|
الخروج من أزمة بأزمة وهل ستواجه عر بستان أزمة جديدة ؟؟
موقع عر بستان ـ أبو فراس
هي محاولة لتنشيط الذاكرة العربية نتطرق من خلالها لقضية شعب
عربي مجهولة أو متجاهلة, وفي الحقيقة أن هذا التجاهل كان هو
السبب الحقيقي في وجود دولة إيران القوية التي لعبت ومازالت
تلعب دورا إقليميا وآخر دوليا في المعادلة الدولية للشرق
الأوسط وفي نتائج الحرب الباردة سابقا بين المعسكر الرأسمالي
و المعكسر الاشتراكي. وجديرا بالذكر أن إيران تصدر ما يقارب
من أربعة ملايين برميل من البترول مصدرها إقليم عر بستان
بالإضافة إلى ما تستهلكه محليا ورغم هذا فأن أكثر من خمسة
ملايين عربي يعيشون في إقليمهم بدون أي حق سياسي مستقل ولا
عدالة اجتماعية ولا اقتصادية, ولقد واجه شعب هذا الإقليم
وقضيته كثيرا من الأزمات كان أولها أخف وطأة من أخرها فكلما
حاول أن يخرج من أزمة دخل بأخرى أشد ضيقا وصعوبة, والتوقف
السريع عند بعض المنعطفات التاريخية ضروري جدا لمعرفة طبيعة
هذه الأزمات ثم تراكمها. ولقد لعب البترول دورا أساسيا فعالا
فله قصة طويلة معقدة ولكنها مفهومة فهو طاقة العالم ومصدر
القوة أو المصائب وهو أن كان نعمة لبعض شعوب الأرض فلقد كان
ومازال نقمة على الشعب العربستاني ـ الأهوازي.
الأزمــــــة الأولــى:-
في عام 1956م بدأ أول مشروع سياسي منظم محاولا تحرير عر
بستان من الاحتلال الإيراني, ولقد عرف هذا التنظيم باسم
الجبهة القومية لتحرير عر بستان. وأول ما واجه هذا التنظيم
هو النزعة العشائرية المتكرسة في مجتمع قبلي قبل أن يواجه
العالم بالبيان رقم واحد كما كان مخططا له, وهذه المواجهة
أدت بالنتيجة إلى صراع مبكر ومبطن على السلطة قبل الوصول
إليها بين قادة الثورة السياسيون وبين بعض رؤساء العشائر
الذين يعتقدون أنهم أصحاب أرث حقيقيون, وتحولت الأزمة التي
لم تعلن عن نفسها إلى معركة خفية انتصرت فيها القبيلة على
الوطن وفشلت الثورة حين لجأت القبيلة معلنة عن نفسها إلى
السلطة الإيرانية لحمايتها من أبنائها الوطنيين, فاعتقلت
السلطة الإيرانية ثلاث من قادة الثورة وأعدمتهم في يوم 13-
6- 1964م وإذا بعربستان تواجه أزمة وظروف أشد صرامة مما كانت
عليه, فبعد أن كانت القيادة تعمل من الداخل اضطرت اللجوء إلى
العراق وإذا بإيران تكثف من وجودها العسكري والأستخباراتي
وتكرس سياسة التفريس وتتصاعد وتيرة بناء المستوطنات
الفارسية.
