|
في ذكرى اِندلاع الحرب
العراقية ـ الإيرانية :
طبول الحرب الأمريكية تُقرع
ضد إيران بعد العراق
هل هناك اِستفادة من دروس تاريخنا
؟
في هذا اليوم 22 / 9 /
2003 اِندلعت رحى الحرب
السياسية المتعددة الجوانب
والمعارك العسكرية الواسعة
منها خصوصاً بشكلٍ رسمي ،
الشاملة بكل ما تنطوي عليه
المعاني العامة والخاصة
لكلمة الشـمول : بين
الجمهورية العراقية وجمهورية
إيران الإسلامية . كان قد سبقه
نزاع سياسي وإعلامي منذ
صيرورة النظام الإسلامي
المظهر الرئيسي في ممارسات
إيران بقيادة الإمام روح الله
موسوي الخميني ؛ وحدثت
الاِصطدامات العنيفة في الجو
والبر والبحر مثلما طالت كل
الأراضي التي تقع على طرفي
الحدود ، وتعْـدَتها إلى بعض
المدن الأخرى في الدولتين
سواء عن طريق قصف الطائرات أو
الصواريخ البعيدة المدى أو
المتفجرات التي يقوم بها
المنفذون من كلا الطرفين ،
ناهيك عن العمليات الـ((شعبية))
الداخلية في كلا البلدين
الجارين . كما اُستخدمت
خلالها كل صنوف الأسلحة بما
فيها الأسلحة الكيميائية .
وجرى اِستثمار كل العناصر
الممكن زجها في ميدان القتال
، من القوى التي تنتمي وطنياً
أو قومياً أو دينياً إلى
الطرفين واِتخذت موقفاً
مناوئاً لبلدها ، تحت هذه
الحجة أو تلك : تلك المقولة
الفكرية أو نقيضها ، بهذه
الذريعة السياسية أو غيرها
.
لقد حرص الطرفان على
اِستحضار كل التاريخ للماضي
القومي عند الطرفين لتعبئة
شعبيهما بغية المواصلة
النشـطة للحرب الطاحنة . فقضى
مئات الألوف ضحايا الحرب من
الطرفين ، وأُتلفت المليارات
من الدولارات من ثروات
الشعبين الجارين ، وهدِّمت
الكثير من المشاريع
العمرانية والمصانع والمزارع
في الدولتين المتجاورتين ،
ناهيك عن إيقاف عجلة
التنمويتين الضروريتين في
البلدين اللتين تستهدفان
خدمة مستقبل الشعبين وتنفيذ
مطالبهما الاِقتصادية
والاِجتماعية والتنموية .
كانت تلك الحرب كارثة تاريخية
على البلدين في كل الجوانب
الحياتية والعمرانية ، لم
تشهد حرباً مثيلاً لها منذ
الحرب العالمية الثانية في
عقد الأربعينات من القرن
الماضي ، سـواء من حيث طول
المدة الزمانية أو الخراب
الذي طال كل الاِعمار أو مقتل
مختلف الأعمار ، أو هدر
مليارات الدولارات ، أو التي
رافقتها كظواهر اِجتماعية
سـلبية مسَّـتْ مستويات
الفرد والأسرة والعائلة
الكبيرة والعشيرة على جميع
الصُعُد . هل يعني ذلك اِنعدام
فوائدها عند البعض ؟ كلا
بالتأكيد ، فخلالها ظهرت
القطط السمان في كلا البلدين
كما يقال ، والوسطاء في تجارة
السلاح في الداخل والخارج ،
وأهم من ذلك وذاك : هو كم
ونوع اِستفادة الدول
الأجنبية المعادية للبلدين
المتحاربين اللذين أثبتت
قياداتهما قصر نظرهما تجاه
مصالح ومستقبل دولتيهما في
نطاق تلك الحرب المروِّعـة
التي نتحدث عنها ، وهي دول
كانت متربصة بكلٍ من إيران
والعراق لأسـبابٍ مختلفة .
