المصالح الأمريكية وغيبوبة
الوعي العربي والإسلامي
والأحوازي بشكل خاص
موقع عربستان
ـ أبو فراس
جميعاً نعترف أن الولايات
المتحدة الأمريكية دولة عظمى ، بل هي الدولة الأعظم في العالم اليوم بعد
إنهيار الإتحاد السوفييتي ، ومن حق الولايات المتحدة البحث عن مصالحها
والدفاع عن تلك المصالح ، ومن حقنا نحن كذلك كشعوب مقهورة ومغلوبة على
أمرها في البحث عن مصالحنا، فلا يمكن أن تحافظ الإمبراطورية الأمريكية على
دوامها إلى أجل مسمى دون المحافظة على مصالحها وبشتى الطرق والوسائل
وبعيداً بل وبعيداً جداً عن المثل والقيم العليا والتي تحاول الدبلوماسية
الأمريكية من خلالها تبرير وتمرير مشاريعها وهذه ليست أخلاق سياسية
مُستحدثة بل أن هولاكو قال أنه قادم لتحرير الناس من الظلم والإستبداد.
النظام الرأسمالي من إحدى
زواياه و ببساطة هو نظام وراثي ، فجميع الشركات العملاقة التي تسيطر على
رأس مال السوق العالمي وتتحكم بكل صغيرة وكبيرة في السياسة الدولية هي
شركات مملوكة لأفراد أو أسر ، ولامجال لديمومة الثروة إلا بتوسعها ولامجال
لتوسعها إلا بإحتكار السوق ، ولامجال لإحتكار السوق إلا من خلال فرض
السيطرة السياسية وهيمنة القوة العسكرية ، والإحتكار يتنافى وجميع المبادئ
والقيم الإنسانية ، وهذا أساس مبسط لكي نفهم من خلاله عقلية السياسة
الأمريكية لعلنا نتمكن من إبتداع طريقة ناجعة للتعامل مع هذه العقلية .
ولكي لايتجاوز أحد على الحقائق ، علينا أن نعترف أن مبدأ التعامل مع
الولايات المتحدة يجب أن يكون على مبدأ المصالح وليس على مبدأ المثل العليا
والقيم ، وبما أن قضية تحريرأي شعب من سلطات إستبدادية هي قضية مبدأ وقيم
إنسانية عليا ، إذاً يجب أن لانربطها بأي شكل من الأشكال بالولايات المتحدة
الأمريكية ، وإن لا نسمح عن طريق خلق المبررات للولايات المتحدة التدخل
في هذا الشأن خصوصاً حينما نكون نحن الطرف الذي يقع على الهامش.
فالولايات المتحدة لاتتدخل
لتحرير أو لحماية شعب إنما تتدخل على حسب ماتمليه الضرورة المصلحيّة ، وحين
نقول إننا الطرف الذي يقع على الهامش فنعتقد أنه توصيف دقيق لحالة اللانضج
السياسي والنخبوي والإجتماعي التي تصاحب حركة المجتمع، وبالتأكيد فإن هذه
الظاهرة ليست تفصيلية بل هي ظاهرة عامة وهناك ظواهر تفصيلية إيجابية تصاحب
حركة المجتمع لكنها لم تصل لمرحلة النضج السياسي العام بحيث تفرض معطيات
جديدة على الأمر الواقع تجعل الحكومة الإيرانية ((في الحالة الأحوازية))
مجبرة على التعامل معها بجدّية ، فكيف بها وأعني ((الحركة المجتمعية)) إذا
ماتعاملت مع جهة أجنبية لا تستطيع حتى من توجيه سؤال ((وماذا بعد ؟)).
الظاهرة العراقية ظاهرة متطورة
و مختلفة تماماً عن ظاهرتنا ((الأحوازية))ومع هذا لم تستطع من إبرام إتفاق
مصلحة مشتركة بين طرفين من خلال إحتلال العراق،لأن المعادلة لاتستقيم وسوف
نوضح هذه المسألة لاحقا . فالولايات المتحدة تعاملت بشكل متميزمع أعتى
دكتاتوريات العالم بل وساهمت في صنع تلك الدكتاتوريات وساهمت بإفشال ثورات
شعبية في مختلف بقاع العالم ، والأمثلة كثيرة ولاحصر لها، وهذا تصرف طبيعي
تمليه ضرورة المصلحة.
