
نسختها الطائفية ، منذ سقوط
الشاه وللآن ، وكل ذلك يبرهن
مجدداً على العجز الميداني ،
الفكري والسياسي ، لمعالجة
الإختلالات المختلفة داخل
المجتمع الإيراني ، الأمر
الذي رجَّح كفة القوى
الإصلاحية ، والقوى السياسية
المنضوية تحت الخط العريض
لقوى هذا التيار الإصلاحي ،
المناهضة بشكل غير جذري ،
للرؤية الطائفية الدينية ،
وضرب المشروع ((الإسلامي))
كنظام إيراني ، بالرغم من
الأحاديث ، والهرطقات كذلك ،
والأمنيات ، عن المساواة بين
القوميات ، ومشاركتهم في
الإدارة .
إنَّ نظرة واحدة ، ولكنها
مهمة على المستوى الإيراني ،
لقضايا الكرد والعرب
والأذريين حول آمالهم
القومية في ممارسة شـؤونهم
بصورة حرّة ، أو نيل حق تقرير
المصير لشعوبهم ، تبين
بالملموس على ذلك التوجه
الطائفي/القومي ، بله على
صـعيد التوظيف في أجهزة
الدولة الحساسة ، فحسب ، بل
على صعيد الرؤية الدعائية
أيضاً ، تحت أغطية وتبريرات ((الإجتهاد))
المذهبي ، والمرجعية
الخامنئية الأحادية في
الشؤون الفقهية عربياً
وعالمياً وإستثناء إيران من
هذه الأحادية ، والإنتخاب
الشعبي للرئيس والبرلمان ،
وغير ذلك الكثير مما لا يمكن
ذكره في هذه العجالة ، والتي
لم يسلم منها حتى مناصرو
الموقف الإسلامي الإيراني ،
مما فسح المجال واسعاً
لإطروحات الخيار الديمقراطي
التي يمثلها الرئيس خاتمي ،
كما يقول ((الإعلام)) الإيراني
.
في المرحلة التاريخية
التي نشاهدها اليوم ، ونعيش
في أجوائها المُلبدة بمختلف
الظروف السياسية المُحتمَلة
، والتطورات الموضوعية
والإختلافات الذاتية ، وفي
ظِلِّ تبادل النسب السلطوية ،
وما يحمله ذاك من توفر فرص
واعدة ، لسيرورة حراك إجتماعي
وجدل سياسي وفكري ، حول
المستقبل والمنطقة ، في إطار
السياسة المُعلَنة التي
تتحدد بـ((تيار المجتمع أولاً
وهو التيار الذي كان يضع
قضايا التعددية والحريات
والعدالة الإجتماعية في صدر
أولوياته)) ، كما يقول مستشار
وزير الإعلام الإيراني في عهد
خاتمي ، وعلى ضوء ذلك ،
ينبغي علينا ، كحركة
التحرر الوطني الأحوازي ،
العمل النضالي الفكري
والإعلامي من أجل نيل حق
تقرير المصير الوطني
، وإستثمار كُل المجالات
المُتاحة والممكنة التي
توفرها الحركة السياسية
للسلطة الإيرانية ، على خلفية
قراءة دقيقة وتاريخية لطابع
المرحلة ، من التطورات
الموضوعية على الصُعد كافة ،
أو أغلبها ، عبر إستخدام خط
مراكمة تحقيق المنجزات
السياسية الصغيرة ، في مختلف
المجالات الحياتية ، بإعتبار
إنَّ الخطِّ العام المشترك
للمجموع الوطني ، هو خط ((السياسة
هي فنِّ الممكن)) كتعبير فكري
وممارسة عملية ، أي
التعامل مع الإمكانية
المتوفرة من أجل تحويلها إلى
واقع وطني ملموس .