ـ 2 ـ
لقد تطرقنا لهذا
الموضوع في الماضي القريب ،
وعلى وجه التحديد في 16 / 5 / 2003
بهدف ((معرفة الراهن ،
والتدبر في ظروفه ، والتفكير
في النتائج الراهنة)) وتلك
النتائج لن تصبح دروساً
تاريخية إذا لم ينتظمها
الوعي الكلي في الماضي كله :
إيجابياته وسلبياته ، من أجل
تكريس الإيجابيات وتنميتها
وتجنب السلبيات وتجاوزها ،
تفعيل عوامل الأولى والتخلي
عن أخطاء وخطايا الثانية ،
وقلنا ((لنأخذ مثالاً من
تاريخنا القريب كي نتدبَّر في
الواقع الراهن ، للاِستدلال
بأحداث الماضي على مجريات
الحاضر . إنه المثال الذي
نستمده من تطورات الحرب
العراقية ـ الإيرانية ؛ وموقف
القوى السياسية منها . لقد
اِندلعت الحرب في العقد
الثمانيني من القرن المنصرم
وفق رؤيتين متناقضتين :
إحداهما تحمِّل أسباب
اِندلاعها للطرف الآخر ،
والأخرى ترى أسباب اِندلاعها
كامنة في العنصر الذاتي عند
الطرفين . لقد توقفت تلك الحرب
الشرسة في 8 / 8 / 1988 على ضوء
قرار مجلس الأمن التابع للأمم
المتحدة المرقم 598 . في ذلك
التاريخ وفي اليوم نفسه كانت
الولايات المتحدة توجه
سؤالاً محدداً للجنرال
نورمان شوارتزكوف الذي سيصبح
القائد العسكري العام
للعدوان الأمريكي الغربي على
العراق في عام 1991 والمسـمى
بعاصفة الصحراء : عن الطرف
الذي ينبغي مواجهته في
المستقبل ؟ كان جوابه الواضح
بعد أنْ تم تزويده بوثائق
السي آي أي ووزارة الدفاع {البنتاغون}
والأمن القومي ـ كما يذكر هو
ذلك ـ والذي توصل إليه في
أواخر عام 1989 : هو العراق
وجرى على ضوء ذلك ، الإعداد
لبرنامج طويل الأمد يُشَّـن
على الدولة العراقية ، الذي
اِنتهى بها المطاف الطويل
العسـير منذ ذلك التاريخ إلى
الاِحتلال العسـكري الأمريكي
ـ البريطاني المباشر في الربع
الأول من عام 2003 أو بعيده
بقليل .
اِندلعت الحرب
العسكرية العراقية ـ
الإيرانية ، وشهدت تطوراتها
الصعبة مختلف المراحل ، ما
بين هزائم إيرانية
واِنتصارات عراقية ـ أو
العكس ـ حتى اِنتهت إلى
تجـرع الإمام الخميني ـ
تغمدته الرحمة السماوية ـ
السـم وأوقفها مرغماً دون أنْ
تسـتطيع إيران تحقيق أياً من
أهدافها السياسية عن طريق
الحرب العسكرية ، التي
تحددت حول إسقاط السلطة
العراقية وإقامة نظام بديل
بتشكل على النمط الإيراني .
كان موقف القوى السياسية
العراقية يتراوح بين تأييد
هذا الطرف أو ذاك ، ويقترح ذلك
المشروع للحـل أو هذا . اِلتحق
البعض العراقي بالجانب
الإيراني وفي خدمة رؤيته
العسـكرية وجهده الحربي ،
سـواء كان طائفياً وأحزابها
أو من قبل الطرف الكردي
المسلَّح . كانت المواقف
السياسية العراقية المختلفة
تستخرج تحليلات وتتخذ مواقف
على ضوء تطورات الحرب طيلة
تلك الفترة التي شهدت تأججاً
مروعاً ، صعوداً متفاوتاً
وهبوطاً متنوعاً . ولكن مع
توقف مدافعها عن الصراخ
المسعور خفَّ وإلى الأبد
ذكرها التفصيلي ، وإذا أوردها
البعض فإنها تأتي من باب
الدعاية السياسية أو
الاِستذكار الزماني ربما
للاِستفادة من الدروس التي
اِنطوت عليها ، وباتت
وقائعها المكتوبة في مستودع
الأرشيفي التاريخي ، يقوم على
معاينتها من ذوي الإخلاص :
السياسيون المهتمون
والمؤرخون النـزيهون
والمتابعون المدققون .
