القائمة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الجهاد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إن القرآن و السنة النبوية الشريفة يعبران عن كل الفعاليات الإصلاحية التي تؤدي إلى صلاح الإنسان و المجتمع بكلمة الجهاد، و هذا ينطبق على جميع نشاطات الحياة مثل :

1 ــ الدفاع عن الأرض و العرض و العقيدة .

2 ــ الحفاظ على العائلة و موازينها الأخلاقية من الضياع.

 3 ــ تهذيب النفس من العوالق و العادات السيئة المزمنة.

4 ــ العمل من أجل خلق مجتمع متحضر يتناسب مع إنسانية الإنسان.

5  ــ المحافظة علي البيئة من الملوثات البيئية.

 6 ــ السعي للمحافظة علي نزاهة المجتمع الإنساني و تنظيفه من الفساد و مما لا يليق بكرامة الإنسان.

7 ــ تحقيق العدل و المساواة بين الطبقات الاجتماعية المختلفة و إعطاء كل ذي حق حقه.

 8 ــ محو الأمية و رفع المستوي الثقافي و رفع المستوي المعيشي للفرد و المجتمع.

 كل ذلك يتم من خلال الدعوة بالكلمة الطيبة و بالتي هي أحسن ، فإذا لم تنفع الكلمة يتم استخدام اليد و العصا و لذلك يقول الحديث الشريف:

((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فمن لم يستطع فبلسانه  فمن لم يستطع فبقلبه و ذلك اضعف الإيمان))

إذن الجهاد ظاهرة يرجع تاريخها إلى وجود الإنسان و قد اثبت لنا التاريخ على مر العصور أن ابتعاد الإنسان عن الجهاد أدّى به دائما إلى ما لا تحمد عقباه، و المنكر أيضا ظاهرة يرجع تاريخها إلى وجود الإنسان يوم اختلف الأخوان هابيل و قابيل حين قدما قربانا فتقبل من احديهما و لم يتقبل من الآخر .. و المنكر هو كل ما ينافي الفطرة الإنسانية،  فطرة الله التي فطر الناس عليها و من أحسن من الله فطرة، و الجهاد كالنهر الجاري بالنسبة للعطشان إذا شرب منه ارتوي و إذا لم يشرب منه بقي عطشانا. و  بداية كل منكر ضعيفة  فلا يحتاج إلا إلى جهدا يسيرا للقضاء عليه، و عدم القضاء عليه من البداية يأتي من عدم اهتمام الإنسان به لصغره و قلة شانه و لذلك تتهيأ للمنكر الضئيل البيئة الصالحة للنمو و الانتشار، فيكبر حتى يصبح غولا لا تستطيع الآليات الابتدائية للجهاد أن تقلعه من صميم المجتمع و عندها يضطر هذا المجتمع بتقديم اثمن التضحيات النفسية و المالية في سبيل رجوع الأوضاع إلى ما كانت عليه من استقرار الضمير و الوجدان و هذا ما يحذرنا منه القرآن الكريم حيث يقول: ((و اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)) أي احذروا و اجعلوا بينكم و بين بعض الفتن وقاية، لأن الفتنة لو أحلت بالمجتمع لا يعود ضررها على مسببيها فقط بل تعمكم جميعا دون استثناء. و لنضرب أمثال من التاريخ و القرآن:

1-  شخص من بني إسرائيل قتل إسرائيليا و رمى بالجثة على باب شخص آخر حتى يدفع عن نفسه التهمة و الشكوك. فأحدثت هذه القضية جدلا واسعا بينهم حول البحث عن الحقيقة حتى قال لهم موسى (ع) إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة تمسحوا بها الميت ليحيا و يخبركم عن قاتله.. فلم يأتمر بني إسرائيل بهذا الأمر البسيط لحل الفتنة و أرادوا وصفها و شكلها و شما يلها حتى أدى بهم الأمر إلى بقرة ذات مواصفات معينة لا توجد إلا عند فرد من أفرادهم ما أعطاهم إياها إلا بملء جلدها ذهبا.

