موقع                       عربستان يرحب بكم - و يسرنا                       استقبال مشاركاتكم في جميع                       المجالات
 

:اخــر تــعــديـــل للـموقــع

القائمة

 

 

ملاحظات أولية حول المسألة الأحوازية

في اللحظة التاريخية الراهنة

    أيها الأخوة المحترمون . . . أيها الرفاق الحضور . . .

    باديء ذي بديء ، أود التقدم منكم وإليكم بخالص التحيات النضـالية ، والى مسـيرتكم الوطنية الأحوازية ، والقومية العربية في الآن نفسه ، بموفور النجاح والسؤدد والتقدم على طريق تحقيق أمانيكم ومساعيكم من أجل تحقيق ما تصبون إليه ، والذي دفعكم إلى تحمل مشاق السفر وبـذل الغالي والنفيس بغية إلتئام شـمـلـكـم على هـذه الأرض الألمانية ، في مدينــة بـوخــوم : [ BOCHUM] ،  البعيدة عن وطنكم الذي يلامس قلوبكم صباح مساء .

    أتقدم منكم وإليكم بإسم أشقائكم في الطموح الوطني العراقي ممن يلتزمون ببرنامج التحالف الوطني العراقي ، الذي يسعى إلى عراق وطني ديموقراطي موحد ، بعيداً عن التدخلات الأجنبية التي تريد فرض رؤيتها الإستراتيجية على العراق ، والوطن العربي ، وبقية أقطار العالم من تلك التي ترفض الرؤية الغربية بقيادة أمريكا ، في زمن عولمتها الظالمة الغادرة الآثمة .

    عندما أتتنا ، كتحالف ، الدعوة لحضور مؤتمركم الذي نتوسـم به كل الخير ، ونتمنى له كل الخير ، قلتُ في خاطري ، إنَّ المشاركة فيه لابد أنْ تكون غير تقليدية ، أي أنْ لا تقتصر على إداء التحيات النضالية ، والتمنيات بالنجاح لكم ، وإنما الإسهام في مسيرتكم النضالية بالقدر الذي يوفره لنا الإجتهاد الفكري والمعرفي ، فإذا أصـبنا فلنا أجر العمل والأجتهاد ، وإذا لم ننجح في إضافة ما نحاول تقديمه هنا ، فلنا فضيلة المبادرة ، كما نعتقد ، راجين تقبل هذا المسعى الذي ينطلق من نوايا الإخلاص الوطني والإيمان القومي العربي ، والله هو الرقيب على ما في الضمائر ، والحسيب على النوايا والأعمال ، والتاريخ هو الحكم والفيصل .

    ولكن ، مع ذلك ، تساءلت في سريرتي ، وهل يليق بعامل في ميدان النضال الوطني العراقي والقومي العربي ، أنْ يدلي بدلوه الفكري والسياسي في حضرة مؤتمر للخريجين الجامعيين ، ويحضره الكثير من الأساتذة والمتخصصين ؟ ! .

    وهل أنا أعَـرَف منهم بشؤون قضاياهم الوطنية والقومية في هذه المرحلة ، وهم المناضلون المنغرسون في لُجَّة الممارسة العملية ، والمنخرطون في ميدان العمل السياسي والفكري ؟ .

    كان الجواب الواضح : كلا ، فهم أدرى بشؤون قضيتهم الوطنية ، ولكن لا بد من الإسـهام معهم ، من التعلم منهم ، وإبداء ما أراه مناسباً ، عسى أن يكون ذلك خدمة لهم ، بغية أن أجد فائدة مرجوة من حضوري لهذا المؤتمر الأحوازي الكريم ، ومن هذا المنطلق كانت مساهمتي الذي أرجو أنْ تنال رضاكم ، وتساهم في ميدان نضالكم الوطني والفكري . 

    مرّت النهضة العربية الحديثة بعدة مراحل، من أجل صيرورتها ذاتاً قومية فاعلة، وجوداً عربياً ذا دورٍ ملموس ، على صـعيد العالم ، عبر الإختلاف المعرفي مع الآخر ، وتنامت المفاهيم القومية ، مثلما تعمَّقت ، وتنوعَّت ، في آتون الصراع أو النـزاع مع الأجنبي ، الذي أراد التحكم في مساراتها التاريخية . . .  مثلما أراد أنْ يكون عملها وفكرها على أرضية رؤيته التكوينية ، وسياساته اليومية أو المرحلية أو الإستراتيجية ، لكن التطورات الموضوعية التي شهدتها العقود التي تصرَّمت قد حسمت الأمر ، وبات الوطن العربي بمجموع أقطاره ذا حضورٍ فاعل في

مجموع التطورات السياسية التي تتعلق به ، إنْ لم نقل على عموم التطورات الإقليمية والعالمية ، رغم تطلع شعبنا العربي من محيطه الأطلسـي وإلى حيث يمتد في الإقامة والعيش على أرضه الوطنية ، إلى تعميق حضوره السياسي على الصُعُد كافة .

    إنَّ الصراع أو النـزاع مع الأمم المجاورة كالأمة التركية التي إتخذت في الماضي الإسم العثماني مضموناً قوميا لها لا سيما في سنوات إمبراطورياتها الأخيرة ، وكان الوعي بالتطورات الموضوعية على الصعيد العثماني والعربي ، هو السبب الرئيس بوعي دروس تلك التطورات ، وإكتشاف تلك الدروس بالملموس ، بكون إنَّ (( إتجاه الأتراك بكليتهم تقريباً نحو الأخذ بسياسة التعصب للقومية التركية ، أو ما سميَ بالنـزعة التورانية ، والسير في سياسة التتريك وفرضها على بقية عناصر الدولة وطوائفها)) ، كما يستخلص ذلك توفيق برو ، الذي يضيف : ((كان حُلم الإتحاديين بأن يحققوا في بضع سنوات ما لم تحققه الدولة ، من مزج العناصر وصهرها في بوتقة واحدة من أبرز ما إتصفت به سياستهم الداخلية)) ـ بالرغم من إنَّ الإسلام دعا إلى المساواة بين التكوينات المجتمعية ، ومبدأ تعارف الشعوب ـ مبرراً تاريخياً للسيطرة السياسية ، ومن ثم إستعباد الشعب العربي ، لا سيما في منطقته المشرقية ، كالعراق وبلاد الشام ، وتنافسها مع إيران عسكرياً على الأرض والسكان ، اللذين شهدا خلال قرون عصيبة ، حروباً دامية ومديدة ومريرة ، على الأرض العراقية ، وتغلغل الإستعمار الأوروبي في هذا الجزء الحيوي من العالم طوال القرن الثامن عشر والتاسع عشر ، قبل أن يحسم موقعه ووجوده بُعَـيْدَ الحرب العالمية الأولى عام 1914 قد جعل من خَط التحرر الوطني  والقومي ، من الأجنبي ، عنواناً عريضاً للممارسات النضالية لجميع الأقطار العربية .