لماذا كانت صورة الكتابة
السياسية على هذه الشاكلة ؟ ! .
لأنَّ صفحات هذه
الحرب المديدة تحولت من
الرؤية السياسية الظرفية ،
الذي كان يقتضيها تحديد
الموقف السياسي ، إلى الرؤية
السياسية التاريخية بعناصرها
المختلفة وخلفياتها المتنوعة
: الجغرافية والتاريخية ،
زمانها ومكانها ، وما تتطلبه
رؤية هذا الطرف أو ذاك ، على
ضوء المصالح القومية لبلدها
وأمنه الوطني . لذا رأينا
الشـعارات السياسية عند
أطراف المعارضة {وحديثنا
يتناول مواقف القوى السياسية
العراقية المعارضة} :
الداخلية المتوضعة خصوصاً في
شمال العراق أو الخارجية في
مناطق الجوار وفي دول الغرب ،
المستقلة عن الأجنبي أو
المرتبطة التابعة له . . .
رأينا هذه الشعارات تتغير حول
أبعاد هذه الحرب ، وتتطور
أشكالها ومضامينها على ضوء
اِحتدام المعارك ومعادلاتها
السياسية ، تنتقل تدريجياً من
شعار إِسقاط السـلطة أو
النظام وتوقف الحرب ، إلى
شـعار إيقاف إطلاق النار
وإسقاط النظام أو السلطة .
وكانت الحمية عند أصحاب هذين
الشعارين تتصاعد حيناً
وتختفي أو تتوارى أو تنكفيء
أحياناً أُخر . . .
اليوم إذا نظرنا إلى
هذه الحرب نظرة تاريخية
موضوعية لطابع الصراع بين
الدولتين : الإيرانية
والعراقية بكل ما تنطوي عليه
مفاهيم الدولة ، الصراع
العسكري العنيف أو النـزاع
الدبلوماسي غير العنيف ، وما
بينهما ، لرأينا إنَّ إيران
مازالت تحقق أهدافها
السياسية الإستراتيجية على
حساب العراق ، منذ
اِتفاقية أرضروم الأولى في
عام 1923 واِتفاقية أرضروم
الثانية في عام 1947 ومروراً
بأزمة عام 1913 الحدودية ، و1925
عندما تمكنت إيران من اِحتلال
عربستان وضمها لإيران رسمياً
، و1937 وأزمات 1961 و1967 ـ 1968 ،
وصولاً لاِتفاقية 6 / آذار / 1975
التي تمكنت بموجبها من
الاِستحواذ على نصف شط العرب
الذي يتكون من دجلة والفرات
العراقيين . وما تزال تتطلع
إلى المزيد . ولا يمكن تفسير
الخلاف بين العراق وإيران
الدائم بغير ذلك أبداً .
إنَّ تذكر هذه الحقائق
التاريخية بغض النظر عن
تفسيرات مسبباتها يبين
للقاريء الحصيف المدقق
والموضوعي أيضاً : إنَّ عنصر
المبادأة السياسية كان بيد
الإيرانيين دائماً ، مباشرة
عبر الاِعتماد على القوة
العسكرية الإيرانية ، أو بشكل
غير مباشر من خلال الاِستعانة
بأصدقائها في الداخل العراقي))
.