الثروة والقوة لاينفصلان عن
بعضمها البعض ، وهذه القاعدة تفسر لنا سر الإستبداد في العالم على مختلف
صعدهِ . فنظرة سريعة على جميع الأنظمة الشمولية الإستبدادية نجد أن ثروات
الشعوب التي تتحكم بها الأنظمة أو الأسر الحاكمة تتطلب سياسات محددة للحفاظ
عليها وهذه السياسات تفرض واقع الإستبداد على الشعوب ، لسببين وهما :
1 ـ
عدم وعي حركة الشعوب.
2 ـ
هيمنة القوى المضادة.
ولذلك أصبحت دولنا أمثلة
لتطبيق غير واعي لمفهوم الرأسمالية الغربية. فالنظام العراقي السابق على
سبيل المثال ، كان مثالاً سيئاً لإحدى الشركات الرأسمالية ، فالرأسمالية
بُنيت على أساس((الأمن والإستقرار)) ، وهذا لن يتحقق إلا بإبعاد المواطن عن
السياسة ، وأفضل طريق لإبعاد المواطن عن السياسة هو رفاهيته ومنحه كافة
حقوقه المدنية ، وهذه الرفاهية تتطلب تدفق الأموال من الخارج للداخل وهذا
لا يتم إلا من خلال حركة صناعية وإنتاجية متطورة خصوصاً في الدول الكبيرة
نسبياً ...
في الدول المتخلفة جداً مثل
دولنا في الشرق الأوسط ، لا تستطيع الأنظمة الإستبدادية تأمين((الأمن
والإستقرار)) عن طريق الرفاهية وحقوق المواطن ، لذلك تلجأ لأسلوب ترهيب
المواطن ومصادرة حقوقه للحصول على الأمن كنتيجة لخوف المواطن من السلطة
وليس إحترامها ، وبالنتيجة فالأنظمة في دولنا عبارة عن شركات رأسمالية ولكن
بطريقة مقلوبة ، وهذا العجز ليس بسبب عدم توفرالإمكانات المتاحة ولكن بسبب
فلسفة الثروة والقوة اللتان فُرِضتا على عقليتنا ، فمن جانب
، فثروة الأنظمة الحاكمة هي ليست ثروة مكتسبة عن طريق الإنتاج بل هي ثروة
منهوبة من الثروات الطبيعيّة للشعوب ، ومن جانب آخر، فنحن شكلنا دولاً
بالمفهوم الحديث على أساس ما هو كائن وليس على أساس مفهومنا نحن للدولة ،
وغالباً مايكون التقليد غير مطابق لمواصفات المُقلّد .وهكذا تعاملت
الولايات المتحدة مع الدول الإستبدادية على أساس أنها دول رأسمالية وطريقة
تعاملها الإستبدادي مع شعوبها تُيسّر تدفق الأموال منها إلى الدول الغربية
، ولكن الطرق تتبدل وتتغيرالأساليب على أساس المصالح العليا للشركات
العالمية.
وبما أن((الأمن والإستقرار))
في تلك الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة بات مهدداً بالخطر ، وهذا يعني
أن مصالح الشركات مهددة أيضا ،(( تداعيات 11سبتمبر)) فهنا فرضت الضرورة
إتخاذ سياسات جديدة الهدف منها المحافظة على أمنهم وإستقرارهم وبالتالي ليس
أمننا وإستقرارنا . ولا نعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية عاجزة عن
تأمين حماية للشعب العراقي بعد أن إحتلت بلدهم ولكن هذه المسألة ليست واردة
في أجندة الحكومة الأمريكية ، فليس من أهدافها تحقيق أمن وإستقرار
في العراق بل أن هدفها الحقيقي ـ بعد البعد الجغرافي السياسي للعراق ـ هو
نقل المعركة إلى ساحة إختارتها بدقة وعناية لكي تجعل كيدنا في نحرنا .