    لقد كانت القضية العربية الأحوازية جزءاً من هذا التكوين ، وإنْ تحملت من إستعمارٍ مزدوج أوروبي وفارسي ، وتعاونهما الإستراتيجي ، القسط الكبير ، تمثلَ بإغتصاب الأرض العربية المشرقية لصالح الدولة الفارسية ، ونكوص الإستعمار البريطاني عن تنفيذ تعهداته للسلطة الخزعلية ، الأمر الذي أتاح لشاه إيران الأسبق لتنفيذ سياساته ، بإلحاق هذا الجزء (الأحواز) بالدولة الإيرانية ، ولعب الوعي القومي العربي بأهمية الشرط الذاتي بصياغة الواقع العربي المُتمَنى في تلك المرحلة ، وتخلفه قياساً لوعي أعداء الشعب الأحوازي ، وإدراكهم لطموحاتهم القومية ، خصـوصاً على المستوى الذاتي ، الدور المهم في نجاح مخططات الأعداء .

    كانت القضية الأحوازية طوال الفترة الماضية التي سبقت التغييرات الإيرانية العاصفة ، في أواخر السبعينات من القرن الماضي ، كفكر وممارسة على الأرض ، تجسيداً وتعبيراً عن الذات الوطنية والوجود الوطني الأحوازي ، التي تنشد نيل حقوقها البشرية المشروعة في الإستقلال الوطني ، وبناء الدولة الوطنية ، وتقرير مصيرها بنفسها بعيداً عن أية ضغوط أجنبية قريبة (فارسية) أو بعيدة  (أوروبية) ، وإستمدت هذه القضية من حقيقة كينونتها الممتدة على مساحة جغرافية تبلغ مائة وخمسة وثمانون ألف كليلو متر مربع ، [ أي أكثر من ثمانية عشر مرةً من مساحة لبنان المُعاصر ، كدولة ] ، ويقطن فوقها الملايين من البشر ، يتكونون من أصول إجتماعية متباينة : عشائر وقبائل وفئات طلابية وفلاّحية وعمال وموظفين . . . إلخ .

    وقد دفعت الأحداث والتطورات التي شهدتها إيران ، قبيل ثورتها ((الإسلامية)) التي كان لمساهمة الشعب العربي الأحوازي ، وطلائعه المناضلة ، والفعاليات النشطة في إطارها ، وكذلك دورهما الكلي ، أبعادها الملموسة في نجاحها ، على أمل تحقيق الطموحات الوطنية والقومية ، بالوعي السياسي الجماهيري للذات الوطنية الأحوازية ، الخطوات العملية للأمام ، كقومية متمايزة في الواقع الإيراني ، تطمح إلى نيل حقوقها السياسية الطبيعية ، وفرض آرائها الثقافية في شتى مناحي الحياة وإتجاهاتها ، على مَـنْ ينكرون هذه الحقوق الوطنية الطبيعية وآرائها الثقافية .

    مرّتْ المسألة الأحوازية ، إنْ صحت تسميتها بالمسألة ، بمراحل متباينة وسنوات مختلفة ، منذ أنْ أخذ الشعب الأحوازي على عاتقه القضية النضالية لصيرورته الوطنية المستقلة ، فحمل من الأيديولجيات المتباينة ما راكم دروسـه التاريخية ، ولكن وسمها بالعفوية والتخبط ، بدلالة عدم نجاحها السياسي الحاسم ، فمرة رأى مُستقبله المنشود ، عبر العمل الوحدوي ، كخيار لا بد منه لتحقيق الذات الوطنية الأحوازية ، وفي أخرى إصطفى المعايير الطبقية ، وما ترتب عليها ، كأداة تنظيمية لتحقيق طموحاته القومية ، كما راهـن على الزعيم القومي العربي ، أيّاً كان هذا الزعيم ، لترجمة آماله ، لمرات عدّة ، مثلما راهن على تطورات الحرب العراقية ـ الإيرانية ، بإعتبارْ أنَّ نتائجها ستفضي إلى إنعكاسات جيبولوتيكية لا بد منها على الأحواز ، الأمر الذي يدعونا لتفعيل النظر المدقق حول هذه الخيارات المتنوعة ، ومراجعتها بغية تحديد الخيار الوطني الصحيح منها ، والذي سـيؤدي حتما إلى النجاح الوطني المسـتقبلي ، وفي رأينا إنَّ :

    # خط التحرر الوطني ، وحق تقرير المصـير ، ومسـاهمة كلُّ الشـعب الوطني في بناء مسـتقبله ، هـو الخـط السـياسـي المطـلوب راهناً ، بغية إفسـاح المجال للمجموع الوطني المخلص للمشاركة في رسم طريقه ومبتغاه .
    #  إن التقدم في ميادين التضحية ، بالنفس والنفيس ، هو المعيار للقيام بالدور القيادي ، وإعتبار إنَّ حمل المسؤولية هو عبارة عن تكليف وطني وليس مركزاً تشريفياً ، وتحديد الخيار السـياسي المُتَبع ، النابع من القراءة الموضوعية للتطورات ، وبعيداً عن الخيارات الذاتية الحالمة دون وجه عملي ملموس ، وإنتقاء الوسيلة والأداة لترجمة هذه الرؤية ، والإنغمار في لُجَّة الممارسة الصادقة والحازمة بروح ديموقراطية حقيقية .

    #  وذلك يتطلب إصدار مطبوعة سياسية تعَبِّر عن التوجه السياسي الوطني ، تكون مرنة ومفتوحة للمجموع الوطني ، ولمدة زمنية لا تتجاوز الفترة التي تنحصر بين دورتي مؤتمركم ، تأخذ على عاتقها فتح صدر صفحاتها لكل الآراء الوطنية حول تلك المراجعة النقدية التاريخية المطلوبة ، وكذلك تجمل التصورات المستقبلية للقضية الأحوازية ، وتحمل المضمون الذي يُعبِر عن تلك المُراسلات الفكرية ، ولا بأس من تسميتها بالـ((مراسلات)) ، كما تتسع صفحاتها للآراء ووجهات النظر التي تنشرها وسائل الإعلام الأخرى ، التي تتعلق بالمراجعة التاريخية والنقدية ، بغية الإستفادة منها ، وإعطائها مضموناً ديموقراطياً مُعبراً .

    ولقد مرّت النهضـة القومية العربية ، والتعبيرات الوطـنية ، في إقليم الأحواز ، بمراحل مختلفة ، وتفاوتات متباينة ، من حيث إختياراتها الذاتية ، أي إصطفائها لوسائل الكفاح بغية تحقيق الأهداف السياسية ، لأشكال النضال الوطني والكفاح القومي ، والعمل الوطني المطلبي الإجتماعي ، الموضعي المديني ، النقابي القِطاعي أو الجماعي ، منفردين أو بمعية الآخرين من القوميات الأخريات .