ـ 3 ـ
اليوم تبين الوثائق
أسباب اِندلاع تلك الحرب
وعوامل نشوبها ، وتأتي شهادة
السيد حسين على منتظري : نائب
الإمام الخميني في الدولة
إِبـّان أغلبية مراحل الحرب ،
والشخصية الإيرانية التي لا
تشوب تاريخها الوطني
الإيراني واِلتزامها الديني
أية شائبة ، وموقعه المتميز
في إطار قيادة تلك الحرب أو
قربه من دائرة أصحاب القرار
السـياسـي الإيراني ، مما
يجعله مطلّعاً على بواطن
الأمور وأسرارها . . . تأتي هذه
الشهادة تنويراً لملابسات
هذه الحرب وظروفها ، الأمر
الذي ينبغي اِعتبارها وفق
منطق : ((وشهد شاهد من أهلها))
ذات دلالة هامة :
يعزو السيد منتظري
أسباب اِندلاع الحرب إلى
تركيز الثورة الإيرانية على ((مبدأ
تصدير الثورة)) وما ينطوي عليه
من عدم ((اِعتراف بالحدود
الدولية)) وهو مبدأ يتناقض مع
مفاهيم السياسة الخارجية لكل
دولة تلتزم بمقولات الشرعية
الدولية ، إنَّ الاِلتزام
بهذا المبدأ حولت الدولة
الرسمية إلى مجموعة تصرفات
تقوم على القناعات السياسية
الأيديولوجية ، والجذر
السياسي للأزمة هنا ينبثق عن
رؤية القيادة السياسية
لإيران الفكري والسياسي وفق
رؤية منتظري ـ وهي حقيقة
سياسية ملموسة ـ إنّ القائد
العام للثورة وهو في الواقع
الملموس ((الإمام الخميني كان
يتبنى موقفاً واحداً تجاه
جميع الدول بغض النظر عن
مواقفها واِتجاهاتها
الأيديولوجية ، ويطرح مواقفه
السياسية بشكل حاد للغاية دون
أنْ يحسب لنتائجها وعواقبها
أي حساب)) الأمر الذي يعنى
إدارة الظهر لكل مشكلات قوة
الأطراف الأخرى واِحتمال
تحالفاتها . أولاً .
ودور القوة العراقية
السياسية التابعة لرؤية
القيادة الإيرانية دورٌ هام
في اِستمرار هذه الحرب ، فقد
اِعتقدت القيادة السياسية
الإيرانية إنَّ اِعتمادها
على التركيبة التنظيمية
لمؤسسة ((المجلس الأعلى
للثورة الإسلامية في العراق))
سينـزع عن مفعول الحرب طابع
الحرب ويجعلها حرباً أهلية
شاملة طرفاها : الإسلام
والكفار ، وفي هذا النطاق
يؤكد منتظري على إنه هو
مقترِح تشكيل فيلق بدر وذلك
ضمن خط توفير عناصر الاِنتصار
الإيراني في الحرب من خلال
تجنيد ((العراقيين المنتشرين
في إيران والدول الخليجية
وبعض البلدان الأخرى)) وزجهم
في فيلق بدر ، وهو الأمر الذي
يفسر الطبيعة التكوينية
الفارسية في بدايات تكوينه ،
والمثال الأشهر راهناً على
بقاء هذا التكوين هو مسؤول
ساحتي لندن ما يسمى بالدكتور
حامد البياتي الذي بينت معه
الأنباء إنَّ اِسـمه الفعلي
هو طاهر الأصفهاني ، وبيان
جبر الذي اِسمه الحقيقي باقر
صولاغ وينتمي كلاهما إلى
الأرومة الإيرانية . هذا درس
ينبغي على العراقيين وعيه
جيـداًَ كي لا يكونوا أدوات
بيد الآخرين خصوصاً في
المرحلة الراهنة التي يسعى
الأمريكيون إلى توظيف كل
المعادين للأمة العربية في
منظومة عملهم السياسي ، لا
سيما وإنَّ الحرب العراقية ـ
الإيرانية جرى وقفها رسمياً
دون اِعتبار لمواقف المجلس
وقواته ، واِنصراف الحكيم
للدراسة الدينية في قم قبل
إِعادة تنشيطه وتنشيط المجلس
وقوات بدر في إعقاب عاصفة
الصحراء . ثانياً .