2-  بني إسرائيل عبدوا العجل من بعد أن أنجاهم الله من آل فرعون الذين كانوا يسومونهم سوء العذاب يذبحون أبناءهم و يستحيون نساءهم، فجاء أمر الله بان يقتلوا أنفسهم تكفيرا لذنبهم و شركهم بالله ما لم ينزل به سلطانا، فكان الأب يقتل ابنه و أخاه و الابن يقتل أباه حتى قتلوا من بعضهم ستمائة ألف.

3-  إسرائيل كانت ضعيفة قبل 50 سنة و كان من الممكن القضاء عليها في ذلك الوقت بأسهل السبل و لكن تجاهلها العرب حتى أصبح قلعها الآن يحتاج إلى قتل و تدمير و تقديم شهداء و زعزعة امن و استقرار و مجتمع متكاتف.

4-  إيران اغتصبت عر بستان من الوطن العربي و لم يحرك العرب ساكنا حيث كانت الأوضاع سهلة في تلك الأثناء ، واليوم تدعي إيران أن عر بستان جزء لا يتجزأ من ترابها  و ستبذل الغالي و النفيس من اجل الحفاظ عليها حتى و لو أدى ذلك إلى قتل الناس جميعا.

 

هذا ما يؤدي بنا إلى أن نعترف بالفشل الذر يع للإنسان المسلم جرّاء ابتعاده عن اصل من أصوله الإنسانية و الدينية و الدنيوية ، والتفافه حول الأنظمة و القوانين الوضعية ظنا منه بأنها ستؤدي به إلى ساحل السعادة.

إن الله تبارك و تعالى أودع  بداخل الإنسان روحا و غريزة و كرّمه عن باقي المخلوقات بالعقل و قدرة الاختيار و سخّر الكون كله لخدمته و انزل عليه من السماء رسالات تهديه إلى طريق النجاة و بعث إليه من نفسه أنبياء و رسل يعلمونه و يهدونه إلى كيفية تطبيق الرسالات، و بما انه ميال إلى النسيان و متعلق قلبه بما حرم الله و هناك مغريات تصعب عليه اختيار الأصلح،  لذلك فهو يحتاج إلى تذكير مستمر بواجباته التي تعود منفعتها لنفسه و لمجتمعه الإنساني و من ضمن هذه الواجبات، التمسك بالروح الجهادية البناءة .

و يأتي التذكير بطريقة محببة للإنسان ، فيقول الله في كتابه الحكيم:

((إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص))

 فوسائل القتال تشمل السيف و الصلاة و الصيام و الزكاة و الصدقة و الإرادة و التقوى و الإيمان و القلم و العلم و الصبر و التعقل و التدبر و العفو و القصاص و احترام الجار و الإيثار و الإحسان و.. و.. و الخ

فالتغيير إلى الأفضل يحتاج من المجتمع أن يحمل هذه الصفات، و كما قلنا إن التغيير يحتاج إلى تضحيات و أن الأوضاع الفعلية تحتاج إلى تضحيات كبيرة جدا لترجع إلى حالتها الطبيعية و تقديم التضحيات بهذا الحجم سيؤدي إلى تهديد الاستقرار و فقد الأمن الاجتماعي و الركود الاقتصادي و القتل و ما إلى ذلك من زعزعة الأوضاع التي اعتاد عليها الإنسان، و لذلك يقدم لنا الحق جل و علا عوضا عن كل هذا تجارة لا تضاهيها التضحيات التي ستقدم لا من حيث الكم و لا من حيث الكيف لتشويق الإنسان للإقدام بهذا العمل فيقول:

