مركز دراسات الوحدة العربية
 سلسلة التراث القومي
 قراءات في الفكر القومي
 الكتاب الثاني الوحدة العربية

مجموعة من المؤلفين

حول

وحدة الـرافـدين و النيل } # {

جمال حمــدان

 

 

حديث الوحدة حديث ذو شجون ، و ذو أطراف متعددة أيضا . ولكنّا نقصرمقالـنا هذا على جانب واحد منه هو الجانب الإستراتيجي : ماذا نعرف هنا عن قوة العراق الإستراتيجة ، عن توجيهات مـوقعه ، مشاكله و حساسية الجيــوستراتيجية ؟ ما دور العراق العظيم في الإستراتيجيا العربية ، و ما وزنه في ميزان القوة ؟ و ماذا يمكن أن يضيف من طاقة و إشاعات الى دولة الوحدة المأمولة ؟ و ماذا يمكن أن تقدم الوحدة الى العراق إستراتيجيا ؟ بإختصار ، إن سؤالنا المحوري هنا سيكون : أين يقع العراق من خريطة القوة العـربية ، و أي مستقبل استراتيجي و إقتصادي و حضاري ينتظره ؟ و بديهي في مثل هذه الدراسة الموضوعية التقييمية أنها تحلل نقط القوة و الضعف على حد سواء ، و قد تعرض لحالات فرضية ربما لا تقوم بالفعل ولكنها تكمن بالقوة .

 

أولا :   الدور الإستراتيجي :  مــراحل ثلاث

 

 و للإجابة عن هذا السؤال ، لابد أن نضع في إيجاز دور العراق الإستراتيجي في إطاره و أبعاده التاريخية أولا ، حتى نتعرف على العناصر الثابتة و المتغيرة في كيانه الإقليمي . و بغير هذا الدور التاريخي قد يمكن أن اخطئ فهم عبقرية المكان في العراق بالذات ، لانه ما من قطر عربي على مدى الزمن ، عرف من التقلبات العميقة في مقدراته و مصائره ، في أقداره و قواه ، مثلما عرف العراق . و من السهل أن تتكشف منذ بداية تاريخ العراق العربي مراحل ثلاث تلخص ببلاغة تطور موقعه و دوره الإستراتيجي . فمنذ العروبة و الإسلام ، و في ظل عصر من التفجر الديني أكثر منه عصر الوعي القومي ، إتخذ موقع العراق مغزى خطيرا و لعب دورا متميزا .

 

    ففي حركة توسّع الإسلام الكاسح  نحو الشرق في آسيا الوسطى لم يكن غير العراق يصلح ـ بموقعه البارز المتقدم في ذلك الإتجاه ــ لدور " رأس الحربة " في ذلك الزحف . و لهذا كان العراق الجبهة الأمامية للوطن العربي الجديد ، و آلت إليه وظيفة السيطرة على ما شرقه إبتداءً من فارس و خراسان . ولما كان التركيز في ذلك العصر البطولي الديني هو على العالم الإسلامي كوحدة التفاعل المشترك الفعالة أكثر منه على الوطن العربي ، فمن السهل أن نرى كيف كان العراق يحتل موقعا متوسطا بؤريا تماما بين الإسلام في وسط آسيا من جانب ، و الإسلام في غرب آسيا و شمال أفرقيا من جانب آخر . أي أنه كان قلب العالم الإسلامي المتمدد العظيم ، و من هنا كان دوره الطليعي القيادي ، دور رأس الحربة ، و من هنا كانت حضارة " دار السلام " الذهبية الرائعة .