وعن دور الولايات
المتحدة وكيان الاِغتصاب
الصهيوني يؤكد منتظري إنه هو
الذي كشف عن فضيحة إيران غيت ،
وزيارة مكفرلين : مسؤول السي
آي أي إلى طهران والمبعوث
الخاص للرئيس الأمريكي آنذاك
: رونالد ريغان ومحادثاته مع
ممثل القيادة السياسية
والدينية الإيرانية [رفسنجاني
+ أحمد الخميني] حول شؤون
الحرب العراقية ـ الإيرانية
وتطوراتها : الدكتور محمد على
هادي {مساعد وزير الخارجية
الحالي , وسفير إيران السابق
في كل من السعودية والإمارات}
كما يقول السيد منصور
الأحوازي الذي اِستعرض
مذكرات حسين على منتظري .
وصفقات الأسلحة التي أضاء
تفصيلاتها العديد من
الصحفيين الغربيين المهتمين
الذين من بينهم مؤلف كتاب
حروب أمريكا الطويلة في الشرق
الأوسط السيد جون كوولي عامل
أساسـي من عوامل اِستمرار تلك
الحرب . ثالثاً .
أما العامل الأخير
المسؤول عن إطالة مدة تلك
الحرب هو النزعة الشاملة
لرؤية قيادة إيران السياسية
التي أَصرت على مواصلة الحرب
حتى تحقيق الأهداف السياسية
لقيادة الثورة ((الإسلامية))
الإيرانية ، مما فرض منطق
تجاوز الحدود الرسمية لكلٍ من
دولتي العراق وإيران ، ووفقاً
لأقوال بعض العسكريين
الإيرانيين ((ولكن من اليوم
فصاعداً إذا قررنا مواصلة
الحرب بهدف الدخول في الأراضي
العراقية ، فإنَّ ذلك سيعَّد
ذلك توسعاً واِحتلالاً)) وهو
ما سيفرض على منتظري القول
بأنَّ ((تصرفات إيران غير
المسؤولة في مدينة حلبجة
الكردية العراقية هي التي
دفعت بالقوات العراقية إلى
قصف المدينة بالقنابل
الكيميائية)) . رابعاً .
هذه هي عوامل اِستمرار
الحرب منظوراً إليها من طرف
إيراني مخلص لتاريخها
وتاريخه وردت في مذكراته التي
نُشِرت في ملحق الزمان الجديد
المرقم بـ 18 وفي عددها المؤرخ
في فبراير / شباط 2001 أي بعد
ثلاثة عشر عاماً على توقف
الحرب بشكل رسمي وبناء على
إرادة دولية تتحكم فيها
الولايات المتحدة الأمريكية
كما يلحظ جميع المتابعين
المهتمين ، ينبغي على ضوئها
التفكير بوقائعها ملِّـياً
على ضوء الواقع السياسي
العالمي الراهن ، نضعه أمام
القاريء العراقي المهتم ،
الكاتب العراقي المتابع بغية
إعادة النظر في الماضي
والتفكير في الدوافع
والغايات بغض النظر عن الولاء
العاطفي الذي يتسبب في تزيين
بعض الظواهر أو تعتيمها التي
سادت رؤاهما الفكرية
والسياسية .