محاولة لاحتواء الأزمـة أدّت لأزمـة أخرى:-
في العراق أعاد بعض قادة التنظيم الذين لجئوا للعراق
ترتيب بيتهم وأسسوا جبهة تحرير عر بستان عام 1964م وبذلوا
جهودا لاحتواء وتجاوز ما حدث عام 1963م من كارثة فقدوا فيها
ثلاث من أفضل زعمائهم وعلى رأسهم زعيم الجبهة القومية
محي الدين آل ناصر,
فحولوا المعركة ضد إيران إلى معركة سياسية في الخارج وانتهاج
مبدأ المقاومة المسلحة في الداخل, وفي الوقت الذي لم يحقق
العمل الميداني أي أنجاز يذكر على أرض الواقع من حيث تأثيره
على إيران بدا واضحا لإيران أن القضية على الصعيد السياسي
بدأت تشكل تهديدا حقيقيا على استمرار وحدة إيران
الجيوسياسية. فلقد حصلت الجبهة على اعتراف شبه رسمي من
الرئيس الجزائري بن بيلا ومن الرئيس اليمني عبد الله السلال
بالإضافة إلى دعم مصر, وفي عام 1968م رفع مؤتمر المحامون
العرب المنعقد في القاهرة والذي حضره ممثلو عن جبهة تحرير عر
بستان توصية لجامعة الدول العربية لمنح الجبهة كرسي في
الجامعة العربية أسوة بمنظمة التحرير الفلسطينية, وفي ذلك
الوقت كانت إيران ترصد هذه التطورات فكثف شاه إيران دعمه
للملاّ مصطفى البر زاني زعيم الحركة الكردية العراقية
كمحاولة للضغط على عبد السلام عارف رئيس الجمهورية العراقية
لوقف نشاط الجبهة ولكن الأخير لم يستجب لضغوط إيران عليه,
وفي عام 1968م وحين تسلم رئاسة الجمهورية في العراق عبد
الرحمن عارف دعاه شاه إيران لزيارة طهران لحل المشاكل
المعلقة بين البلدين، وأثناء لقائهما في طهران اتفقا الطرفان
على أن يتوقف الشاه عن دعمه لأكراد العراق وبالمقابل يقوم
العراق بتجميد جبهة تحرير عر بستان وحلها وتسليم أربعة من
قادتها لإيران وعلى رأسهم أمينها العام
أحمد الجزائري،
وحين عاد الرئيس العراقي لبلاده رفض رجالات الجيش العراقي
هذه المقايضة ورفضوا تسليم قادة جبهة تحرير عر بستان أو
تجميد عملها وساعد في ذلك أن الرئيس عبد الرحمن عارف لم يكن
بذلك الرئيس المتمكن من مراكز القوى في العراق، ولقد لعب
البترول هنا دورا أساسيا في سياسية شاه إيران فرغم انه يعاني
من مشكلة أكراد إيران لكنه جازف بدعم أكراد العراق لكي لا
يخسر القوة الأساسية للدولة الإيرانية وهي نفط عر بستان
“الأهواز".

حقول النفط في مدينة الأهــواز
في 17 تموز عام 1968م وصل حزب البعث إلى سدة الحكم في
العراق مرة ثانية رافعا شعاره أمة عربية واحدة ذات رسالة
خالدة , فتدخل مباشرة بقضية عر بستان معتبرا إياها قضية
داخلية تخص الشأن العراقي وحده ولا يجوز التدخل فيها من قبل
أي طرف عربي آخر وأبلغ جميع الدول العربية وبذلك فشل مشروع
تبني الجامعة العربية للقضية العربستانية , وبغض النظر عن
الشعارات البراقة فلقد جاء حزب البعث هذه المرة لكي يبقى في
الحكم وبأي ثمن وكانت هناك أزمات كبيرة تعرقل استمرار وجوده
في السلطة أهمها الأزمة الاقتصادية وديون العراق وضعف القوات
المسلحة وعدم قدرتها القضاء على الحركة الكردية في شمال
العراق ومن جهة أخرى الأحزاب السياسية الفاعلة على الساحة
العراقية وخصوصا الحزب الشيوعي العراقي والقوميون والناصريون
وحزب الدعوة . فوجد حزب البعث في قضية عر بستان ورقة سياسية
رابحة يمكن استعمالها ضد إيران للمساومة بقضية الأكراد فبدأ
منذ عام 1969م محاولاته لاحتواء القضية العربستانية حتى أسس
عام 1971م الجبهة الشعبية لتحرير الأهواز وجمد عمل جبهة
تحرير عر بستان. في عام 1972م أمم العراق نفطه ثم منح
الأكراد حكما ذاتيا ضعيفا في عام 1973م
وأسس الجبهة الوطنية التي تضم بعض الأحزاب العراقية بالإضافة
للأكراد وكان مخططا مرحليا لحين أحكام السيطرة على البلاد.