    لقد راودت الكثير من أبناء الشـعب العربي الأحوازي ، والعديد من القوى السياسية المنظَمة ، فضلاً عن ترجمتها في بعض الأحيان ، وخلال كل مرحلة نضالية . . . راودته إنتقاء خيار وسائل عنيفة ، مُسـلحة وغير مُسـلَّحة ، لإنجاز الأهداف السياسية ، الوطنية والقومية ، كون أنَّ السلطة السياسية الفارسية المهيمنة في إيران ، تمنع الشعب العربي الأحوازي من التعبير الحُر عن الذات الوطنية القومية ، في ظِلِّ دعاية تتمحور حول إيران واحدة ، وسبيكة فارسية صُلبة ، شؤونها في الداخل والخارج متماهية ، تتحكم فيها ، جوهرياً ، الرؤية القومية الأمنية ، خصوصاً وإنَّ النـزعة ((الآرية)) ، التي كانت سائدة علناً أيام الشاه المقبور ، يمكن لها التعبير عن الكل المجتمعي الإيراني ، أي النيابة الكلية عن المجموع الأثني والطائفي السـاكن في إيران ، بغض النظر عن واقعه القومي ، و بدون البصر لطموحات تكويناته القومية ، الراهنة والمستقبلية ، وفي سياق وأد الوعي القومي أو القضاء عليه ، بمسميات عدّة وسُبُل مختلفة ، مادياً ومعنوياً ، لا سيما عند ناشطيه الفعّالين ، والمبادرين المتفانين لأجله ، والواعين المُتحسسين لمستقبله الوطني السياسي ، الذي ينبغي له التجَسُد الفعلي على الأرض .

   إن الخيار النضالي ذلك ، لم يكن إختياراً ذاتياً ، يتبين ذلك جلياً ، من منع الذات الوطنية والقومية الأحوازية ، من التعبير السياسي السلمي عنها فكرياً وتنظيمياً ، وبالتالي بلورة أدوات أشـكاله النضالية المعروفة ، في خِضَّم العمل النضالي اليومي ، فلا وسائل إعلامية مشروعة ، مُجازة ، تصدر علنياً ، سواء كانت مقروءة أو مسموعة ، ناهيك عن المرئية ، مثلما نالته قريناتها في الدولة العربية المجاورة ، ولا مؤسـسات تعليمية ، في شتى مراحلها وهيآتها ، تنتهج الرؤية القومية بالحَدِّ الأدنى ، كإستخدام اللغة التاريخية الأم ، لغة التراث ، المتداولة في البيت ، والشـارع ، والمجتمع ، وهي اللغة العربية هنا ، لُغة القرآن والحديث النبوي ، التي تكررَ واجبُ العنايةِ بها لعشرات المرات في الكتاب المجيد والسُنة النبوية الشريفة ، في كناية واضحة على أهميتها ووجوبها في الإستخدام .

     وكذلك لا وجود البتة لمؤسسات مركزية إيرانية تعالج الإختلالات البنيوية المتراكمة في الأحواز ، وتدفع بالوعي الوطني والقومي نحو الأمام في إطـار التقدم والتكامل ، كوزارات قائمة ، تختص بهذه المنطقة ، وتنصرف لخدمة شؤونها اليومية والمرحلية في إقليم الأحواز ، لا سيما على المستوى الإجرائي التطبيقي ، فضلاً عن الإنعدام الملموس لشبكات الطرُق المُعبَدة بين المُدن والمدن ، والمدن والقرى ، الأحوازية ، ولا وجود ، أيضاً ، للمؤسسات الصحية في هذا الإقليم . . . إلخ .

    إنَّ إندفاعات الوطنيين الأحوازيين ، في العمل الكفاحي ، المنظَم منه وغير المنظَم ، لا سيما نشطائهم ومَنْ لعبوا الدور الريادي ، طوال السنوات الفائتة ، كأفراد ومنظمات حزبية وجهات تعمل جَمَاعَياً ، قد وجدتْ  في تلقي الدعم المادي والمعنوي ، السياسي والثقافي ، من الخارج الأحوازي ، والعربي : الليـبي ، السوري ، العراقي مثلاً ، على وجه التحديد ، أي من قِبَل الأشقاء في الأرومة والمنبت ، أو رفاق الطريق والمُعتَقَد ، أو الشركاء في الطموح الوطني والقومي ، سواء أكان موضوعياً صادقاً أو لغايات ذاتية تتعلق بسياسات أنظمتها . . . ذلك الدعم الذي يسَّر عمل العاملين في هذا المجال الوطني ، والمجاهدين من أجل تحقيق الطموحات الوطنية والقومية ، وبالتالي مكَّنَها من طرح الأهداف السياسية ، الوطنية والقومية ، كبيرة أو صغيرة ، كلية أو محدودة ، عامة تخُّص القضية ، أو خاصَّة تجسِّد ذاتهم الحزبية ، أو تخدم شخوصهم تحت ذرائع ومبررات مختلفة ، ولكنها على العموم ساهمت تلك الممارسات في التعبير عن الذات الوطنية الإحوازية ، بهذا الشكل أو ذاك ، أو في إصطدامهم مع الآخر الذي إستحوذ على الأرض ، وسـيطرَ على  الشعب ، وألغى الحضور السياسي للقضية الأحوازية ، في المحافل الدولية أساساً .

    ولكن هذا الدعم المتعدد الأشكال والسُبُل ، قد إنقطع فجأة عن هؤلاء الناشطين ، لأسباب متباينة ، لا سيما على خلفية التواجد العسكري الغربي ، الأمريكي أساساً ، في المنطقة العربية المشرقية ، والأهداف الإستراتيجية التي تتطلع إلى تحقيقها التي ترتبط بالنفط ، وكيان الإغتصاب الصهيوني ، التي تتطلب حضور قوات عسكرية في المنطقة ، والتخلُص من أطنان اليورانيوم المنضب ، في الصحراء العربية ، في المثلث العراقي ـ السعودي ـ الكويتي ، في الوقت الذي لم يُستَخدم في الشمال العراقي ، أي في المنطقة الكردية .

    وعلى ضوء ((تحالف)) الأنظمة الخليجية مع الدولة الأمريكية التي جيَشت القوات الغربية ، أو تبعيتها الكلية على مستوى القرارات المفصلية ، التي تهُم المنطقة العربية ، والسكوت الإيراني العملي ـ إنْ لم نقُل تواطؤه مع هذا الوجود السياسي والعسكري وإستهدافاته على المستوى القومي العربي التحرري ، بشكل موضوعي ـ خاصةً وإنه إقترن بتنفيذ مخابراته الإيرانية حملة إغتيالات واسعة للناشطين والفعّالين في القضية الأحوازية ، التي تمكنت من الوصول إليهم ، مُستغلة فوضى الحرب والعدوان على الشعب العراقي ، والغفلة السياسية والأمنية لهؤلاء الناشطين ، بالرغم من معرفتهم العدو القومي لقضيتهم ، وإدراك خططه ، وتَلُمُس أفعاله المباشرة طيلة السنوات الماضية .