ـ 4 ـ
يعيش العراق في اليوم
الراهن تحت وطأة اِحتلال
عسكري متعدد الجنسيات ، تحت
أوامر القيادة العسكرية
الأمريكية ، وفي ظل رؤية
سياسية أمريكية يسود منطقها
السياسي والفكري رؤية ((المحافظون
الجدد والمسيحيون
المتصهيونون)) مما يجعل للحرب
طابع حضاري عالمي ، وهو ما
يفرض على الدولة الإيرانية
تحسُـب المستقبل الذي ينطوي
على مخاطر جدِّية ، لن يستطع
المتنفذون الأساسيون تجنبها
بمنطق التنازلات العشوائية
أو المنظمة إذا اِقتصر بعدها
العملي على الاِنصياع لرغبات
الخارج : الأمريكي على وجه
التحديد ، سواء اِتخذت هذه
التنازلات ميدانها الجغرافي
الداخل الإيراني ، أو خارجها :
في العراق وأفغانستان
بالتنسيق مع القوى الحاكمة
التي نصبها المحتلون وأداء
الخدمات السياسية لهما . من
جهة . أو عبر التنسـيق مع
القوى الحاكمة في السعودية
والكويت : إنهما متآمران
سياسياً على إيران مثلما
تآمرا على العراق سابقاً .
من جهة أخرى .
إنَّ الحل للمأزق
السياسي التي تواجهه إيران
يتمثل ـ كما أعتقد ـ في تصعيد
المقاومة ضد القوات
الأمريكية في كلٍ من العراق
وأفغانستان وتوفير الدعم
اللوجستي فيهما للقوى
المناهضة للقوى المحتلة ،
وعدم التعاون على تسليم
الكوادر المقاومة للغزو
الأمريكي في أفغانستان . . .
تسليمهم لحلفاء الولايات
المتحدة العرب وأذنابها من
الأنظمة في المنطقة ، لأن
المقاومين الفاعلين لقوات
الغزو والاِحتلال هم وحدات
وعي مؤثِّرة تحتاجها المعركة
الشرسة ضد الغُزاة
المحتلين الذين يعَّد وجودهم
مخالفاً مناوأً لأية شرعية
دنيوية أو سماوية ، من ناحية .
ولابد من الاِعتماد على
الشعوب الإيرانية بإِعطائها
الحقوق السياسية التي حددها
الدستور الإيراني على الأقل
ووفق معايير مواده الخاصة بكل
شعب ، ينبغي عدم إعطاء ذرائع
للأمريكيين بالقول إنَّ
الديموقراطية السياسية في
إيران مفقودة ، والذين يبحثون
عنها لمواصلة ضغطهم السياسي
على إيران أو ربما شـنَّت
حربهم العسكرية عليها
واِحتلالها ومن ثم تنصِّب
البيادق السياسية التي تأتمر
بالأوامر الأجنبية فوق كراسي
الحكم ، من ناحية أخرى . على
الجميع إدراك عدم تناسب القوى
بين الطرفين : كون أمريكا ليست
الأغنى والأقوى في العالم فقط
وإنما ميزانيتها العسكرية
تبلغ أضعاف الموازنة
الإيرانية كلها ، إذ تبلغ
حوالي أربعة مائة مليار دولار
، من غير الفارق التكنولوجي
بين الطرفين طبعاً .
وما دام الحديث ينصَّب
على ضرورة إعطاء الشعوب
الإيرانية حقوقها السياسية ،
فلا بد من التطرق لإعطاء
مسألة العرب الأحوازيين
الاِهتمام اللازم عند الحديث
حول هذا النقطة بالذات ،
لأنها باتت موقع الاِهتمام
اللازم عند السياسيين/الساسة
الأمريكيين بغية جعلها موطيء
قدم لاِنطلاقها ، والعرب
العربستانيين ـ حسب
اِعتقادهم ـ حلفاؤهم
المستقبلون في إدارة حربهم ضد
إيران ، ولا يجعل هذا التخطيط
نافلاً إلا عبر إعطاء الحقوق
الوطنية والسياسية لأبناء
عربستان ، وبناء الثقة بين
قواهم السياسية من جهة ،
والسلطة الإيرانية النافذة
في القرارات السياسية ، من
جهة أخرى . إن القمع
والاِعتقال والاِضطهاد
والملاحقة والمصادرة وتكميم
الأفواه وعدم السماح لأبناء
عربستان لن يحل أي إشكال
سياسي في أوضاع إيران ، إذ
أنَّ الحل الأمني لا يؤدي إلى
أية نهاية إيجابية ، إنما
الحل ، كل الحل ، يكمن في
الحلول السياسية والطرق
الإيجابية في تذليل
الاِختلافات وتذويب الصعاب ،
فهل الطرف الحاكم : الطرف
الأساسي في تقرير مصائر
ونتائج هذه الاِختلافات يدرك
عميقاً إلى أية هاوية غائرة
ستجرها تفاقم هذه
الاِختلافات النابعة عن
الأزمة السياسية قبل أنْ
تتحول إلى أزمة سياسية عامة
لا يمكن حلفها إلا على أساس
الغزو الأمريكي المحتمل .