ولكن الأكراد استمروا في المقاومة المسلحة وبشكل مكثف وكانت
قيمة ما دعمهم شاه إيران في تلك الفترة يصل إلى مئة وعشرون
مليون دولار ولسببين احديهما يخص شاه إيران والثاني يتعلق
بسياسة الولايات المتحدة وإسرائيل ومصر، فالشاه كان يريد من
العراق وقف نشاط الجبهة الشعبية لتحرير الأحواز ـ عر بستان ـ
وأمريكا كانت تريد الضغط على العراق ليوافق على وقف أطلاق
النار مع إسرائيل بعد حرب رمضان 1973م وحينها اخبر كيسنجر
وزير الخارجية الأمريكية الرئيس المصري أنور السادات أنه
سيكفيه معارضة العراق لوقف أطلاق النار عن طريق شاه إيران.
في هذه الأثناء ارتفعت أسعار البترول بشكل غير متوقع بعد
الحظر العربي لتصدير البترول عن بعض الدول الصناعية وكان شاه
إيران المستفيد الأول من هذا الارتفاع الذي جعل عينيه تتفتح
على ثروة هائلة في إقليم عر بستان ومن وجهة نظره أن هذه
الثروة المتدفقة كفيلة بالحفاظ على عرشه ووحدة أراضيه فأستبد
به الطمع وطغى عليه جنون العظمة، ولذا كان يحاول ويسعى لمز
يدا في رفع أسعار البترول وكان بحاجة لمؤيدين لسياسته
النفطية من الدول المصدرة للنفط في منظمة الأوبك ولعل هذا هو
السبب الحقيقي الذي قضى على حكم الشاه. أثناء انعقاد مؤتمر
الأوبك المنعقد في الجزائر عام 1975م وقع شاه إيران مع صدام
حسين الاتفاقية المعروفة باتفاقية شط العرب وكان لكلا
الطرفين أسبابه الخاصة رغم اتفاقهم على أهمية ارتفاع أسعار
البترول. وواجهت القضية العربستانية من خلال هذه الاتفاقية
أصعب أزماتها فكانت تتضمن وقف وحل نشاط القضية العربستانية
تماما كما يتعهد الشاه بعدم دعم أكراد العراق، فتشتت القادة
العربستانيون في بلدان عربية عدة بعد أن طلب منهم حزب البعث
مغادرة العراق بحجة عدم أمكانية حمايتهم بعد فتح الحدود مع
إيران بالإضافة إلى تعرض البعض منهم إلى السجن في العراق،
ومن خلال هذا الواقع المرير انقطعت اتصالات الجبهة في الداخل
وتوقف العمل السياسي الخارجي ولذا كانت هذه الاتفاقية ضربة
قاسية تلقتها القضية.