 

     ولكن نقطة ضعف كامنة مستترة في موقع العراق لم تلبث أن تكشف فجأة حين بدأقلب آسيا يتحول الى صد إعصار بشري و دوامة عاتية تلقظ بموجات الرحل المحطمة المخربة . فبحكم موقع العراق على تخوم الوطن العربي تعرّض ، أكثر من أي جزء آخر منه لطرقات و طوفانات الرعاة الفرسان . فما من موجة غازية لهم لم تصل الى العراق ، بينما ـ للمقارنة ـ قد تنجو منه سوريا أحيانا و مصر دائما . تلك كانت قصة السلاجقة ثم التتار و المغول إبتداءً من جنكيز خان و هولاكو في القرن الثالث عشر الى تيمورلنك في القرن الرابع عشر. و لم يكن في هذه كغارة المغول الوثنيين المدمرة لأنهم كانوا ــ أكثر من الوندال ــ من " سفاحي الحضارات " بكل معنى الكلمة .

 

     من هذه التجربة المريرة تبدأ تتضح لنا بجلاء حقيقة دور موقع العراق . لقد تحوّل من"رأس الحربة " في العالم الإسلامي الى " درع " للوطن العربي . أصبح خط الدفاع الأول عن العروبة . و لهذا ، و في إنكار للذات منقطع النظير ، تلقى كل تلك الضربات التي خربته . ولكنه في هذا افتدى الوطن العربي كله . وفي هذا يبدو فضله الجغرافي و التاريخي بوضوح تام . وإن ما خبره العراق في تاريخه الوسيط من تفاوت شديد و ذبذبة حادة الى درجة التشنّج في رخائه و إنهياره ، و عظمته و إنحداره ، و عمرانه و خرابه ، كل ذلك يما لا نظير له تقريبا في بقية دار العرب ، إنكا هو وظيفة مباشرة لموقعه الهامشي الحساس على تخوم العرب و قرب قلب آسيا ، وظيفة بإختصار لدوره كدرع الوطن العربي و ترسه .

 

     و نصل إلى الدور الثالث مع العصر الحديث حين إنتقل مركز الثقل في العالم الى أوروبا الغربية و أصبح الغرب محور القوة الإستراتيجية الحديثة . و في هذا الإطار الجديد لم يتبقَ للعراق ـ بعد أن تقلص من قـِبـَل التأكيد و التركيز على وحدة العالم الإسلامي ـ إلا دوره العربي . و لم يكن مفر من أن يكون هذا الدور العربي دورا محدود الأهمية نسبيا و ثانويا الى حد ما ، ذلك أنه مع إنتقال التوجيه الإستراتيجي و الأهمية السياسية الى الغرب ، قد تحوّل موقع العراق توا و آليا الى موقع خلفي متخلّف بدرجة أو بأخرى .

 

     إلا أن أسوأ من ذلك التخلّف المؤقت ما حاوله الإستعمار ، فقد أراد أن يسخّر الموقع الخلفي لأغراضه في تمزيق العروبة و تفتيت القومية العربية . فقد حاول أن يحيله الى عزلة جغرافية و سياسية يبعد بها العراق الأبي عن ركب العرب الظافر ، و يحوله عن تيار العروبة الى بركة الشعوب الآسنة . و تأكيدا لهذا الأنحراف أو التحريف المفتعل ، وضع مخططا كاملا ليحوّله عن قبلة العرب الى قبلة مزيفة نحو الشرق . فمرة يحاول أن يدخله في فلك الهند سواء بأن يدار منها أو بأن توضع مشاريع خبيثة في العشرينيات و في الثلاثينيات " لتهنيده " و ذلك بتهجير بضعة ملايين من الهنود إليه . و مرة يربطه بقوى غرب آسيا إبعادا له عن المحيط العربي ، و ذلك بضمه الى ميثاق سعــد أباد مع ايران و أفغانستان حينا ، أو حلف بغداد مع تركيا و إيران و باكستان حينا آخر .

 

 كذلك  و في الوقت نفسه إتخذ الاستعمار ، ومع أعوانه من الرجعية المحلية ، من موقع العـراق الخلفي كأقرب وحـدة عـربيـة الى فلك الأتحـاد السوفياتي ذريعة و حجة ملفقة يلوح بها لتخويفه و تهديده من خطر ذلك الشبح المزعوم لكي يرتمي في أحضانه و هو الخطر الماثل الجاثم !

