|
دعوة للتفكير و العمل
لأبناء الوطن في الداخل والخارج
موقع عربستان ـ أبو فراس
مقدمة قصيرة
الإختلاف بين بني البشر نابع من الطبيعة البشرية ذاتها وليس إكتساب موروث . ولكن المصالح قد تلتقي ويتفق طرفان أو أكثر كانا على خلاف كما أن المبادئ سواءً كانت عقائدية أو وطنية أيضا قد تكون نقطة إلتقاء بين عدة أطراف ...... ولكن الملفت للإنتباه في قضيتنا الوطنية ـ لا المصالح قادرة على توحيد الصف الأحوازي ولا العقيدة ولا الوطنية .
وكل ٌ يدعّي وصلاً بليلى ...... وليلى لاتقرُ لهم وِصالُ
فهناك ظروف فيها الإختلاف محمود وهناك ظروف ومواقف فيها الإختلاف مذموم ، ونحن وللأسف نحبذ المذموم على المحمود . ومن المؤكد إننا لانستثني ولا نزكي أنفسنا من هذه القاعدة لأننا جزء منها وربما ساهمنا في تعقيدها . وقد نرجع أسباب الخلاف والإختلاف للمرجعية الفكرية والمرجعية الشرعية وكلاهما مرتبطة بالأخرى .
المرجعية الفكرية ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذا أطلقنا على المرجعية الفكرية أسم المدرسة الفكرية وهي من المفروض أن تكون كذلك فهي تكون مسؤولة عن تأهيل أجيال مدعومين بزخم فكري وعقائدي قادر بعد تحديد العوامل على إستنباط نتائج من خلال قراءة موضوعية تحليلية للواقع الإجتماعي والثقافي والإقتصادي والسياسي للمجتمع ، وبإعتبار أن المجتمع يتطور إيجابيا رغم إستمرار سلبياته ، فعلى المدرسة الفكرية طرح بدائل قادرة على إستثمار الإيجابي دون إستفزاز السلبي المتراكم .
ولذا فإن عملية التغيير للأفضل هي في الحقيقة عملية معقدة وليست بالسهولة التي ينظر إليها البعض .... ويتعامل معها دون وعي في النتائج البعيدة الأمد . فإجتهاد المواطن العادي ليس فقها سياسيا ، وليس بالضرورة أيضا أن يكون إجتهاد السياسي فقها .
فإذا رجعنا للمقولة العلمية التي تقول أن المادة لاتفنى ولا تُستحدث من العدم ، فالواقع السياسي لكل شعب لايمكن أن يفنى ولايمكن أن يُستحدث من عدم ، فالواقع السياسي هو نتيجة تراكم سنوات طوال بغض النظر عن ماهيته سلبيا كان أم إيجابيا ، وهو بالضرورة نتيجة أسباب ذاتية وموضوعية ، وبالتالي لانستطيع أن نلغي حصيلة ثمانون عاما من الإستبداد لنفكر بإستحداث تغيير مباشر من العدم .... ولا نستطيع أيضا إجراء تغيير صحي وسليم من خلال فوضى .
فتنظيماتنا السياسية بدون إستثناء قصيرة العمر وبالتالي هي قليلة الخبرة ولم تستطع التنظيمات الطليعية الصمود أمام التحديات التي واجهتها والإستمرار لتأهيل كوادر قيادية .
فجبهة تحرير عربستان أنتهت وكذلك الجبهة الشعبية لتحرير الأحواز ، وأقدم تنظيم سياسي موجود الان هو ما بقي من الجبهة العربية لتحرير الأحواز وهي مازالت تعمل بكوادرها المؤسسين ولم تُأهل جيل جديد لتحمل أعباء المسؤولية وبأفكار موضوعية جديدة ، ولو فرضنا جدلا أن التنظيمات الحالية كان لمؤسسيها علاقة مباشرة أو خبرية بالتنظيمات الطليعية فلماذا لم تستفد من التجربة لتصحيح المسار وطرح بدائل نضالية ....