الأزمــــة الثالثـــة :-
في عام 1979م وبعد نجاح الثورة الإيرانية سعى العراق مجددا
لإعادة علاقاته مع بعض القيادات العربستانية في بعض الدول
العربية, وبدا واضحا أن العراق يعد للحرب ضد إيران فطلب من
قيادي جبهة تحرير عر بستان العودة للعراق لممارسة نشاطهم وأن
العراق يعدهم هذه المرة بدعم غير مشروط إلا أنه سيمنح إقليم
عر بستان الحكم الذاتي في حال ما تمكن الجيش العراق من تحرير
عر بستان, وكانت هذه التعهدات قد صدرت من الرئيس العراقي
الجديد صدام حسين عن طريق مبعوث خاص له التقى قيادي الجبهة,
ولكن الجبهة رفضت التعاون مع صدام حسين على أي صورة كانت،
وكان هذا قد حدث في الأشهر الأولى لانتصار الثورة في إيران
وقبل الحرب بعدة اشهر. بدأت الحرب في شهر أغسطس عام 1980م
بقصف مكثف على المدن العربستانية فدفع هذا الشعب ثمن قذائف
الحرب من أول يوم فيها، ثم أنشئ العراق الجبهة العربية
لتحرير الأحواز والتي سلبها حق اتخاذ القرار مما شل حركتها
وأفقدها المصداقية في الداخل والخارج وما باتت تملك من أمرها
سوى الاسم رغم عدم خلوها من العناصر الوطنية التي كانت
تستطيع تدويل القضية اعتمادا على علاقات العراق الجيدة وقتها
مع معظم الدول العربية, وبهذا الوضع أصبح الشعب العربستاني
هو من دفع الثمن الأغلى في الحرب العراقية ـ الإيرانية فلا
منظمة قادرة أن تتحدث عن معاناته للعالم ولا سلم على
ممتلكاته ومدنه التي دمرتها الحرب والتي تأبى إيران أعادة
أعمارها ليومنا هذا, ولازال هذا الشعب يعاني من تبعات الحرب
التي لا ناقة له فيها ولا جمل فلقد خسر أكبر مصفى للنفط في
الشرق الأوسط بمدينة عبادات والتي أنشأت الحكومة الإيرانية
بديلا عنه في مدينة بندر عباس الإيرانية على ساحل الخليج قرب
مضيق هرمز , وخسر هذا الشعب ثروته الزراعية المتمثلة أساسا
بالنخيل حيث عمدت السلطات الإيرانية أبان الحرب تجفيف المياه
عن مزارع النخيل الواقعة على ضفاف شط العرب الشرقية ثم قامت
بعد انتهاء الحرب بحرق مزارع النخيل بحجة التخلص من مخلفات
الحرب وبذلك دمرت ما يقارب الثلاث ملايين نخلة , ومازال
الأطفال يموتون أو يعاقون نتيجة انفجار قذائف مخلفات الحرب
وتحولت عر بستان إلى ثكنة عسكرية ضخمة وكرست الحكومة الحالية
مشاريع شاه إيران الاستيطانية وصادرت كثيرا من أراضي العرب
الزراعية لهذه المشاريع .
أزمــــة اليــــوم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إحدى المناطق السكنية في مدينة الأهواز
بعد كل هذه الانتكاسات التي واجهت الشعب العربستاني ـ
الأهوازي ـ وحركته السياسية أدت إلى خلق مناخ غير صحي أن جاز
التعبير, فباعتبار أن التجربة قد فشلت فلا بد للنظرية أن
تأخذ دورها لتعيد التجربة بأسلوب آخر ومن خلال هذا المنطوق
أصبح الشعب حقل تجارب وظهرت نظريات كثيرة تحاول توجيه الشعب
باتجاهها أكثر مما هي قادرة على استثارة الفكر فيه فنتج عن
هذا فراغ سياسي تحاول السلطة الإيرانية استثماره لصالحها. في
عام 1979م لم ينجح الشعب العربستاني من تحقيق أي من حقوقه
المشروعة بنسبة أكبر بكثير من بقية القوميات في إيران واليوم
تواجه إيران أزمة سياسية في الداخل والخارج وهناك ضغوط دولية
تطالب إيران بتصحيح أوضاعها المتعلقة بحقوق الإنسان خاصة فهل
والحالة هذه ستستطيع النخبة السياسية العربستانية هذه المرة
من تحقيق الهوية والحقوق المشروعة أم أنها ستخرج بأزمة جديدة
وبخفي حنين بعد التغيير في إيران وبغض النظر عن طبيعة هذا
التغيير علما أن عر بستان الغني بالبترول هو المحور الأساس
في عملية التغيير وأن القضية العربستانية ليست ضعيفة كما
يتراء للبعض بل تستطيع تحديد موقفها وإملاء حقوقها سواء على
الحكومة الإيرانية أو المعارضات الإيرانية فيما إذا استطاعت
القضية الإمساك بزمام المبادرة السياسية في الداخل والخارج
وطرحت مشروعها كطرف فاعل وقوي.
22 – 2 – 2004
|