إنَّ تواجد القوات الأمريكية
في طرفي إيران الشرقي والغربي
: الأفغاني والعراقي ، إضافة
إلى تمترس قواتها في كل منطقة
الخليج العربي ، وتفردها في
القرارات السياسية على هذا
الصعيد ، فضلاً عن دور كيان
الاِغتصاب الصهيوني في
المنطقة وقواعـدها في تركياً
يجعـل خيارات محدودة جداً على
صـعيد المجابهة ، ولن يجعلها
مؤثرة ـ وليست ناجزة قطعاً ـ
على آفاق الحرب المتوقعة
ونتائجها سوى الاِعتماد على
الشعوب الإيرانية
وإمكانياتها الذاتية .
إنَّ قيادة أمريكا
الراهنة خاصةً والولايات
المتحدة بشكلٍ عام تعتقد
وتؤمن إنَّ دورها على الصعيد
العالمي مع تفردها ((لا تقبل
القسمة والتوزيع)) في تحمل ((مسؤولية
القرار العالمي)) على المستوى
السياسي كله ، وفيما يتعلق
بإيران تؤكد التعليمات
الصادرة للرئيس بوش بضرورة ((ردع
إيران عن اِمتلاك أية أسلحة
متقدمة ، والمهم في حالة
إيران أن تكون إجراءاتك ضد
القيادة الإيرانية وبدون
تأثير على الشعب الإيراني)) {كذا
: أي فصل العصا عن لحاها كما
يُقال} . والرؤية الأمريكية
تركز على ضرورة التغيير في
إيران بعد نجاحها في غز
العراق واِحتلاله ، وفي هذا
النطاق تؤكد التعليمات على
ضرورة اِنتهاج خط سياسي
متناغم قوامه ((تشجيع
المعتدلين في إيران ضد
المتطرفين ، وأنْ تصل من وراء
الاِثنين مباشرةً إلى الشعب
الإيراني : شجِّع السياحة بين
إيران والغرب ـ شجِّع القطاع
الخاص في إيران ـ اِبحث عن
قنوات لحوار مع القوى
الديموقراطية في إيران))
ومفهوم القوى الديموقراطية
يتلعق بالقوى الملكية
الشاهنشاهية السابقة ، كما
يبدو ، وذلك على ضوء
الإجراءات التي اِتخذتها
الولايات المتحدة ضد كوادر
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية
في العالم .
إنَّ الرؤية
الأمريكية بصدد الموقف من
إيران يجعل من وضع الأيدي على
القلوب راهنا ، خوفاً على
تطبيق المثال العراقي في
إيران ، وتلك تقتضي المراجعة
الفكرية والسياسية الشاملة
لمجمل السلوك الإيراني :
السياسي خصوصا ، القومي
الفارسي والطائفي المذهبي ،
وتلك مسؤولية القيادات
السياسة النافذة في إيران ،
وهي نصيحة من مواطن عربي مخلص
يأمل إنْ تؤخذ بنظر الاِعتبار
.
22 / 9 /2003
باقر الصــرّاف : كاتب عراقي
مقيم في هولندا
|