فقضيتنا الوطنية دون مجمل القضايا التي قرأنا عنها أو سمعنا بها منفردة بظاهرة غريبة تتجلى بعجز فكري مقارب كثيرا للشل . فلم نسمع أو نقرأ أن الأحوازيين عقدوا يوما ما مؤتمرا فكريا قُدمت به بحوث سياسية تناقش واقع وتطرح بدائل وحلول .
وعدم إنعقاد مثل هذه المؤتمرات بالتأكيد يجعل من المشاريع السياسية هياكل محنطة وآله تُعبد نتذرع لها كي تحرر المواطن من بواطن السوء . ثم أن الحالة الفوضوية التي تعيشها القضية الأحوازية من خلال تنظيماتها السياسية في الداخل والخارج هي أيضا بسبب الغياب التام للظاهرة الفكرية.
فحتى على مستوى التنظيم الواحد هي تلتقي لتعزية النفس أكثر مما تلتقي لإجراء حوار فكري بين منتسبيه ، فكل تنظيم سياسي أينما وُجد لابد وأن يجري عملية تقييمية سنوية لما تقدم ولما تأخر ويُعطي مجالا لكل منتسبيه أن يتقدموا ببحوث تحليلة مكتوبة ودراسات موضوعية وعلى ضوئها تُطرح أفكار جديدة تتيح للفكر أن يبدع ، ومن ثم تشارك بمؤتمرات موسعة لطرح أفكارها الجديدة ، وهذه هي عملية التطور البنـّاء ، وبغيرها لايمكن لأي مجتمع أن يرتقي ولايمكن لنا ونحن نعاني من الإستبداد والسيطرة للتخلص من واقعنا المزري .
فظاهرة الإنزواء وعدم الإستعداد للمشاركة في الحوار وإن صح التعبير الهروب منه ظاهرة قد يكون سببها ماتقدم ذكره .
إن أي قضية وطنية بتصورنا ورأينا لايمكن أن تنبثق بشكلها الصحيح إلا من خلال مرورها بمراحل تنضيج وهي ,,,,,,
1ـ عقيدة يجتمع عليها الشعب. 2ـ مشروع سياسي داخل إطار العقيدة. 3ـ خطاب حضاري متعدد الأطراف. 4ـ صدام فكري لتحديد المواقف. 5ـ نزاع على الهوية والحقوق. 6ـ مواجهة شاملة.
وإذا ما عدنا لمحاسبة أنفسنا نجد إننا لم نحقق شيئا مما سبق رغم وجود ظواهر متفرقة تصب فيما ذكرنا من نقاط .
1ـ العقيدة التي يجتمع عليها الشعب .......من المعروف والشائع أن الناس جُبلت على الإختلاف ، ولذلك فإن أي عقيدة دينية أو وضعية لايجتمع عليها الناس ، ولكن يمكن بتصورنا أن نجمع الناس على مفهوم الوطنية فتكون هي العقيدة التي تجمعنا ، فمن المفروض أن الوطن هو ليس البقعة الجغرافية فقط بل هو كتلة بشرية يجمعها رابط يوحد فيما بينهم .... ولكن المشكلة التي تواجهنا هي مامعنى مفهوم الوطنية وماهي ثوابتها فالكل يدعيها بما فيهم نحن ، ولذا نحن نواجه مشكلة في تحديد أسس ثابتة لها وإن طرحنا أسس لها فسوف لن تكون مقبولة لدى اطراف أخرى ونعود من حيث ما بدأنا ، لذا فسوف نتركها لضمير الإنسان ولضمير الشعب .
2ـ مشروع سياسي حضاري داخل إطار العقيدة ........ الإتفاق على الأمور شيء مختلف عن الإيمان بها ، والإختلاف على ما لا يجب الإختلاف عليه يُعدّ جريمة . فأنا أول المجرمون إن أختلفت مع لايمكن الإختلاف عليه...... وانا أنسان سويّ إن أجتمعت مع اخوتي بما يخدم الصالح العام..... والإيمان بالأمور يأتي عن طريق الحوار الذي يهدف للخروج بنتائج وليس لإتساع الفجوة والجفوة اكثر. وفي مقال سابق كنت قد تحدثت عن الأمن والمصلحة ، فالوطن هو مصلحة الجميع ولايمكن أن يكون لنا وطن بدون أمن .... فيمكن أن يحتضننا مشروع سياسي يتبنى الأمن الوطني والمصلحة الوطنية ... ثم أنها التعددية المطلوبة والتي ينادي بها الجميع ويتبناها الجميع ولكن على الورق فقط .