    إن كل ما تقدم يوفِر أدلَّة مادية ملموسـة ، من إسـتفادة الجهات المتنفذة في السلطة الإيرانية ، وتعاملهم الفوري مع التطورات على خلفية مصالحهم القومية الفارسية ، وبالتالي إستغلال الظروف المثالية للإنكسار الكفاحي لهؤلاء المناضلين الناشطين ، والإرتباك المفاجيء الذي حدث لديهم ، و إضطرابهم ، جراء التطورات التي شملت حتى رؤيتهم السياسية ، بسبب فقدان الأرض الكويتية ، القريبة من بلد الأحواز جغرافياً ، والتي كانت تشكل حلقة هامة ، بله أساسية ، في تحركات هؤلاء الناشطين ، يومياً ومرحلياً ، في مختلف المجالات النضالية : من النشر وحتى التواصل الفعلي .

    إنَّ مراجعة المسيرة النضالية السابقة ، في ضوء إفتقادنا للمعلومات على هذا الصعيد ، لهو مهم بصورة إستثنائة ، كونها تبين لنا : أين أخطأنا وأين أصبنا ؟ ، أين فشلنا وأين نجحنا ؟ ، إذ أنَّ الإستفادة من تجاربنا الوطنية والكفاحية ، يجنبنا عثرات الماضي وتكرار أخطائه ، ويصطفي الدروس العملية الهادية التي تنضج ممارساتنا المستقبلية ، ويجعل الوعي السياسي والكفاحي ينتظم كل مساراتنا العملية ، إضافة ، وهذا هو الدرس الأهم  ، إضافةً إلى تبيان الموقف السياسي والفكري ، إختيار الأدوات الخاصة لترجمة وتنفيذ هذا الموقف عملياً ، أمام المجموع الوطني والقومي ، ويوفر المعايير الموضوعية ، الكمية والنوعية ، لطرح الرؤية السياسية الكلية لقضية شعبنا راهنا على ضوء الماضي المليء بالدروس والعِبَر والإستنتاجات .

    إنَّ الإنكسـار في الرؤية الوطنية الأحوازية ، والخلل العميق في مسـيرة الحركة القومية العربية ، وإعاقة تجسُـد القضية الأحوازية ، ـ وإنْ كان مؤقتاً ـ وبروز أدوار بعض النُظُم العربية ، كالسـعودية  مثلاً في مجمل التطورات العربية ، على خلفية وحدانية النظام القطبي العالمي ، قد فسح المجال واسعاً لظهور وتقدم الفكر السلفي في ميدان الجغرافية الأحوازية ، وبذل الجهود في سياق محاولة إحلال الرابطة الدينية الإسلامية مكان الرابطة القومية العربية ، في علاقة تناقضية واضحة ، تكرس همومها الفكرية وأنشـطتها العملية للهجوم على القومية العربية التحررية ، بدلاً من تكاملهما في العمل والرؤية لخدمة قضايا الأمة العربية المصيرية ، وكان واضحاً إن الإستهداف الكلي لهذ الإتجاه هو خدمة الرؤية السياسية الأمريكية بالتحديد ، وجعله المظهَر الرئيس الذي يسِم التطورات المستقبلية في المنطقة العربية ، وهذا الأمر طبيعي جداً ، إذ إنَّ الهزائم السياسية والعسكرية ، والفشل الكلي أو الرئيسي ، كما يعتقد الخصوم ، يؤدي حتما وحكماً إلى طرح بدائل عن رؤية فكرية وسياسية معينة كانت سائِدة ، أو تشكل المظهر الرئيسي فيها ، قبيل الهزائم والفشل .

    إنَّ أهم البراهين على مناهضة رؤية الأطراف التي تضع الرؤية السلفية ضمن أولوية نشاطاتها السياسية والثقافية ، هو موقفها من الحركة الصهيونية ، وكيانها القائم على الإغتصاب ، فالقرآن الكريم قد خصص 25% من سوره أو آياته ، لمناقشة المسألة اليهودية ، وحاكم مواقفهم العملية تجاه دولة العرب في الجزيرة ، وإنَّ الرسول الكريم (ص ) قد شنَّ الحرب على بني قينقاع وبني النضير ويهود خيبر ، إلاّ أننا نجد هؤلاء يمالئون الحركة الصهيونية عمليا في نصرتها ضد مجاهدي فلسطين من أجل فلسطين المُبارَكة ، وقدسها الشريف ، ففي الوقت ، نقول ذلك كمثال ملموس ، الذي دفعوا واحداً وستين ملياراً من الدولارات لأمريكا بغية تدمير العراق ، وتمزيق العرب التحرريين ، فإنهم يلحسون تعهداتهم المالية للشعب الفلسطيني ، التي لا تتجاوز المليار دولار ، التي تحدثوا عنها أمام كاميرات الشاشات المرئية خلال قمة عمان العربية في العاصمة الأردنية ، هذا أولاً .

    ويعقدون الإتفاقيات الأمنية مع الدولة الإيرانية ذات النـزوع القومي الفارسي ، والتي لا تخفي توجهها الطائفي المذهبي تجاه العديد من الأقطار العربية ، وغير العربية ، وتحتلُّ عسكرياً ، فوق ذلك الجزر العربية الثلاث : طنب الكبرى ، وطنب الصغرى ، وأبو موسى ، ناهيك عن إستيلائها على الأرض الأحوازية ، وسلبها الحقوق القومية عن أبنائها التي ينبغي التمتع بها ، وتشريد الألوف من أبناء الشعب العربي الأجوازي ، لإسباب قومية وعرقية لا تخفى على أي متابع ، ثانياً .

    من بين أهم الأسباب التي أدت إلى بروز الرؤية السلفية ، وتقدمها في الممارسة السياسة ، هو فشل التجربة العملية في ميادين التطبيق الذي كان يُسمى إشتراكيا ، في كل الدول التي إنضوت سابقاً تحت لواء ما كان يُدعى بالإتحاد السوفياتي ، وما شكله ذلك من حيث الواقع الملموس ، من بروز وهيمنة مطلَقة (( للعالم الجديد )) تحت مسميات سيطرة القطب الأمريكي الواحد ، ومحاولة نشر القيم (( الجديدة )) واسعاً ، بذرائع الكفاح من أجل حقوق الإنسان العالمي ، وذرائع خفقان ورفـرة الراية الديموقراطية السياسية ، وذرائع صيرورة ظلال الحرية عالمياً ، المنشرة على المجتمعات كلها ، وغير ذلك من ذرائع تتوسل بمصلحة من أجل تحقيق المفسدة ، كما يقول الشاطبي ، في موافقاته .