ولكن
على المهتمين بالقضية
العربية الأحوازية
، كون هذا الأمر يرتقي إلى
الأُمور البدهية بالنسبة إلى
المجموع الوطني ، أنْ لا ينسى
للحظة زمنية واحدة ، إنهم شعب
عربي أحوازي يناضل من أجل
تحقيق أهدافه السياسية
والثقافية والإجتماعية ، في
إطار التعايش الوطني في ظِلِّ
راية الدولة الإيرانية ، وفي
سياق سيادة مفهوم المواطنة
المشتركة على مجموع الفئات
والقوميات والطوائف ،
المكونة لإيران الجمهورية ،
ويمكن إتخاذ معايير وفقرات
سياسة جوهرية أكدتها لجان
((حقوق الإنسان العـالمية))
مقاييس للدعوة الفكرية
والسياسية بشأن المواطن
الأحوازي ، وبإعتبارها
معايير عالمية لكل البشر ،
ووسيلة عملية لإجتياز عقبات
موضوعية تطبع المرحلة
بطابعها المأزوم ، وبالتالي
للوصول إلى تحقيق الهدف
الوطني الأكبر ، لأنَّ ظروف
الوطن العربي السياسية صعبة
للغاية في المرحلة الراهنة ،
ولأنَّ الإستراتيجية
الأمـريكية السياسية ،
وتواجدها العسكري الشامل في
منطقة الخليج العربي ،
وحضورها الفعّال في القرارات
السياسية عند قيادة أغلب
النظم العربية الفاعلة في
الواقع العربي ، ووصول الكيان
الصهيوني لمرحلة فرض إرادته
العسكرية الكلية عليها ، لا
تقبل ، ولن تسمح بتحقيق
الغايات الوطنية والقومية
الكبرى .
لذا
على مَنْ يتصدون للمسألة
الوطنية الأحوازية ، كما أرى
ذلك أنا ،
النضال داخل المجتمع
الأحوازي ، في إطار الدستور
الإسلامي الإيراني الراهن ،
لاسيما في ضوء المادتين
الخامسة عشرة والتاسعة عشرة ،
، طالما يعترف ـ ولو شفاهاً أو
كتابياً أو دعائياً ـ ، بحقوق
القوميات المكونة لهذه
الدولة ، أولاً ، وندعم
الإصلاحات السياسية ، في إطار
النهج الإصلاحي السائد ، كما
هو مطروح عند مناصري رؤية
رئيس الجمهورية ، السيد محمد
خاتمي ، خلال هذه المرحلة
السياسية ، والإجتماعية ،
كونها تشـكل الخط السياسي
الإعتراضي لرئيس الجمهورية ،
وأفكاره ، على نهج ((المتدينيين))
المتعصبين ، ثانياً .
إنَّ رفع شعار إيران
أولاً ، أو بالعبارة
المستخدمة من قبل مستشار وزير
الإعلام الإيراني القائلة: ((
إنَّ تيار المجتمع أولاً ، هو
التيار الذي كان يرى قضية
بناء الدولة الإيرانية في صدر
الأولويات)) ، الذي يتجسد في
صِلات السيد رئيس الجمهورية
مع أفكار التيار الإصلاحي ،
ويسِم الدعوة الفكرية
والسياسية الراهنة ، التي هي
المظهر الرئيس في الشارع
السياسي الإيراني الواعي ،
تجعل من فُرَص هذا الخط
السياسي ، وممارساته ، ممكناً
، وينبغي على المناضلين في
سبيل الأحواز المستقلة
ثقافياً ولغوياً في كل لحظة
من عملهم النضالي ، بذل
الجهود الفكرية والسياسية ،
الوطنية والقومية ، الخاصة
بالأحواز كأرض ووجود ، وشعبها
العربي كماهية وتكوين لغوي ،
في الإطار الإيراني كدولة ،
وفي سياق المشاركة
الجَمَاعية مع هموم الشعوب
الإيرانية المكونة للمجتمع
الإيراني .
إذ
أن الوطنيين الأحوازيين ، هُم
إصلاحيون في المجال السياسي
والثقافي ، ويعملون جاهدين
مجاهدين خفافاً وثقالاً في
هذا المجال ، بغية تحقيق
الأهداف الإيرانية العامة ،
التي من بينها الأهداف
الأحوازية
الوطنية الخاصة ، من أجل
إنجاز مهمة نيل الإعتراف
الرسمي و الشعبي بالقضية
الأحوازية ، كذات ووجود ،
ولشعبه الحق المطلق في التمتع
بكل حقوقه الوطنية المشروعة
في الإطار الدستوري ، ووفق
مفاهيم الإنضواء تحت لواء
الدولة الإيرانية المعاصرة ،
التي تتخذ من الراية
الإسلامية عنواناً عريضاً
لمضمونها .