3ـ خطاب حضاري متعدد الأطراف ......هذه نقطة نرى انها غاية في الأهمية ـ فالكل يعلم أن الإستبداد على الشعب الأحوازي لم يأتي من إسرائيل عدوة العرب والمسلمين ونحن ننتمي لهاتين الأمتين ، وإذا ما تحدثنا عن وضعنا الحالي فإن من يستبد علينا هي الثورة الإسلامية ، والتي تُعتبر من أهم أحداث القرن العشرين في الشرق الأوسط ، والضجة التي أحدثتها هذه الثورة لم تحدثها ثورة قبلها لأنها قلبت موازيين كثيرة في الشرق الاوسط والعالم ، والناس لايعلمون خفايا الأمور وكما يقول المثل العربي ( ويبقى عند جهينة الخبر اليقين ) .
ولانستطيع أن ننكر مدى تأثر الشارع الإسلامي بالثورة الإيرانية والشارع العربي بوجه الخصوص ، ولازال جزأ كبيرا من ذلك التأثير موجود وبالأخص عند الشيعة في العالم بدون إستثناء باقي المسلمين .
ومواقف إيران السياسية كلها تُشير إلى عداء ضد أمريكا واغلب العرب والمسلمون ينظرون إلى أمريكا بأنها عدوة ، ومواقف إيران مع الفلسطينيين وحزب الله في الجنوب اللبناني يجعلها في موقع أفضل بكثير من بعض الدول العربية بعيون العرب وبالتالي ليس من مصلحة أي نظام عربي أو شعب عربي التصادم مع إيران وكل هذه حواجز يجب أن نتخطاها.
ولذلك فإن وجوب كشف وتعرية الوجه الإيراني العنصري لصانع القرار السياسي هي من أولى أولوياتنا ، ولكن هذا لايتم من خلال عرض الأمور كما نراها نحن أو طرح المسائل من خلال وجهة نظرنا لأن هذا لن يغير من الواقع شيئا ... فكثيرون من يتهمونا بتزوير الحقائق وقد نعذرهم لسببين اولهما انهم لايعلمون والثاني أننا لم نستطع إقناعهم .
فالخطاب السياسي التصادمي في حالة نحن فيها بعيدون عن قدرة التصادم وأعني بـ (( نحن )) ليس فقط شعبنا الاحوازي بل أمتنا العربية قاطبة ، فهذا يعتبر خطاب إستهلاكي لامصداقية له يتحدث مع العاطفة وليس العقل ويجعلنا نخسر الوقت والجهد على الصعيدين الإعلامي والميداني .
وإذا ما اتفقنا أننا نعيش في منطقة جغرافية أحداثها السياسية ومتغيراتها مرتبطة بعضها ببعض فبإمكاننا طرح خطابات سياسية مرنة ومنطقية ومعقولة رغم قناعاتنا إن الحكومة الإيرانية لاتستجيب لنداء العقل ولكن الهدف منها خلق وسائل تتيح لبعض الأطراف العربية والإسلامية والدولية التدخل في قضيتنا لمدها بزخم سياسي دولي من جهة ولكشف حقيقة مواقف وتوجهات السلطة الإيرانية من جهة أخرى والأهم من هذا كله خلق مناخ مناسب إلى حد ما يتيح هامشا لتجميع قدرات شعبنا إستعدادا لمرحلة أخرى ...
4ـ صدام فكري لتحديد المواقف ...... رغم الثورات التي أندلعت في الأحواز ورغم إستمرار الحركة النضالية ووجود تنظيمات سياسية تعمل في الداخل والخارج إلا ان الواقع المُعاش يوميا في وطننا يدعونا للنظر من قمة مرتفعة لنرى الأمور بوضوح ونحلل واقع الشعب .