    إنَّ الشعب العربي الأحوازي  الصابر المُحتسب عند الله والتاريخ ، يدرك بالتجربة الحِسِّية والعملية ، بشكلٍ فكري مجَرَد ومادي ملموس ، أن هذه القيم العالمية لم تصل إلى المنطقة الأحوازية المُحتلة أبداً ، حتى في حدودها الدنيا ، الإبتدائية ، الأمر الذي يجعل من هذه الأطروحات السياسية الأمريكية ، التي جرى تغليفها بالكونية والعالمية ، مجرد دعاية سياسية وإعلامية ، لتمرير الرؤية السياسية الأمريكية ، في نزوعها للسيطرة والهيمنة على العالم كله ، وإلاّ بماذا نُفَسِّر سيادة الرؤية الفارسية في جوهرها الفكري والسياسي ، مثلاً ، على منطقتنا العربية الأحوازية ، حتى من دون صدور تصريح غربي واحد حول قضية شعبنا ، لا إتجاه الفرد و لا إتجاه القضية الأحوازية ، ناهيك عن عدم تحديد موقف سياسي معين ، ورسمي ، من قِبل الدول الأوروبية وأمريكا ، بصدد القضية الأحوازية كلها ، نحاول العثور على تطبيقاته في الميادين السـياسية العملية ؟! .

    إن بروز القطب الجديد ، هيمنة القوة الجديدة ، وإنتشار آرائه وأفكاره وقيمه ، على صعيد العالم ، أمرٌ مفروغ منه في ضوء الوقائع الملموسة ، خلال العقد ونيف من السنوات الماضية ، وعلى صعيد منطقتنا بما يخص الشأن العالمي ، ومجمل شؤون الأمة العربية السياسية ، واضح في الممارسات اليومية  وتطورات الموقف الوطني والقومي ، لا سيما في القضية القومية المركزية ، القضية الفلسطينية التي تحظى بالإجماع العربي ، المُعلَن على الأقل ، وبالطريقة التي ترتئيها منظمة التحرير الفلسطينية .

     لقد نجح القطب الأمريكي في جعل القضية الفلسطينية حكراً على رؤيته وتصرفاته ، عالمياً وفي المؤسسات الدولية ، وما ترتب على ذلك من سوق كل الأنظمة العربية المهتمة بهذه القضية من موقع التفاوض ، إلى العاصمة الأسبانية ، لحضور مؤتمر مدريد ((لحل)) القضية العربية والفلسطينية خصوصاً ، أي لتصفيتها في نظر البعض ، لصالح الهيمنة الصهيونية والنظام الشرق الأوسطي المرسوم للمنطقة ، بغض النظر عن نوعية التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي ، والقرارات السياسية المُشتركة ، ليس على أساس القرارات الدولية الصادرة من مجلس الأمن ، كالإنسحاب من الأراضي التي أُحتلت عام 1967 وممارسة حق تقرير المصير للمواطنين التي أُحتلت أرضهم ، فحسب ، بل على أساس كل التفاصيل الصغيرة التي تلجم اليد الصهيونية عن بطشها المتواصل : جيش العدوان المسلَّح حتى الأسنان ، والتغطية على ممارساتها الهمجية بحق الفلسطينيين ، كشعب ومنظمات وأفراد ، في محاولة عملية ملموسة ، ولكنها خائبة بالتأكيد ، لتحقيق المطالب الفلسطينية ، أو إنجاز مهمات معينة ، ولو كانت بالحد الأدنى ، تتعلق بالقومية العربية ، التي إغتصبها الكيان الصهيوني ، أو التي ترتبط بالشؤون التسليحية الإستراتيجية ، لا سـيما النووية ، عبر الوسائل السياسية والدوبلوماسية ، في ظروف يفتقد فيها العرب القوّة الموازية ، أو المناسبة .

    إنَّ مجمل التطورات العربية ، الذاتية والموضوعية ، قد أفسحت المجال العملي واسعاً ـ بغض النظر عن الدعايات الإعلامية ، وكم التضليل المبثوث ـ لتَفرُغ النظام الإيراني لحسم ، كما يعتقد ، قضية الشعب العربي الأحوازي الوطنية و القومية ، وقيامه بقمع الحركة الكفاحية لجماهيرنا ، ووقوفه بقوة ضد طموحاته العادلة ، وبتكميم الأفواه أو السجن أو الإغتيال السياسي ، ضد الأصوات الحزبية المناضلة في تحقيق الإستقلال الوطني ، وضد المطالبات الفردية المنادية بالحقوق الوطنية والقومية في الأحواز .

    ولكن ((الحركة السلفية)) ، كما تقتضي ذلك المعايير التي تحددها الرؤية الدينية ، التي تؤكِّد أحقية مبدأ تعارف ((الشعوب والقبائل)) ، وتعاونها ، في إطار الممارسات الإنسانية والقومية ، وإعتبار أنَّ اللغة العربية لها الأولوية المُطلَقة على تلك الرؤية . . . رأينا الحركة السلفية تقوم في الميادين العملية بالدفاع ((المزعوم)) سياسياً عن القوى التي تخالف الحركة الدينية الحقيقية ، وتسهم في نشر الشروخات الفكرية والتكوينية ، وتعميقها ، في المجتمع الواحد ، الذي تماسك تاريخياً ، أو تكامل خلالهُ ، وعملت على تعميق الفجوة بين العرب التحررين ، من جهة ، والفُرس كنظام وتجسـدات عينية ، ومنع العرب الأحوازيين ، كنتيجة ومُحصلة ، من التعبير الحُر عن ذاتهم الوطنية والقومية ، رغم أنهم أشقاء في الدين الإسـلامي والأرومة القومية .