فأمريكا أعلنت الحرب ضد الإرهاب ، و إحتلال أفغانستان لم يكن هو الهدف
الحقيقي بل كان المرحلة الأولى لإعداد ساحة الحرب ثم إستدراج المقاتلين
إليها فـ ((جماعة القاعدة)) جعلت من أفغانستان بؤرة إنطلاق لها وليست ساحة
معركة ضد الولايات المتحدة ، وأمريكا كانت تعلم هذا جيداً ، ولذلك كان يجب
إخراج القاعدة من أفغانستان وإستدراجهم لساحة أكثر فاعلية من وجهة
النظرالأمريكية فالذين شنوا الحرب على أمريكا لم يكونوا أفغاناً بل كانوا
عرباً ، إذن يجب أن تكون ساحة الحرب على الأرهاب أرض عربية ، والعراق هو
أفضل ساحة معركة ، فظروف إحتلاله أصبحت مهيئة ، جغرافيته السياسية مثالية ،
و سوف تسمح بتدفق أعداد كبيرة من الإرهابين ، و أن تركيبته السياسية
والإجتماعية والطائفية والأثنية التي خلقها النظام السابق ستهيأ الأرضية
لإستقطاب الإرهابيين وتأمين الدعم اللوجستي لهم. فإحتلال العراق كان هدف
أمريكي وليس رغبة من المعارضة العراقية او لتحرير الشعب العراقي ، فلو كان
الإتفاق بين ((بعض)) المعارضة العراقية والولايات المتحدة الأمريكية إتفاق
مصلحة متبادلة لأكتفت أمريكا بإسقاط النظام دون حل الأجهزة الأمنية ووزارة
الدفاع مع الإتفاق المسبق على جدول زمني للإنسحاب من العراق . وصورة
الإنتخابات العراقية التي شهدناها مؤخراً كانت إرادة عراقية لتجاوز محنة
الإحتلال و لم تكن نتيجة للإحتلال الأمريكي .
الهدف الأمريكي من إيران
....
بالنسبة لإيران فالهدف مختلف
تماماً ، فالقاعدة الرأسمالية الإيرانية قاعدة متطورة في المنظور الرأسمالي
والمتمثلة في (البازار) ، والدولة الإيرانية الحديثة من حيث التركيب هي
منتج غربي فوالد الجنرال شوارسكوف قائد قوات التحالف في حرب الخليج الثانية
هو الذي أسس جهاز الإستخبارات الإسرائيلي (الموساد) وهو نفسه الذي أسس جهاز
الإستخبارات الإيراني (السافاك) وأرسى دعائمه ، والأمريكان ساهموا بشكل
بنّاء في كيفية عمل الأجهزة الأمنية (الجندرمة) و(الشهرباني) وكذلك جعلوا
من جيش الشاه القوة الرابعة في العالم كما كانوا يروجون في تلك الأثناء ،
ولازالت هذه الأجهزة تعمل بنفس الكيفية وعلى نفس الأسس، وخبرات الأجهزة
التي أستحدثت بعد الثورة لم تأتِ من عدم.
ثم أن الثقافة الغربية التي
إكتسبها الشعب الفارسي خلال الخمسون عاماً قبل الثورة ، لم تستطع الثورة
لحد الآن من إزالتها ، وإذا ما أضفنا إلى ذلك الإرث التأريخي للفرس فسوف
نجد أنهم يشكلون حزام أمان يحيط بالأمة العربية من شرقها ويسيطر على الخليج
العربي سيطرة كاملة.
أمريكا تسعى لإسترجاع إيران
إلى حضيرتها ، وإيران تتصرف مع أمريكا اليوم على أساس أنها دولة قوية في
المنطقة وتستطيع أن تشارك كطرف فاعل في تحديد مصلحتها ومصالح الآخرين وهذه
النظرة أيضا ترجع لأسباب تأريخية أثرت كثيراً في سايكلوجية الشعب الفارسي
وصناع القرار فيه ، بإعتبارهم جزء من هذه السايكلوجية ، فهي تمتلك أي
((الحكومة الإيرانية)) من الأوراق السياسية كالبعد المذهبي الشيعي في
العراق ولبنان وفي معظم دول الخليج ما يستطيع أن يؤثر سلباً على المصالح
الأمريكية في المنطقة ، وتمتلك من القوة العسكرية مايجعل الإحتكاك المباشر
معها يعرّض مصالح العالم كلها للخطر من خلال موقعها على الخليج العربي
وسيطرتها على مضيق هرمز.