فالإستبداد الفارسي مفروض بالقوة نتيجة السيطرة القصرية وهذا أمر بديهي لايهمنا بإعتبار أنه طارئ وسوف تعود السيادة لأبناء البلاد ، ولكن عودة السيادة تتطلب منا الان فهم إختلال موازين القوى ولكن مع تحديد مواقف ...
يعني ... لابد من سحب الشرعية من السيطرة الفارسية وإن كان الشعب غير قادر الآن على إزالتها ، وهذا يتطلب من المواطن الأحوازي أن يتعامل مع السلطة ليس كونها سلطة شرعية بل سلطة مفروضة بالقوة ولكنها مرفوضة وهذا التعامل يتطلب أيضا كيفية عمل ، وهذه النظرية غير متحققة على أرض الواقع ، فالمواطن الأحوازي يحمل الجنسية الإيرانية وجواز السفر وجميع الوثائق الرسمية ويشارك في الإنتخابات وهذا مفهوم خطير يجسّد وضع غير طبيعي ويجعل ما يحدث على الارض في حالة إنفصام عن التأريخ . ونحن أحوج مانكون لربط الإنسان بتأريخيه لكي لانفقد الحلقة ونفقد الإتجاه .
فمهمة النخبة والتنظيمات السياسية ليست فقط طرح مشاريع رنانة وبيانات هستيرية تدل على العجز اكثر مما تدل على الفهم ، بل نجد من وجهة نظرنا التعامل مع الشعب كما هو مع طرح بدائل قادر على إستيعابها الشعب ثم تبنيها لتنقله من مرحلة إلى مرحلة أخرى مع الحفاظ على الثوابت لأن بدونها تفقد عملية التغيير جوهرها ولا تحقق هدفها .
5ـ نزاع على الهوية والحقوق ........ حينما يضرب الإنسان رأسه بالحائط فالنتيجة واضحة ...ولكن كوننا مضطرون لضرب رؤوسنا بالحائط ولكي لا يقول عنا الناس إننا مجانين ، علينا إما أن نلبس خوذا أشد صلابة من الحائط أو نجعل الحائط طريا ً .
ولبس الخوذ وإن كان يحافظ على رؤوسنا من الشدخ ولكنه لن يحافظ على عقولنا من الإرتجاج ، وجعل الحائط طريا نظرية غير مقبولة ، فإن أصبح طريا فقد كونه حائطا .... إذن الهدف سقوط الحائط وليس ضرب الرؤوس ، فسقوط الحائط يحتاج لقوة عقول لا لصلابة رؤوس .
ومرحلة النزاع على الهوية والحقوق تحتاج لشعب يمتلك الكيفية والقدرة لكي ينازع عليها ، وليس فقط لتنظيمات سياسية تطالب الشعب في النزاع دون تقديم الكيفية ودون أن تكون الكيفية متناسبة مع القدرة . فالهوية مثل الحرية لايهبها أحد لأحد وأيضا لايمكن سلبها من أحد إلا إذا تنازل عنها مُكرها .
وفي تصورنا أن علينا أن نحدد السلاح الذي ندخل به معركتنا لا أن نستعمل نفس سلاح المُستبد ، فأمامنا خياران ، إما أن ندخل المعركة بسلاح المٌستبد ولا محال إننا منهزمون في النتيجة كما أنهزمنا من قبل مرات عديدة ، وإما أن ندخل معركتنا بسلاحنا الذي لايفقه المُستبد كيفية مواجهته ... نعم سوف نقدم تضحيات ولكننا سوف ننتصر لامحال بإذن الله .
فدخول المعركة ونحن نستعمل رصاص البنادق يجعل المُستبد يقطّع أشلاء أبنائنا بمدافعه وطائراته وقبل أن تدخل المعركة اعرف عدوك جيدا !!!!!!!!!!!.