    لقد إنصرفت ((الحركة السلفية)) للتعبير عن ذاتها ((اللاطائفية)) ، بذريعة الإلتزام بالرؤية الإسلامية ، لتسفيه الرؤية القومية العربية الحضارية الإسلامية ، أو التأكيد ، إنَّ القومية العربية هي ((دعوة جاهلية تهدف إلى محاربة الإسلام والتخلُص من أحكامه وتعاليمه . . . وقد أحدثها الغربيون من النصارى لمحاربة الإسلام والقضاء عليه في داره بزخرف من القول . . .  هي دعوة باطلة وخطأ عظيم ومكر ظاهر وجاهلية نكراء وكيد سافر للإسلام وأهله ))  ، كما يقول إبن باز في إحدى فتاويه ، في تجاهل واضح لتاريخ شعبي ، وإفعال مجيدة سطرها ألوف الشهداء العرب ضد الغرب منذ مطلع القرن العشرين ، وما تزال متواصلة ، وفي ظِلِّ سـكوت عملي مطلق عن الرؤية الغربية الأمريكية التي يكثفها صموئيل هانغتون حول صراع الحضارات ، كيان الإغتصـاب الصهيوني، ودوره الفكري والسياسي في تخريب الدين الإسلامي ، وفي وقتٍ صبَّت كل جهودها السياسية العملية ، لنصرة أنظمة سياسية في جوهرها ذات طابع طائفي صريح ، ليس مع ((الأعداء)) و ((المنافسين)) فقط ، بل ((الأشقاء))  الذين ينتمون صميمياً للطائفة أيضاً ، الأمر الذي خلق إزدواجية فاضحة في منطقها ، لا سيما عند مموليها ومروجي ((رؤيتها)) ، خاصة مع أصحاب هذه الرؤية السلفية الرسميين ، من أنظمة الخليج العربي والجزيرة العربية ، في علاقاتها الأمنية الرسمية مع النظام الفارسي في القيادة الإيرانية ، هذا النظام الذي يتخذ من الرؤية الطائفية والإلتزام الطائفي المُعلَن ، كستار تبريري مُحكم لسلوكه القومي العنصري .

     تلك الرؤية والإلتزام اللذين يتخذان من بعض المظاهر غير العربية ، غير البدوية ، التي تغلغلت من الأمم الأخرى في نسيج الواقع الشعبي العربي ، ومناوئة للرؤية الحضارية العربية الإسلامية في جوهرها الصحيح ، عبر إعتمادها الأساس على مظاهر عَلِقَتْ بالدين العربي الأسلامي الحنيف ، كـ((عبادة)) الأولياء ، والتَمَسُــح بمقامات الصالحين لنيل بركاتـ((هم)) ، وتقديس القبور ، والتزوير الفظيع لأقوال أحفاد الرسول الأعظم ، وجعلها بديلاً عن آيات القرآن الكريم وسُنَّة النبي الأكرم ، (ص) ، بلـهَ إيجاد مسافة واسعة بين الخليفة الراشدي الرابع ، على بن أبي طالب ، كرم الله وجهه ، والرسول الأمي العربي الذي قال عنه القرآن الكريم : ((وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم)) وتفضيل الأول عملياً على الثاني (ص) .

     إنَّ إعتماد هذه الطريقة لنشر الأديولوجية القومية الفارسية ، حتى لو كان عن طريق الشعوذة ونشر الأوهام وتعميم الخرافة ، هو نهج ثابت عند الحكّام الأيرانيين ، منذ أن تبين بالملموس ذلك التوجه ، الذي أدركه عملياً المجتهد مهدي الخالصي الكبير خلال الربع الأول من القرن العشرين، والذي قال : لقد أهانني الخراسانيون أكثر مما أهانني الإنكليز ، وحتى عمليات الطرد والسجن ووالإعتقال والتعذيب حتى الموت ، في الفترة الزمنية الأخيرة ، والتي طالت العراقيين الذين ذهبوا إلى إيران ((الإسلامية)) ، وتوجهوا إلى ساحات الحرب القومية الإيرانية ضد أشقائهم بالمواطنة والأرومة في العراق .

    ولكنَّ ، مع ذلك ، فإنَّ الرؤية الطائفية ، أو السلفية ، في كافة المناحي الوطنية والقومية ، حتى لو أدت في مرحلة ما ، وفي ظرفٍ معين ، دوراً متقدماً ما ، ستصل في نهايتها المنطقية ، إلى تطابق تام مع الرؤية الطائفية في إعاقة التطور الوطني وعرقلة التوجه القومي العربي ،  في البلاد العربية  الإحوازية  ، وتسهم في إنعدام بروز القوى المناضلة في ساحة الفعل والمجابهة ، وتمنع ، كذلك ، من مشاركة المتعلمين والمُثقفين في الإندماج بهذه الحركة الوطنية والقومية عند عموم أبناء الشعب العربي الأحوازي ، كونها تطعن في الصميم التكويني الهويةَ الوطنية والقومية العربية عند أبناء الشعب الأحوازي ، من ناحية أولى ، وكونها تترجم ، بلـهَ تعيد إنتاج التجربة الماضية ، التي تجسدت في التجربة العثمانية/التركية التي إستمرت في هيمنتها على الوضع العربي لمدة 400 عاماً ونيف ، من ناحية ثانية ، فضلاً عن كونها لا تعالج أسباب الخلل والتشرذم في المجتمع الأحوازي بصورة ناجزة وعملية وناجحة ، من ناحية ثالثة ، وتوسِّع وتُعمِّق وتُعَمم الجدل السني ـ الشيعي العقيم ، بدلاً من توحيد الجهود لبناء  الحالة الوطنية المستقبلية الأحوازية ، من ناحية رابعة .

    كون الحركة السلفية لا تستطيع أبدا الإستجابة للتحديات البنيوية الداخلية ، وبناء البديل المناسب عنها ، خاصة على المستوى الإجتماعي ، مثلما لا تستطيع الإرتقاء لمجابهة المستجدات التكوينية التي قد تفرزها تطورات الوضع الداخلي ، كونها تنطلق من ذات الأرضية الفكرية والدعاوية التي أفرزت هذا الواقع وكرست نتائجه ، أي إنَّ النظرة الطائفية هي ذاتها النظرة السـلفية ، وذلك تحت تمويهات مختلفة ، وما أفرزته التجربة الأفغانية الطالبانية ، على المسـتوي الداخلي ، خير دليل ملموس وعيني على ذلك .

    من جهة أخرى ولكنها أوضح بالتأكيد ، إنَّ هذا التشرذم ، التفتيت ، الإنقسام العمودي ، يلغي عملياً ودلالياً ، فترة هامة وعزيزة من التاريخ الوطني والقومي العربي الأحوازي ، رغم ضبابية المفاهيم آنذاك ، لا سيما خلال فترة قيام الحكم الأحوازي المستقل ، تحت سلطة التجربة المشعشعية في بلاد الأحواز  .

    علاوة على كون هذه الحركة السلفية لا تستطيع أبداً وبالمطلق ، الإستجابة الملموسة للتحديات الداخلية على المستوى الإجتماعي ، التي يحيا في ظِلِّها المجتمع العربي  الأحوازي ، و لا تستطيع الإرتقاء لمجابهة المستجدات التي ستفرزها تفاعلات نتائج هذا الواقع ، وإذا أردنا التحديد والتشخيص ، فعلينا القول الفصيح ، إنَّ الرؤية السلفية هي النسـخة الكاربونية للرؤية الطائفية ، إذا صحتْ تسميتهما بالرؤيـة .