 

     و لسنا بحاجه بطبيعة الحال الى أن نضيف أن ذلك جميعا قد فشل و تغلبت قوة الجاذبية العربية المركزية الأصلية على كل القوى الطاردة التآمرية ، بل أكثر من هذا ، خرج العـراق بدور إستراتيجي جديد في الوطن العربي . ففي وطن عربي متحرّر يحتل مركزا طليعيا قياديا في العالم الثالث النامي ، أصبح دور العـراق دور " نافذة وواجهة " للعرب على المحيط الآسيوي و حلقة الإتصال بينهم و بينه . هو الآن بمعنى آخر هـمـزة الوصل المباشرة بين جـبـهـة العرب في آسيا و بين بقيـة القارة في ظل التضامن الإفريقي ــ الآسيوي .

 

     وإذا كان موقع العـراق الهامشي المتطرف في الوطن العربي يعـرّضه لأية أخطار خـارجـيـة حقيقة أو وهـميـة ، قريبة أو بعيدة ، بحرية أو برية ، متاخمة أو مجاورة ، فإن هذا إنما يجعله أدعى الى التطلع الى الوحدة العربية و الى الإلتصاق و الإلتحام بالجسم العربي الكبير ، ضمانا للقوة و الحماية . أما أن نؤوّل هذا الموقع على أنه يـدعو إلى العزلة و التجـزئة كما كان يزعم الإستعمار الأجنبي و الرجعية المحلية (نوري السعيد ) ، فهذا منــطق مقلوب و مـغالطـة ساذجـة . و العراق بموقعه هذا أحوج ما يكون الى قوة العـرب من وراءه سندا و عمقا إستراتيجيا ، بمثل ما أن العرب أحوج ما تكون إليه نافذة و جبهة على العالم الآسيوي . و هذا الدور التكاملي هو ما أدركه العرب ـ كل العرب ـ اليوم تماما ، و ما تسعى وحـدة العـراق ـ مصر الى تحقيقه بذكاء شجاع و إخلاص مؤمن .

 

ثانيا :  دولــــة شــبـــه داخـلـيـــة

 

     إن نظرة واحدة الى خريطة العـراق تكشف لنا  كثيرا من مشاكله الاستراتيجية . فلا شك أن العراق بحكم موقعه القاري الداخلي المتعمق من ناحية ، و بحكم قاعدته الأرضية الفيضية العريضة من ناحية أخرى هو قوة برّ أساسا . ولكنه بحسب حـدوده الـراهنة تـأخذ رقعته السياسية بالتقريب شكل حرف Y الأفرنجي . و لهذا فهو يبدأ عريضا في الشمال و ينتهي مسحوبا في الجنوب حتى يرتكز على الخليج العربي ، لا نقول بجبهة بحرية ، و إنما بكوة مائية ضئيلة لا تويد على 60 كلم فقط و ذلك من نحو 14 ألف كلم هي مجموع سواحل العرب ! .

 

 فإذا ما عرفنا أن مساحـة العـراق تبلغ زهـاء 444 ألف كلم2 ، و أن طول حـدوده البـريـة لا يقل عن 3500 كلم ، أدركنا على الفور أن العـراق دولـة شـبـه داخلية ، شبه حبيسـة بكل معنى الكلمة .

     وحتى تتبلور لنا هذه الحقيقة ، يكفي أن ننسب طول الساحل الى المساحة أو الى طول الحدود البرية . فنجد العـراق يمتلك كيلومترا واحدا على البـحر مقابل 7407 كيلومترات مربعـة من المساحة ، أو مقابل كل 60 كلم من الحدود البرية . و للمقارنة نذكر أن هاتين النسبتين في حالة مصر مثلا هما على الترتيب  1417/ ، 11 / ،1 ، و إذا كان هذا يؤكد ما سبق أن قلناه من أن العـراق قوّة برّ أساسا ، فإنه يعني أيضا أنه دولة " شبه بولندية " تكاد تختنق إلا من كوة ضيقة على الخليج العربي و توشك أن تكون بحق "حبيسة شط العرب " .