وكل مواطن أحوازي يخشى دخول السجن مهما كانت المبررات والأسباب لن يستطيع أن يجابه مُستبد أبدا بأكثر من دخول السجن ، فإذا كان مقياس الوطنية هو الإستعداد لدخول السجن فسوف نرى أعدادا هائلة من شعبنا مستعدة ، وإن كان المقياس هو حمل السلاح فالناس ليسوا مجانين ومن يطالب بهذا فلا يطالب بالقول أو بالكتابة بل ليذهب هو ويقاتل لكي نحترمه على الأقل ونقول قال وفعل ، ومن صفات الإنسان الحميدة أنه إذا حدّث صدق وإذا أؤتمن صان وإذا وعد وفى .
فنحن نرى أن إشاعة وترويج ثقافة التحدي السلمي ودخول السجون طواعيةً سوف تحرج إيران كثيرا وتربكهم وتجعل التدخل الدولي في قضيتنا مُلحا ، وسوف تنهزم قوى الإستبداد مع إصرار وإرادة الشعب ... فترويج هذه الثقافة حاجة ملحة وتناسب سياسة عصرنا الذي نعيش فيه .. فلو كل مواطن أحوازي تبنى هذه الفكرة فالسبل بسيطة ومتوفرة وهي نقل العمل من السري إلى العلني بدون تردد ، ويكون كل مواطن أحوازي مزود بلائحة طويلة من الأسماء يعترف عليهم مباشرة بعد إلقاء القبض عليه ليدخلوا السجن أيضا . ولنرى كيف ستتصرف الحكومة الإيرانية وهي دولة مسلمة وبيننا وبينها الله .
فالكلام وحده غير كافٍ إن لم يكن مرادفا لعمل ، والسلطات الإيرانية لم تجد منا يوما تحدي واسع على مستوى الوطن يحرجها أمام الرأي العام العالمي ..... ومادامت دول العالم تعترف بالحدود الجيوسياسية لإيران ، فالعالم يتعامل معنا كمواطنين تابعين للدولة الإيرانية وإن كنا من قومية مختلفة وإن كنا نقول ما لا تقول إيران الدولة . ولذلك فإن إستعمال أساليب غير مشروعة دوليا يعطي لإيران كل المبررات الشرعية والقانونية في التعامل مع مناضلينا كمجرمين خارجين عن القانون وهذا حكمه الإعدام ، المقاومة المسلحة مشروعة لأي شعب يدافع عن حقوقه ولكن بعد إستنفاذ جميع السبل والوسائل السلمية وبعد سحب الذرائع والحجج من السلطة الإيرانية وبعد نقل القضية من واقعها الإيراني إلى واقعها الأقليمي والدولي وهذا لايتم عن طريق إعلامنا كما يعتقد البعض بل من خلال نقل الحدث من الداخل للخارج .
6 ـ مواجهة شاملة ....... الأمور بطبيعتها تتطور بشكل تدريجي والقفز فوق المراحل إما يسبب هلاك أو عاهة مستديمة كما هي الطفرة الوراثية في علم الجينات. والمواجهة الشاملة مع الإستبداد هي من طبائع الشعوب ، وشعبنا ليس إستثناءا من هذه القاعدة ، فإذا ما رجعنا لتأريخ الشعوب المُضطهدة نجد أن الإضطهاد قد يقصر او يطول ، وهذا يعتمد على كيفية تعاطي النخبة مع طبيعة الإستبداد . فحالة النضج والإحساس بالحالة اللاإنسانية واللاطبيعية هي السبب الحقيقي وراء إندلاع الثورات ، ولكن هذا النضج يعتمد أساسا على السبل والوسائل المُتبعة وكيفية توجيه وإستخدام قدرات الشعب الذاتية مع الأخذ بالإعتبار والحسبان طبيعة وفلسفة النظام الإستبدادي ، فكلما كانت السبل والوسائل ناجحة كلما قل أمد الإستبداد وكلما كانت السبل عقيمة وبدائية وتقليدية كلما طال زمن الإستبداد .