فإذا ما أستبعدنا الإحتكاك
العسكري بين الدولتين يبدو أن خلق حالة فوضى في إيران قد يتمخض عنها نتائج
عكسية تضر بالمصالح الأمريكية في المنطقة ثم أن أي تغيير سياسي فوضوي
دائماً يصبح خارج السيطرة ومن الصعب التحكم بنتائجه وأمريكا لاتريد وضعاً
فوضوياً إيرانياً خارج السيطرة، ولذا فإن أمريكا تنتهج أسلوبين في آن ٍ
واحد مع إيران ، أحدهما : الحوار بصورة مباشرة و غير مباشرة مع
النظام الإيراني و ذلك عن طريق بعض الدول الأوربية وهذا ما تعوّل عليه
أمريكا بحيث تتم الصفقة بإمتلاك إيران للسلاح النووي((إن تطلب الأمر ذلك))
لأن هذا الأخير يعطي شرعية للسلاح النووي الإسرائيلي في المنطقة ، وعلى
أساس أن تدفع إيران سوريا بإتجاه الإنسحاب من لبنان والدخول في عملية
التسوية مع إسرائيل وأن تدفع من جهة أخرى حزب الله اللبناني بأن يتحول إلى
حزب سياسي بعد نزع أسلحته ، بالإضافة إلى دور فاعل في العراق على حسب
الأجندة الأمريكية وتغيير بعض بنود الدستور الإيراني بما يتلائم وروح
العصر.
والنهج الثاني الذي
تمارسه أمريكا ولكن كمجرد أداة ضغط على إيران لتحقيق السيناريو الأول هو
خلق تكتل سياسي للمعارضة الإيرانية ولحركات القوميات غير الفارسية ، ورغم
عدم فاعلية المسعى الأمريكي في هذه الإتجاه نتيجة عدم فاعلية هذه التكتلات
وحجم تأثيرها على الساحة الداخلية ولكن هذا يدخل في مضمار أسلوب
الدبلوماسية الأمريكية لإضفاء الصورة الأخلاقية على سياستها الخارجية من
خلال تعاملها مع حركات سياسية تستخدم النصوص الجامدة للقانون الدولي .((كل
قانون له نصّ جامد ومضمون)) وحين تطالب تنظيمات سياسية لاحول لها ولاقوة
((بحق تقرير المصير)) فهي في هذه الحالة إختارت النص وتركت المضمون ، وكل
دول العالم بما فيهم الولايات المتحدة تتعامل مع هذه الحركات السياسية على
هذا الأساس ((ولذلك نحن أخترنا أن نقف على الهامش)).
*هناك أمثلة صحيحة لحركات
تطالب بحق تقرير المصير وعلى سبيل المثال :
1 ـ أكراد العراق بحزبيه
الديمقراطي والوطني .
2 ـ جورج قرنق في جنوب
السودان.
3 ـ الساقية الحمراء ووادي
الذهب.
ولكن هل ستوافق الحكومة
الإيرانية على الشروط الأمريكية ؟ أم ستحاول الدخول في مفاوضات مباشرة مع
أمريكا بعد إعلانها عن إجراء أول تجربة تفجير نووي ناجح بدون الحصول على
الضوء الأخضر من أمريكا ؟؟؟.
فالجمهورية الإسلامية في إيران
تواجه أزمة شرعية حقيقية بين مبادئ الثورة التي أرسى دعائمها الإمام
الخميني و يمثلها اليوم السيد خامنئي وبين الضرورات التي يتطلبها النظام
في خضم ضغوطات دولية شديدة.
ولذلك تسعى الحكومة الإيرانية
للخروج من هذه التناقضات بصورة مُشرّفة بحيث لا تفقد الثورة مصداقيتها ثم
شرعيتها وذلك عن طريق حلحلة مشاكلها الداخلية لتمتين الجبهة ، والمماطلة
السياسية إلى حين الإعلان عن نجاح أول تجاربها النووية ثم تدخل مباشرة مع
أمريكا في مباحثات من موقع أفضل وهذا الإتجاه يقوده((اليمين المتطرف))،
والإصلاحيون مستعدون للتنازل عن كل شيء بمقابل شيء واحد ((فارسية إيران)).
دور القوميات في إيران
.....