((يا أيها الذين امنوا هل أدلكم عن تجارة تنجيكم من عذاب اليم.. تؤمنون بالله و رسوله و تجاهدون في سبيل الله بأموالكم و أنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.. يغفر لكم ذنوبكم و يدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار و مساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم.. و أخرى تحبونها نصر من الله و فتح قريب))

فيضع الله أمام الإنسان الجنة و النصر كخيارين مقابل نفسه الزائلة و ماله المتروك وراءه، و هو يريد من الإنسان أن يطابق قوله عمله لان الإيمان بلا عمل أو العمل بلا إيمان لا يؤدي بالمجتمع إلى النتائج المطلوبة فيقول الله عز وجل:

((يا أيها الذين امنوا لمَ تقولون ما لا تفعلون .. كبٌُرَ مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)) .

و يحذرنا من الأسباب و العوامل التي  تجعل المجتمع يتثاقل من بذل ألغال و النفيس في سبيل خلق المجتمع الفاضل و إحقاق الحق و إبطال الباطل فيقول:

((قل إن كان آباؤكم و أبناؤكم و إخوانكم و عشيرتكم و أموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها أحب إليكم من الله و رسوله و جهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره و الله لا يهدي القوم الفاسقين)) .

فمنطق الله يقول أن على الإنسان أن يحب المعطي أكثر من العطاء و أن يحب الخالق أكثر من المخلوق و ان يحب الرزاق أكثر من الرزق، و المعطي و الخالق و الرزاق واحد و هو الله الذي يريد من الإنسان أن يعبر عن حبه له ببذل أغلى ما عنده في سبيله، و أغلى ما عنده حسب ما ذكر في الآية الكريمة هم الآباء و الأبناء و الأخوان و العشيرة و الأموال و التجارة و المساكن علي التوالي.

إن الروح الجهادية السامية هي التي تبعث الحياة في الأمة وها نحن نتلمس عودة هذه الروح إلى الأجساد في مختلف بقاع الوطن الإسلامي، وأيضا هناك بقاع ما زال أهلها ميتون ، لذلك يجب عليهم استعادة هذه الروح إلى قلب المجتمع من خلال:

1-  التمسك بتعاليم العالم بخصائص الإنسان ، والأدرى بمصلحته و الأقرب إليه من حبل الوريد و ترك القوانين و الأنظمة الوضعية.

2-  البحث عن القدوات الصالحة الذين يجسدون القيم الإنسانية المتماشية مع فطرة الإنسان على أنفسهم بحيث ينعكس التطبيق على سلوكهم.

3-  انتخاب القدوات من صلب المجتمع لأنهم سيلقون الاستجابة و الاحترام و الطاعة من قبل أهلهم أفضل من المجتمعات الغريبة عنهم و ذلك لان العامل القومي يلعب دورا هاما في تحريك الشعوب و الله سبحانه و تعالي اختار أنبياءه من بين أقوامهم.

4-  التأكيد على توعية شباب المجتمع لأنهم بخلاف الكبار، أكثر حرصا على التجدد و استقباله و لم تتجذر مصالحهم في صميم الأوضاع الراهنة لمجتمعهم.

5-    التأكيد على توعية المرآة و الاهتمام بدورها الحساس باعتبارها :

 أولا : محدثة الليل و تعمل كسلاح ذو حدين من شانه أن يبث في الرجل الحيوية و النشاط أو أن يثبط عزيمته و يعلق به إثقالا تحد من تحركه و نشاطه .

 ثانيا : باعتبار المرآة أم المجتمع تربي أبناءه، و بما أن الدراسات تثبت ميول الأبناء إلى جانب الأخوال أكثر من الأعمام لذلك عوامل مثل قومية الأم و انتماءها الديني و مستواها الثقافي و خلفيتها العائلية لها تأثيرها المباشر على المجتمع ..... و الحديث يقول ((تخيروا لنطفكم فان العرق دساس)).

 

 

 

مع تحيات مركز الدراسات العربستاني

4/11/2003 الموافق 9/رمضان/1424