فالإستبداد ليس قوة محصنة ، بل قوة متحفظة تتوجس من الهزيمة ، شديدة الحساسية وشرسة وتتحسب كثيرا ، وهي بارعة جدا في صياغة مبادئ وقيم للحفاظ على وجودها ولإضفاء صورة الشرعية على تصرفاتها ، فلا إستبداد بدون إطروحات مثالية لتبرير إزاحة الطرف الآخر ـ فتارة تستبد بأسم الثورة والوطن وأخرى بأسم الحرية والتحرير أو بأسم الدين أو حقوق الإنسان .
فالتهم جاهزة سوى إن كانت التحريض على الفوضى أو التخريب أو المساس بأمن الوطن والمواطن أو عداء للثورة وقائد الثورة أو الأرهاب . فالمواجهة مع قوى الإستبداد مسألة تحتاج لكثيرا من الدراسة والتحليل والتمحيص ، فأي أسلوب خاطئ قد يكلف الكثير ولايغير من الواقع شيئاً، ثم أن الأسلوب الخاطئ يستهلك فئة صالحة من المجتمع ويترك الفئة الاكبر والتي هي غالبا لاتستطيع المواجهة كما حدث ويحدث في أغلب دول العالم .
فليس صحيحا أن نهيأ للقوة المستبدة ماتريد من إدعاءات وتبريرات لتبطش بشعبنا وليس صحيحا أيضا ولا مقبولا السكوت والرضوخ لوضع غير منطقي ولا إنساني ، فليكن هدفنا دائما هو تحقيق نتائج لاخوض تجارب فقط .
ونحن أمة العرب نعاني من مشكلة هي نفسية أكثرمن كونها حقيقة لازمتنا زمنا طويلا ..... فبعد سقوط الدولة العباسية أصبحنا محكومين من قبل قوى إستبداد أجنبية ، فمنذ سقوط بغداد على يد هولاكو ، والسلاجقة والبويهيون والاتراك والفرس إلى الإستعمار الغربي ثم الأنظمة الديكتاتورية ، جعلنا نشعر إننا أمة غير قادرة على تحقيق نصر ، فمنا من يقول إن الإسلام هو الحل ومنا من يقول الديمقراطية ـ وهؤلاء المفكرون لم يقدموا للأمة ماهي صورة الإسلام المقصود او ماهي أسس الديمقراطية .
وهذا الإحباط الناجم من عدم القدرة على تحقيق واقع إنساني هو في حقيقته إحباط وهمي نتج عن إنتهاج أساليب تغيير خاطئة ، فهو ليس صفة ذاتية ملاصقة لشخصيتنا العربية بقدر ماهو صفة أُريد لنا أن نتقمصها ( وهذا موضوع بحث طويل ) .
ولكننا نظرنا لأنفسنا من خلال أعداء هذه الأمة ، وقيّمنا الأمور بنفس الطريقة التي يقيم بها المُستبد ، ومن خلال هذا المنطق علينا أن نمتلك مايمتلك المستبد لتغيير نتيجة المعادلة ، وبما أننا لن نمتلك ما يمتلك الطرف الآخر إذن لن نستطيع التغيير ، وأصبح من خلال هذه النظرة البديل الوحيد لدينا أن لانعترف بالهزيمة وأن نبحث عن نصر أما في دهاليز كتب التأريخ أو في البيانات السياسية او من خلال تبني مشاريع وهمية أو ردات فعل هستيرية حتى باتت هذه الظاهرة عزاء للأمة في مصابها ، وهذه نتيجة يريد عدونا أن نتبناها .
ونحن كشعب أحوازي ولأننا جزء من هذه الأمة أصبحنا بالنتيجة جزء من واقعها (ومن شابه أباه ماظلم). فقديما كانوا يطلقون على الطبقة غير المنضبطة في المجتمع بالغوغاء وحديثا أصبحت الغوغائية سمة من سمات السياسية . فالعقل والمنطق يقول ( إذا كنت غير قادرا بإمكاناتي المتاحة على تحقيق كل ما أريد ، فلما لا أحقق ما انا قادر على تحقيقه ولو كان جزأ مما أريد ).