تعرضت القوميات غير
الفارسية في إيران إلى فترة إضطهاد وإستبداد شديدين منذ بدايات القرن
العشرين ، وأستمر الحال على ما هو عليه حتى في ظل نظام الثورة الإسلامية ،
مما أدى إلى خلل كبير في البُنّى التنظيمية والإجتماعية والثقافية لهذه
القوميات ، ثم إنطلقت بعض النخب السياسية للقوميات للخارج لتطرح مشاريع
سياسية وتتمسك بخطاب سياسي بغض النظر عن المخاطر الآنية الجسيمة التي
ستواجهها شعوبهم وبغض النظر عن إنعكاسات هذه المخاطر على شعوبهم وعلى
المنطقة في المستقبل. وبدون أن يأخذوا بعين الإعتبار إنعكاسات الماضي
والحاضر و تأثيراتها على المستقبل.
ومن خلال متابعة المشاريع
السياسية المختلفة اللغات ، المتشابهة النصوص نجد أن مجمل هذه المشاريع
يعتمد في حقيقته على تدخل قوى خارجية إذا إعترفنا أن تلك المشاريع غير
قابلة للتطبيق ضمن القدرات الذاتية للشعوب ((فالنصوص متناقضة مع
المضامين)). ونسيت النخب السياسية في القوميات أن القوى الخارجية تتدخل فقط
متى ما تطلّب أمنها القومي ومصلحتها ذلك وليس بناء على ما تشتهيه تلك النخب
، وإن المسألة تتعلق بضرورات أمن القوى الخارجية المدعوة للتدخل ولذلك فإن
تلك الضرورات قد تأتي وقد لا تأتي أبداً، وإن أتت هذه الضرورات فإن
القوميات ستكون أدوات وليست عناصر تتحكم في المعادلة السياسية وأن الشعوب
هي التي سوف تدفع فاتورة الدم والمال .
هناك عدة حقائق يمكن أن تدركها القوميات وتتصرف بحكمة
إزائها وخصوصاً نحن العرب في عربستان.
1 ـ
إن الأزمة ليست مع النظام
الإيراني بل بما يمثله هذا النظام . والنظام يمثل القومية الفارسية ، أي أن
أزمة القوميات تتعلق بقومية فارسية تسكن قلب إيران وتحتكر وتسيطر على كل
مرافق و أجهزة و مؤسسات الدولة الإيرانية ....
وحينما نحجم الأزمة مع النظام
الإيراني وهو لايمتلك كل مفاتيح الحل ، فإن أي نظام إيراني بديل سوف يسير
بنفس النهج بما يتعلق وحقوق القوميات ، وربما يكمن وراء هذا ـ تجميد
المادتيين (15 ـ 19) من الدستور الإيراني والمتعلقتين بحقوق القوميات ،
فالمادتان جُمِدتا كمطلب قومي فارسي ذعنت له السلطة فأذلت الدستور من خلال
تجاوزها عليه تحت غطاء الأمن القومي . ونستشف هذه الحقيقة من خلال الخطاب
السياسي للمعارضة الفارسية في الخارج أيضا وعدم تطرقها لحقوق القوميات ،
ولكنها إضطرت مؤخرا لطرح مشروع الفيدرالية على أساس الأقاليم وليس
على أساس القوميات .
2ـ
إن القوميات غير الفارسية تتعامل بالمقابل مع موروث تأريخي وعقائدي للقومية
الفارسية . ومن هذا المنطلق فإن صيغة الخطاب إذا تجاوزت لغة الحوار فإنها
تتجه نحو التصادم ، والتصادم في مثل هذه الحالات يؤدي بالنتيجة إلى تصفيات
عرقية ومجازر بشرية تعقد المشكلة وتحول الصراع المرحلي إلى صراع مُزمن.
3ـ
إن القوميات جميعاً ومن ضمنهم القومية الفارسية يعيشون على بقعة جغرافية
واحدة بدون حدود سياسية تقريباً منذ بداية القرن العشرين ، وهذه البقعة هي
جزء من جغرافية الشرق الأوسط ، والكل يعلم أن إيران دولة معقدة التركيب
قومياً وسياسياً بشكل يختلف تماماً عن العراق ((في العراق قومية واحدة كانت
ومازالت لها مطالب خاصة وهي القومية الكردية وهي تمتعت بحكم ذاتي منذ عام
1974م وفي حالة شبه إستقلال منذ عام1991م)). ففي إيران لاتوجد خلفيات لأي
حق من حقوق القوميات تمهد أرضية حوار لحل مشترك إلا مع ((النظام القائم
نفسه)) . ولذلك فإن القوى الخارجية لن تتدخل فوضوياً لأن الوضع في إيران
سيؤثر سلبياً على مجمل الخارطة السياسية للشرق الأوسط وسوف يهدد مصالح
دولية .