    إنَّ القناعة السياسية والفكرية التي تبلورت خلال الفترة الماضية ، تؤكد عدم قُدرة ، بلهَ جدارة السـلطة الطائفية المتعصبة ، في إدارة وضع الدولة الإيرانية ، وحركة شعوبها المتمايزة قومياً ، تحتَ أي مُسمى كان ، وتلكوءُهـا في حـل ، أو معالجة ، معضلات التطور في مجالات القضايا الوطنية الداخلية ، إنَّ مضي هذه المدة الطويلة ، وتراجع التحديات الخارجية ، وصيرورة المطالب الوطنية ، الثقافية والإجتماعية والسياسية والإقتصادية ، المظهَر الرئيس للتطورات الداخلية في الجمهورية الإيرانية ((الإسلامية)) قد أسهمت بشكل ملموس في زعزعة الرؤية القومية الفارسية في نسختها الطائفية ، منذ سقوط الشاه وللآن ، وكل ذلك يبرهن مجدداً على العجز الميداني ، الفكري والسياسي ، لمعالجة الإختلالات المختلفة داخل المجتمع الإيراني ، الأمر الذي رجَّح كفة القوى الإصلاحية ، والقوى السياسية المنضوية تحت الخط العريض لقوى هذا التيار الإصلاحي ، المناهضة بشكل غير جذري ، للرؤية الطائفية الدينية ، وضرب المشروع ((الإسلامي)) كنظام إيراني ، بالرغم من الأحاديث ، والهرطقات كذلك ، والأمنيات ، عن المساواة بين القوميات ، ومشاركتهم في الإدارة .

     إنَّ نظرة واحدة ، ولكنها مهمة على المستوى الإيراني ، لقضايا الكرد والعرب والأذريين حول آمالهم القومية في ممارسة شـؤونهم بصورة حرّة ، أو نيل حق تقرير المصير لشعوبهم ، تبين بالملموس على ذلك التوجه الطائفي/القومي ، بله على صـعيد التوظيف في أجهزة الدولة الحساسة ، فحسب ، بل على صعيد الرؤية الدعائية أيضاً ، تحت أغطية وتبريرات ((الإجتهاد)) المذهبي ، والمرجعية الخامنئية الأحادية في الشؤون الفقهية عربياً وعالمياً وإستثناء إيران من هذه الأحادية ، والإنتخاب الشعبي للرئيس والبرلمان ، وغير ذلك الكثير مما لا يمكن ذكره في هذه العجالة ، والتي لم يسلم منها حتى مناصرو الموقف الإسلامي الإيراني ، مما فسح المجال واسعاً لإطروحات الخيار الديمقراطي التي يمثلها الرئيس خاتمي ، كما يقول ((الإعلام)) الإيراني .

    في المرحلة التاريخية التي نشاهدها اليوم ، ونعيش في أجوائها المُلبدة بمختلف الظروف السياسية المُحتمَلة ، والتطورات الموضوعية والإختلافات الذاتية ، وفي ظِلِّ تبادل النسب السلطوية ، وما يحمله ذاك من توفر فرص واعدة ، لسيرورة حراك إجتماعي وجدل سياسي وفكري ، حول المستقبل والمنطقة ، في إطار  السياسة المُعلَنة التي تتحدد بـ((تيار المجتمع أولاً وهو التيار الذي كان يضع قضايا التعددية والحريات والعدالة الإجتماعية في صدر أولوياته)) ، كما يقول مستشار وزير الإعلام الإيراني في عهد خاتمي ، وعلى ضوء ذلك ،  ينبغي علينا ، كحركة التحرر الوطني الأحوازي ، العمل النضالي الفكري والإعلامي من أجل نيل حق تقرير المصير الوطني  ، وإستثمار كُل المجالات المُتاحة والممكنة التي توفرها الحركة السياسية للسلطة الإيرانية ، على خلفية قراءة دقيقة وتاريخية لطابع المرحلة ، من التطورات الموضوعية على الصُعد كافة ، أو أغلبها ، عبر إستخدام خط مراكمة تحقيق المنجزات السياسية الصغيرة ، في مختلف المجالات الحياتية ، بإعتبار إنَّ الخطِّ العام المشترك للمجموع الوطني ، هو خط ((السياسة هي فنِّ الممكن)) كتعبير فكري  وممارسة عملية ، أي التعامل مع الإمكانية المتوفرة من أجل تحويلها إلى واقع وطني ملموس .

     ولكن على المهتمين بالقضية العربية الأحوازية  ، كون هذا الأمر يرتقي إلى الأُمور البدهية بالنسبة إلى المجموع الوطني ، أنْ لا ينسى للحظة زمنية واحدة ، إنهم شعب عربي أحوازي يناضل من أجل تحقيق أهدافه السياسية والثقافية والإجتماعية ، في إطار التعايش الوطني في ظِلِّ راية الدولة الإيرانية ، وفي سياق سيادة مفهوم المواطنة المشتركة على مجموع الفئات والقوميات والطوائف ، المكونة لإيران الجمهورية ، ويمكن إتخاذ معايير وفقرات سياسة جوهرية أكدتها لجان  ((حقوق الإنسان العـالمية)) مقاييس للدعوة الفكرية والسياسية بشأن المواطن الأحوازي ، وبإعتبارها معايير عالمية لكل البشر ، ووسيلة عملية لإجتياز عقبات موضوعية تطبع المرحلة بطابعها المأزوم ، وبالتالي للوصول إلى تحقيق الهدف الوطني الأكبر ، لأنَّ ظروف الوطن العربي السياسية صعبة للغاية في المرحلة الراهنة ، ولأنَّ الإستراتيجية الأمـريكية السياسية ، وتواجدها العسكري الشامل في منطقة الخليج العربي ، وحضورها الفعّال في القرارات السياسية عند قيادة أغلب النظم العربية الفاعلة في الواقع العربي ، ووصول الكيان الصهيوني لمرحلة فرض إرادته العسكرية الكلية عليها ، لا تقبل ، ولن تسمح بتحقيق الغايات الوطنية والقومية الكبرى .

    لذا على مَنْ يتصدون للمسألة الوطنية الأحوازية ، كما أرى ذلك أنا ،  النضال داخل المجتمع الأحوازي ، في إطار الدستور الإسلامي الإيراني الراهن ، لاسيما في ضوء المادتين الخامسة عشرة والتاسعة عشرة ، ، طالما يعترف ـ ولو شفاهاً أو كتابياً أو دعائياً ـ ، بحقوق القوميات المكونة لهذه الدولة ، أولاً ، وندعم الإصلاحات السياسية ، في إطار النهج الإصلاحي السائد ، كما هو مطروح عند مناصري رؤية رئيس الجمهورية ، السيد محمد خاتمي ، خلال هذه المرحلة السياسية ، والإجتماعية ، كونها تشـكل الخط السياسي الإعتراضي لرئيس الجمهورية ، وأفكاره ، على نهج ((المتدينيين)) المتعصبين ، ثانياً .