فما هو معيار النصر..... هل هو البيرق الذي يرفع فوق جثمان الأمة ؟ . أم هو إنتصار لإرادة الإنسان وإنتصار الخير على الشر؟ وماهي المبادئ ..... هل هي المثل العليا المحنطة بلا إحساس في ثنايا الكتب ؟ ، أم هي ممارسة لعمل الخير وأسلوب لرقي وسعادة الإنسان .
في تصوري أن قبول الأمر الواقع فضيلة ،وهو لايعني الرضوخ ، فالقبول غير الرضوخ ، لابد أن نعترف بالهزيمة لكي نخلق سُبل الإنتصار ، وكوننا لانعترف ونتبجح فسوف نبقى مهزومون أبد الدهر .... فالهزيمة هي لحظة تأريخية ولكنها ليست كل التأريخ ، والهزيمة لحظة حزن شديد ولكنها يجب أن لاتسرق المستقبل ، مادمنا لانعترف بها لنتجاوزها هذا يعني أننا نعيش فيها ، ولو لم يعترف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهزيمة المسلمين في معركة أحد لبقوا المسلمون مهزومون. فلو قبلنا الهزيمة ماديا كونها حقيقة ورفضناها معنويا ، فهذا يعني أننا نمتلك ذخيرة لابأس بها من الثقة بالنفس ستخولنا لتحقيق نصر لأننا نسير في إتجاه صحيح ... ولكن الممارسات اليومية تدل على اننا منهزمون معنويا وراضخون ماديا وهذه هي منتهى رغبة قوى الإستبداد .
المرجعية الشرعية ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن أي قضية من قضايا الشعوب لابد وأن يكون لها من يمثلها ، فكما تحتاج القضية للشرعية فإن من يمثلها بحاجة للشرعية إيضا . فلا شرعية بدون تمثيل ولاتمثيل بدون شرعية . والشرعية الوحيدة المعترف بها دوليا هي شرعية الشعب ، وبذلك لا يستطيع أي تنظيم أن يقوم بدور الممثل الشرعي إلا إذا حاز على تأييد وتخويل الشعب .
ولذا فإن جميع الأنشطة التي تتم على المستوى الخارجي من قبل التنظيمات السياسية الاحوازية ورغم أنها تتسم بالإيجابية وتصب في مصلحة قضيتنا الوطنية إلا أنها لاترقى للتمثيل السياسي ، لأن الأطراف الدولية لاتتعامل إلا مع الشرعية ، وهي تعلم أي الاطراف الدولية أن التنظيمات الاحوازية لاتتصف بهذه الصفة ....وهذه حقيقة لايستطيع تجاوزها من يعمل ضمن إطار الشرعية في المنظمات الدولية .ولذا فإن الأطراف الدولية او العربية لاتستطيع أن تتخذ مواقف وقرارات بشأن قضيتنا بل تعتبر نفسها تستمع لآراء،[وهذا مطب أوقعنا أنفسنا وشعبنا فيه منذ زمن].
فالتجربة التي قادها المناضلون الأبطال المؤسسون لجبهة تحرير عربستان كانت تجربة فريدة في تأريخ نضالنا المعاصر ، فرغم النتائج المأساوية التي حدثت إلا أن الجبهة كانت ممثلا شرعيا للشعب الأحوازي ، وأهلتها هذه الشرعية للقيام بثورة ... وأهلتها أيضا لتمثيل القضية حتى بعد فشل التجربة ، ولذلك فلقد تعاملت معها الدول العربية على أساس ماتمتلك من شرعية ، وخافتها إيران أيضا لنفس السبب ... ثم لظروف سياسية تأسست الجبهة الشعبية لتحرير الأحواز ، وكانت هذه الجبهة تمتلك أيضا شيء من الشرعية بإعتبار أن مؤسسيها كانوا اغلبهم ضمن تشكيل جبهة تحرير عربستان .
ورغم وجود إمتداد للجبهة العربية في داخل الاحواز إلا أن هذا الإمتداد لم يمدها بالشرعية الكافية حسب المفهوم الدولي الذي يصر على تأييد الشعب بأغلبية ، وهذا بالتأكيد ليس تقليلا من شأن المناضلين في الجبهة العربية ولكن بسبب طبيعة ظروف تشكيلها . فبتصورنا أن قضيتنا الوطنية فقدت شرعيتها الدولية منذ عام 1975م.