4ـ
إن أزمة القوميات هي نتيجة تراكمات مصالح دولية وصراع قوى كبرى إبتدءاً من
الدولة العثمانية والدولة الصفوية ، والثورة الصناعية وبروز البترول كعامل
حسم فيها ، ثم الحرب العالمية الأولى وإتفاقيات سايكس بيكو، والحرب
العالمية الثانية ، ونشوء الدولة الإسرائيلية ، والحرب الباردة بين القطبين
، ثم حروب الخليج وآخرها ما يسمى بالحرب ضد الإرهاب. فمن الصعب جداً
إستحداث واقع جديد للقوميات غير الفارسية بدون الأخذ بعين الإعتبار كل تلك
المراحل التأريخية وتداعياتها ، ولايمكن إزاحة تلك الرواسب التي شوهت
كثيراً من الحقائق التأريخية بين عشية وضحاها وبخطابات سياسية غير مسؤولة
لاتعي خطورة المرحلة.
ففي الوقت الذي فرضت فيه
المصالح الدولية واقع غير إنساني على القوميات غير الفارسية في إيران تحملت
القومية الفارسية هذا الوزر غير الإنساني وأصبح جزء من ثقافتها وكأنه حق
مُكتسب وإمتداد للماضي العريق لهذه القومية ، وقد يتيح الحوار بين الأطراف
المختلفة فرصة للخروج بمشروع حضاري تحدد القوميات مجتمعة صلاحيته بإعتبار
أن أي طرف خارجي ولعدم وعيه أو إهتمامه أو إكتراثه ((بالحالة النفسية
(المخزون الثقافي) والطبيعة البشرية (المصلحة).)) سيؤدي تدخله إلى زلزال
عنيف .
5ـ
أن أي تدخل أجنبي ((أمريكي)) من شأنه أن يثير النزعات العنصرية ، ويمكننا
أن نتصور شكل المنطقة وهي تتشكل من شعوب متجاورة حدودها السياسية عبارة عن
أحزمة ناسفة وسيارات مفخخة ، بينما تنعم شعوب أخرى بالأمان والإستقرار
والتطور ورغد العيش ، فإن كنا نبحث عن الأمن والسلام والحرية لأجيالنا
القادمة فإن أي تدخل أجنبي لن يحقق لنا هذه الأهداف.
6ـ
إن القوميات غير الفارسية لن تستطيع أن تحقق شيئاً ملموساً عن طريق إستخدام
القوة سواء كانت أجنبية او محلية ، والقومية الفارسية لن تستطيع أيضا أن
تستمر بهذا النهج دون التعامل مع معطيات المرحلة ، وهذا يشكل قاسم مشترك
للبدأ بلغة الحوار.
النتيجة
القوميات غير الفارسية جرّبت
الحوار مع بعضها وجربته مع المعارضة الفارسية وبعضاً منهم جربه مع الولايات
المتحدة الامريكية ، وجميعاً نسوا أن يجرّبوه مرة أخرى مع النظام الحالي ،
فلا يمكن للنظام الحالي أن يدعو جبهات وأحزاب سياسية تطالب بقطع رأسه
للحوار وهو ليس بطالب حق ، بل القوميات هي التي تطالب بالحقوق ، فإن
تمكنت القوميات غير الفارسية من تنظيم مؤتمر يجمعهم ويخرج بتوصيات تطالب
الحكومة الإيرانية بالحوار المباشر فأنهم سيكسبون تأييد دول العالم أجمع
وسيحرجون الحكومة الإيرانية وسيتمكنون خلال فترة زمنية معقولة نسبياً من
تحقيق أهدافهم دون الحاجة لإراقة الدماء وتدمير الأوطان من خلال
تدخلات أجنبية
تتعامل بلغة
المصلحة فوق كل إعتبار.
فالحديث عن التأريخ ونسيان الحاضر وبدون التدقيق في الجغرافية عبث في مرحلة
لاتحتمل أي عبث.
27 - 2 - 2005
|