إنَّ هذا الخطِّ السياسـي
الذي يتخذ الوطنيون
الأحوازيون منه ،
بوصلة مُرشدة للتحرك
السياسي اليومي ، كما
أُقَدِّر ذلك ،
يتطلب المساهمة النشيطة
والجادّة من قبل كافة الطاقات
الشعبية الأحوازية ، من قبل
الأفراد والمؤسسات والنوابغ
والتنظيمات ومختلف مكونات
هذا التحرك ، في يوميات العمل
السياسي والنضال المطلبي ، من
جهة ، والتأهب والإستعداد
لإنتزاع الحقوق التأسيسية
المساواتية مع الآخرين ، في
إدارة أجهزة الدولة الوظيفية
، في ضوء النسبة العددية
للسكان العرب في الإطار
التكويني للمجتمع الإيراني،
وكون الوزن الإجتماعي
والإقتصادي والثقافي ، محكوم
بهذه الصورة أو تلك ،
بالإتجاه العام لسياسات هذه
السلطة الإصلاحية التي تدير
الوضع الإداري الإيراني ، من
جهة أخرى .
إذاً ، الخريجون ومَن يرى
رؤيتهم الوطنية وأنصارهم ،
وخلال هذه المرحلة التاريخية
من تاريخ الدولة الإيرانية ،
هم وطنيون أحوازيون ، وقوميون
عرب ، يسعون بشكل يومي ، وكلٌ
من موقعه ، لتحقيق عبر العمل
المتكامل والجَماعي ،
الأهدافَ الوطنيةَ في المجال
الثقافي القومي ، وترجمة
الرؤية السياسية في مجال
العمل اليومي ، الأمر الذي
يتطلب الدعوة ، بالكفاح
الفكري والعمل الدعاوي ،
لإنجاز مهمة التعددية
السياسـية والثقافية للمجتمع
الإيراني ، من وجهة نظر كل
مكونات هذا المجتمع ، من وجهة
نظر كل الشعوب المكونة لإيران
.
وفي الحالة الإجتماعية
الملموسة ، والوضع السياسي
الراهن ، وضمن المرحلة
التاريخية الراهنة التي
يمرُّ فيها الوضع الإيراني ،
يتجسَّد ذلك بشعارٍ ملموس ،
ينبثق من الواقع الموضوعي ،
هو شعار :
ضرورة التطبيق العملي للمادة
15من الدستور الإيراني ،
المؤكِدة : ((على حق القوميات
الأيرانية بأنْ تكـون لها
صحُفهـا ووسـائل إعلامهـا
وتدريس آدابهـا ولغاتها [. . .]
في جميع المراحل الدراسية )) ،
كما يقول السيد يوسـف عزيزي ،
الكاتب الأحوازي
، في العدد 862 من جريدة ((الزمان))
التي تصدر بالعاصمة
البريطانية : لندن ، والمادة 19
من ذلك الدستور المُعَضِدة
لهذه الفقرة ، وحق إمتلاك
حرية التعبير باللغة العربية
، وممارسة هذا الحق في مختلف
المجالات وشتّى المستويات ،
كإستخدام وإصدار الوسائل
الإعلامية المرئية والمسموعة
والمقروءة ، ، إضافة إلى
إنجاز ما تقدم من إشتراطات ،
في سبيل الحق الوطني ، بصورةٍ
شرعية وواضحة ، وصولاً إلى
مرحلة إمتلاك حرية حقيقية
للتعبير عن حق تقرير المصير
المجتمعي للشعب العربي
الأحوازي .
ختاماً
نتمني لكم ، من أشـقائكم في
التحالف الوطني العراقي ، كل
الموفقية في عملكم الوطني ،
وجهدكم القومي العربي .
المقدَّمــة
هولندا في
20 / 7 / 2002
*
باقِر الصرّاف : الأمة
العربية 0
ـ
ماضيِّاً 0 0 0 حاضِراً
ـ
المواقف السياسية في ضوء
مستقبل أجزائها
*
الطبعة الثانية : مزيدة
ومنقحة ـ
أوروبا ـ أواسط شباط 2002 0
*
منشورات جريدة ((نداء
الوطن)) : منبر الرؤية الوطنية
،
صوت التيار الوطني .
المحتويـات
ـ
المُقَدَّمـة
الصفحـة 1 ـ 12
ـ
المؤتمـر القومي العربي في
بغـداد
في ضوء الضجة الكبيرة
الصفحـة 11 ـ 46
·
* لماذا الإعتراض ؟، ما
هي الإختلافات ؟،
* ماهي المعايير الفكرية
لإلتزاماته ؟
ـ ملاحظات أولية حول المسألة
الأحوازية
في
اللحظة التاريخية الراهنة
الصفحة 47 ـ 64
ـ أضواء
مستفيضة على ندوة هامشية
الصفحة 65 ـ 110
ـ المحتويات
الصفحة
111
|