والتنظيمات السياسية فيما بعد 1975م أستندت على حصيلة نضال منظم دام منذ 1956م حتى عام 1975م ....فلو قارنّا هذه الفترة مع الفترة مابين 1975م حتى عام 2000م فسوف نجد أن الفترة الثانية حملت تراث الفترة الأولى فقط ولم تضف للقضية إلا النزر القليل .
منذ عام 2000م تقريبا بدأت القضية تأخذ طابعا مختلفا وكأنها تريد أن تنطلق من سباتها ، ولكننا نعتقد أن أثر السبات مازال يؤثر على حركتها من خلال العشوائية أو الفوضوية إلا أن سمتها وطنية مُحبة وصادقة وهذا مرتكز أساسي لتنظيم الحركة ووضعها على الطريق الصحيح . فنحن نعتقد أن جميع التنظيمات الأحوازية سواء التي عملت بشكل رسمي أو التي تمارس نشاطها في الخارج هي تنظيمات تشكلت على أسس وطنية وكل حسب إجتهاده .
ومن الطبيعي والمنطقي أن لاتكون عدة إجتهادات في أمر واحد كلها صحيحة ، فلابد من وجود إجتهاد صائب وإجتهادات خاطئة ... ولايمكن لنا معرفة الصواب من الخطء إلا من خلال عقد الندوات والمؤتمرات الفكرية وفتح باب الحوار على مصراعيه ... ونشر هذه الحوارات ليتسنى لشعبنا معرفة الأسس التي بنيت عليها التنظيمات . وهذا لايعني إلغاء الآخر ولكن هذا يتيح لنا التنازل عن بعض معتقداتنا أو توجهاتنا إذا كان شعبنا لايتقبلها .
فالأمر المطروح والملح علينا جميعا هو: إعادة الشرعية الدولية لقضيتنا الوطنية .
فمن الواجب الان وقبل فوات الأوان أن يكون جهدنا منصب في هذه الفترة على عودة الشرعية كي لاتتحول التنظيمات السياسية إلى دكاكين ومتجار لبيع القرطاسية.
فالشرعية المطلوبه اليوم هي التعددية التي تحترم توجهات الشعب ولاتتخذ قرارات مصيرية عن طريق البورصة لأننا قد نخسر الوطن والمواطن إذا لعبنا القمار وكان الرهان شعبنا .
ولكي نكون واضحين في طرح الأمور والحقائق ... فنحن نعتقد والعلم عند الله أن هناك من يرى أن في أي عمل وحدوي تهميشا لدوره ، فالمواصفات التي من المفروض أن تتوفر في فريق العمل الأحوازي لاتنطبق عليه وبالتالي سوف لن يجد لنفسه كرسيا فارغا بين فريق العمل ... وربما كان هذا السبب أيضا وراء فقد قضيتنا لشرعيتها الوطنية . فهناك تنظيمات سياسية يصلح بها أكثر من شخص واحد وهناك تنظيمات لايصلح بها سوى شخص واحد وهناك تنظيمات لايصلح بها أي شخص .
ولذلك تتولد ظروف ذاتية من داخل التنظيمات لفرض شروط مسبقة على أي حوار حتى أصبح الهاجس هو التنظيم وليس الوطن ...فالتنظيم هو الهدف والوطن والمواطن وسيلة لتحقيق هذه الهدف. وهذا هو السبب الذي جعل من جميع أحزاب الأمة العربية أن تنهزم وتنهار أمام التحديات التي واجهتها ....
فنحن نقف اليوم أمام مسؤوليات تأريخية ومصيرية تضع جميع التنظيمات في الداخل والخارج بين خيارين .... التنظيم ... أم ..... الوطن ؟؟!!
ونسأل الباري عز وجل أن يهدي أخوتنا ليختاروا الوطن على تنظيماتهم فالوطن هو أرثنا لأجيالنا القادمة وليست التنظيمات السياسية ومن الله التوفيق.
5 – 11 – 2004
|