 

 و نستطيع أن نضع أيدينا على السبب المباشر في إختناق العراق إذا نحن تذكـّرنا ضـيـاع عــربـسـتـان ، فـردوس العراق المفقود. فهذا المثلث السهلي على رأس الخليج العربي ، هو التتمـة الطبيعية و الاستمرار المباشر لسهل الرافدين العظيم و هو النافذة الطبيعية للعراق على الخليج العربي . فإغتصاب عـربـسـتان لم يسلب العراق رقعة غنية ثمينة من صميم الوطن العربي و نحوا من المليونين من أبناء العروبة فحسب ، و إنما كذلك سلب منها بضعة مـئات من الكيلومترات على البحر . و الواقع أن ضياع اللواء السليب عـربـسـتان هو بالنسبة الى العراق مثل ضياع الإسكندرونة بالنسبة إلى سوريا.

 

     السؤال الآن : إذا كان العراق في الدرجة الأولى وحـدة قارية و قوة برّ شبه داخلية ، فكيف تبدو حـدوده الأرضية الطبيعية ؟ نحن نعرف أن قوسا حائطيا جبليا هائلا يحفّ بالعراق من الشمال و الشرق هو جبال زاغروس . و لقد ألفنا أن ننظر إليه على أنه حـدود العراق ــ بل حـدود العرب ــ الطبيعية في ذلك الاتجاه، و كثيرا ما عـدّ بمثابة " سور العراق العظيم " الذي وهبته إياه الطبيعة و الجغرافيا . و إنه لكذلك حقا ولكن في حـدود . فمن أسف أن الحدود السياسية لا تتبع ـ كما ينبغي ـ خط ذرىً و قمم السلسلة الجبلية أو بالتعبير العلمي خط تقسيم المياه ، بل و لا هي حتى تتعامد على ضلوعها و سفوحها إلا في قطاع محدود للغاية في الشمال . أما في القطاع الأكبر على الإطلاق فهي إما تحتضن أقدام الجبال أو طلائع التلال الأمامية على أحسن تقدير ، و إما تبتعد كلية لتقطع في صميم السهل تاركة بينهما جـزءاً من الأراضي المنخفضة .

 

    و عدا ، أن هذا يعطي إيران كثيرا من الممرات و الأودية التي تعدّ خطوط إقتراب طبيعية الى العراق، كما يعطيها " المفاتيح "  الهيدرولوكية لكثير من روافده و أنهاره ، فإن هذا معناه أن الحدود تترك ما يسيمى "منحدرا"( Glacis) عسكريا عريضا في يد إيران ، بحيث تصبح قوة إيران قوة معلقة مرتفعة أستراتيجيا تشرف بسهولة و تطل من حالق على قوة العراق المنخفضة الإرتفاع . و معروف أن مثل هذا النمط الطوبوغرافي ، يعني أن الميوة العسكرية المحققة هي لإيران التي تتمتع و تنفرد ببرج مراقبة طبيعي و يمكنها أن تنقضّ و تهجم ـ بريا و جويا على السواء ـ بسهولة و تملك عنصر المفاجأة و المباغتة، بينما الطبيعة و التضاريس لا تقف تماما في صف العراق الذي لا يملك إلا موقف الدفاع على أحسن تقدير. و لسنا بداهة نخطط للحرب أو نتصور صداما ما ، ولكن يجب على  التخطيط الإستراتيجي الالتفاف الى هذه الحقائق الطبيعية التي لا يمكن تجاهلها في موضوع الأمن و السلامة القومية .