    إنَّ رفع شعار إيران أولاً ، أو بالعبارة المستخدمة من قبل مستشار وزير الإعلام الإيراني القائلة: (( إنَّ تيار المجتمع أولاً ، هو التيار الذي كان يرى قضية بناء الدولة الإيرانية في صدر الأولويات)) ، الذي يتجسد في صِلات السيد رئيس الجمهورية مع أفكار التيار الإصلاحي ، ويسِم الدعوة الفكرية والسياسية الراهنة ، التي هي المظهر الرئيس في الشارع السياسي الإيراني الواعي ، تجعل من فُرَص هذا الخط السياسي ، وممارساته ، ممكناً ، وينبغي على المناضلين في سبيل الأحواز المستقلة ثقافياً ولغوياً في كل لحظة من عملهم النضالي ، بذل الجهود الفكرية والسياسية ، الوطنية والقومية ، الخاصة بالأحواز كأرض ووجود ، وشعبها العربي كماهية وتكوين لغوي ، في الإطار الإيراني كدولة ، وفي سياق المشاركة الجَمَاعية مع هموم الشعوب الإيرانية المكونة للمجتمع الإيراني .

    إذ أن الوطنيين الأحوازيين ، هُم إصلاحيون في المجال السياسي والثقافي ، ويعملون جاهدين مجاهدين خفافاً وثقالاً في هذا المجال ، بغية تحقيق الأهداف الإيرانية العامة ، التي من بينها الأهداف الأحوازية  الوطنية الخاصة ، من أجل إنجاز مهمة نيل الإعتراف الرسمي و الشعبي بالقضية الأحوازية ، كذات ووجود ، ولشعبه الحق المطلق في التمتع بكل حقوقه الوطنية المشروعة في الإطار الدستوري ، ووفق مفاهيم الإنضواء تحت لواء الدولة الإيرانية المعاصرة ، التي تتخذ من الراية الإسلامية عنواناً عريضاً لمضمونها .

    إنَّ هذا الخطِّ السياسـي الذي يتخذ الوطنيون الأحوازيون منه ،  بوصلة مُرشدة للتحرك السياسي اليومي ، كما أُقَدِّر ذلك ،  يتطلب المساهمة النشيطة والجادّة من قبل كافة الطاقات الشعبية الأحوازية ، من قبل الأفراد والمؤسسات والنوابغ والتنظيمات ومختلف مكونات هذا التحرك ، في يوميات العمل السياسي والنضال المطلبي ، من جهة ، والتأهب والإستعداد لإنتزاع الحقوق التأسيسية المساواتية مع الآخرين ، في إدارة أجهزة الدولة الوظيفية ، في ضوء النسبة العددية للسكان العرب في الإطار التكويني للمجتمع الإيراني، وكون الوزن الإجتماعي والإقتصادي والثقافي ، محكوم بهذه الصورة أو تلك ، بالإتجاه العام لسياسات هذه السلطة الإصلاحية التي تدير الوضع الإداري الإيراني ، من جهة أخرى .

    إذاً ، الخريجون ومَن يرى رؤيتهم الوطنية وأنصارهم ، وخلال هذه المرحلة التاريخية من تاريخ الدولة الإيرانية ، هم وطنيون أحوازيون ، وقوميون عرب ، يسعون بشكل يومي ، وكلٌ من موقعه ، لتحقيق عبر العمل المتكامل والجَماعي ، الأهدافَ الوطنيةَ في المجال الثقافي القومي ، وترجمة الرؤية السياسية في مجال العمل اليومي ، الأمر الذي يتطلب الدعوة ، بالكفاح الفكري والعمل الدعاوي ، لإنجاز مهمة التعددية السياسـية والثقافية للمجتمع الإيراني ، من وجهة نظر كل مكونات هذا المجتمع ، من وجهة نظر كل الشعوب المكونة لإيران .

    وفي الحالة الإجتماعية الملموسة ، والوضع السياسي الراهن ، وضمن المرحلة التاريخية الراهنة التي يمرُّ فيها الوضع الإيراني ، يتجسَّد ذلك بشعارٍ ملموس ، ينبثق من الواقع الموضوعي ، هو شعار  : ضرورة التطبيق العملي للمادة 15من الدستور الإيراني ، المؤكِدة : ((على حق القوميات الأيرانية بأنْ تكـون لها صحُفهـا ووسـائل إعلامهـا وتدريس آدابهـا ولغاتها [. . .] في جميع المراحل الدراسية )) ، كما يقول السيد يوسـف عزيزي ، الكاتب الأحوازي  ، في العدد 862 من جريدة ((الزمان)) التي تصدر بالعاصمة البريطانية : لندن ، والمادة 19 من ذلك الدستور المُعَضِدة لهذه الفقرة ، وحق إمتلاك حرية التعبير باللغة العربية ، وممارسة هذا الحق في مختلف المجالات وشتّى المستويات ، كإستخدام وإصدار الوسائل الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة ، ، إضافة إلى إنجاز ما تقدم من إشتراطات ، في سبيل الحق الوطني ، بصورةٍ شرعية وواضحة ، وصولاً إلى مرحلة إمتلاك حرية حقيقية للتعبير عن حق تقرير المصير المجتمعي للشعب العربي الأحوازي .

    ختاماً نتمني لكم ، من أشـقائكم في التحالف الوطني العراقي ، كل الموفقية في عملكم الوطني ، وجهدكم القومي العربي .

                                                                                   المقدَّمــة                       هولندا في    20 / 7 / 2002                              

 

 

 

*   باقِر الصرّاف : الأمة العربية 0

ـ    ماضيِّاً 0 0 0 حاضِراً

ـ المواقف السياسية في ضوء مستقبل أجزائها

*  الطبعة الثانية : مزيدة ومنقحة  ـ أوروبا ـ أواسط شباط 2002 0

*  منشورات جريدة ((نداء الوطن)) : منبر الرؤية الوطنية ،

                                          صوت التيار الوطني .

المحتويـات

 

ـ المُقَدَّمـة                             الصفحـة 1 ـ 12 

ـ المؤتمـر القومي العربي في بغـداد

        في ضوء الضجة الكبيرة          الصفحـة 11 ـ 46

·      * لماذا الإعتراض ؟، ما هي الإختلافات ؟،

      * ماهي المعايير الفكرية لإلتزاماته ؟

ـ ملاحظات أولية حول المسألة الأحوازية

    في اللحظة التاريخية الراهنة        الصفحة 47 ـ 64

ـ  أضواء مستفيضة على ندوة هامشية

                                    الصفحة 65 ـ 110

ـ  المحتويات                     الصفحة  111

 

 

 

 العودة الى مشاركات الكاتب