 

     و جدير بالذكر أن حدود العراق التاريخية كانت تقليديا أقرب الى خط القمم الجبلية ، بل كانت غالبا ما تتخطاه شرقا . و يكفي أن نعلم أن جزءا كبيرا مما هو الآن غرب إيران كان يعرف حتى حتى قريب بـ  "العراق العجمي " إشارة الى طغيان المد العربي هناك . أما تقهقر الحدود السياسية بعد ذلك نحو الغرب بإطراد إلى أن أخذت مسارها الحالي ، فتلك مسؤولية الإستعمار التركي العاجز أولا و أخيرا . فما تراجع و سلّم هنا أمام الضغوط الفارسية خاصة في القرن الماضي و ذلك على حساب العراق العربي سواء في الشمال الجبلي أو في الجنوب في عـربـسـتـان .

 

     ولا بد هنا من كلمة استدراك للتوضيح . فنحن حين نحدد مواطن الخطر في حدود العراق مع جـار له مثل إيران ، لا ينبغي بحال أن ننزلق إلى  الخدعة التي يحاول الحاكم الرجعي المتآمر في هذه الأخيرة أن يسوّق إليها الرأي العام العربي ، وهي أن يوقع بينه و بين الشعب الإيراني الحميم . فهذا الشعب الجار المسلم ، الذي يجمعه و العرب تاريخ حضاري و ثقافي طويل المدى و تفاعل عميق كريم ، ليس له عندنا إلا كل تقدير و صداقة . ولكن الحكم الرجعي الأتوقراطي المتعفن في إيران لا يريد بحملاته على العروبة إلا أن يحوّل نظر شعبه المكبوت في الداخل عن معركته ، مع سجّانيه و قاهريه بأن يزيف عليه عصبية شوفينية منحرفة ضد شعب لا يشاركه قدر ما يشاركه في التطلع الى خلاصه من رجعيته المحلية.

 

ثـــالثــا :  القــوة البـــشريــة

 

     ليس بعدد السكان وحده تقاس القوة السياسية ، ولكن السكان بالتأكيد طرف هام في معادلة القوة . و في هذه الحدود ، لا مفر لنا من أن نقرر أن العراق يعاني نقصا محققا في القوة البشرية . فهو لا يزيد اليوم على  7, 5  مليون نسمة . فإذا عرفنا أن عدد سكان العراق في أوجه العباسي بلغ حسب بعض التقديرات  40 مليونا ـ آخرون يقولون 20 مليونا ـ و أن امكانات تحميله بالسكان اليوم لا تقل عن الطاقة العباسية العظمى ، لأدركنا حـقا أن العراق لا يعدو اليوم أن يكون ظل نفسه قديما و أن حكمه إلى حـد بعيد حكم البلاد الجديدة التي كشفت عنها الكشوف الجغرافية لتتحوّل الى طفل من السكان يحبو و يتعثـّر في ثوب فضفاض من الأرض المترامية . و من الوجهة العسكرية المباشرة يعني هذا أن وراء الدفاع عن كل كيلومتر من الحدود السياسية البرية أو البحرية نحو 1860 نسمة فقط ، بينما الرقم المقابل في الجمهورية العربي المتحدة ، مثلا ، لا يقل رغم ترامي حـدودها و سـواحلها عن 5457 نسمة .

 

     و حتى نضع ثقل العراق في ميزان القوة الإستراتيجة ، ينبغي أن ننظر الى قوى الجيران عبر الحدود . فالعراق يتاخم 6 وحـدات سياسية مجموع سكانها لا يقل عن 55,5 مليون نسمة . أي أن نسبة قوة العراق العددية الى قوة جيرانه مجتمعه هي 1 : 8 , 5  تقريبا . و حتى نأخذ فكرة مقارنة عن مدى فداحة  "الانحدار الجيوبولتيكي " الذي تنتظمه هذه النسبة نذكر أن الجمهورية العربية المتحدة على سبيل المثال تعادل مجموع كل جيرانها مرتين .

 

     على أن من الأفضل حتى تكون النظرة أكثر واقعية أن نستبعـد من تقديرنا جـارات العراق العربية بإعتبارها ظهيرا شقيقا و قوة تحسب للعراق لا عليه . و مع هذا يظل موقف العراق ـ من هذا المنظور ـ أشد الدول العربية حرجا و خطرا . فإن العراق وحــده هو الذي يتاخم الجارتين الآسيويتين الكبيرتين إيران و تركيا ، و مجموعهما يتعدى الخمسين مليونا بسهولة ، و كل منهما على حـدة يناهز العراق عـدة مـرات حجما و عـددا . فإذا أضفنا أن كلاّ من هاتين القوتين تأخذ موقفا متعنتا متحرشا من القومية العربية عامة ، و أن أطول حـدود العراق هي مع إيران بالذات لاتضحت لنا دقة أبعاد الصورة .

 

     على أن الخطر لا ينتهي عند هذا الحـد ، فإن نمط العمران و موقع المعمور في العراق يضاعف من مشكلة السلامة القومية و الدفاع الوطني . و كقاعدة عامـة ، لا شك أن المعمور المتعمق في رقعة الدولة ، أي دولة ، آمن من المعمور المتطرف على هوامشها . و من أسف أن المعمور العراقي ـ أي كتلة السكان و جسمها الرئيسي ـ يجنح بشدة الى موقع هامشي متطرف يقترب به من إيران في الوقت نفسه الذي يبتعد به عن المحيط العربي و يكاد يفصله عنه .

 

     و تفصيل ذلك أن سكان العراق لا يتوزعون أو ينتشرون على كل رقعته السياسية ، بل هي أبعد ما يكون عن هذا الانتشار الغطائي ، حيث تمثـّل جزيرة بشرية طولية تتركز إما إلى الشرق من نهر دجـلة في القطاع الشمالي أي في كردستان ، و إما بين النهرين في القطاع الجنوبي . و السبب في هذا التركيز العمراني المحدد أن الحياة ترتبط في الشمال بالمطر و في الجنوب بمياه النهر . و يترتب على هذا أن السواد الأعظم من ثروة العراق في الرجال و الموارد ، في القوى و الإنتاج ، تترك كل رقعة الدولة لتتركز بعنف قرب الحدود الإيرانية .

 

     و نستطيع أن نعبّر عن هذا بطريقة أخرى ، إذا ما نحن رسمنا خطا على بعد 50  أو 60  ميلا من الحـدود السرقية وهذا المـدى يمثل بالتقريب نطاق الخطر المباشر في حالة التوتر السياسي . فمثل هذا النطاق يضم نسبة كبيرة بدرجة مقلقة من الثروة و القوة القومية . فمثلا ، لن تفلت بغداد و كركوك و الموصل منه إلا بعشرة أمـيال أو يزيد قليلا ، بينما تقع فيه أغلب مدن كردستان في الشمال بالإضافة إلى العمارة و البصرة و حقول النفط الهـامة في الجنوب في الزبير و الرميلة ، بل إن البصرة بالذات تعدّ " مدينة حـدود " معرضة مكشوفة تقع على مرأى النظر إن لم يكن على مرمى حجر من الأرض الإيرانية. و نكاد نضيف أن بـغـداد ـ هي الأخرى ـ " عاصمة حـدود " مثلها في هذا مثل دمشق بالنسبة الى العدو الصهيوني في فلسطين المحتلة .

 

     ليس هذا فحسب ، و إنما يزداد الموقف تعقيدا و حساسية حين نعرف أن كتلة المعمور الرئيسية في إيران و نواتها النووية تجنح من جانبها تجاه حـدود العراق ، تاركة كل رقعة هضبتها الصحراوية المترامية لتعشش بالذات في الغرب و الشمال الغربي على ضلوع العراق . و بهذا تصبح منطقة التخوم من الجانبين منطقة تكاثف لا تخلخل كما ينبغي مثاليا .

 

و يصبح خط الحـدود أشبه بحـد الموسى الخطر ، و تتحول الرقعة كلها ـ بالقوة على الأقل ـ إلى مشاتل للمشاكل . فإذا وضعنا هذا في إطار الفـارق الحجمي الهـائل بين الطرفين على جانبي خط الحـدود لإكتملت لنا أبعاد الموقف .

 

     على أن الشيء المطمئن في النهاية أن الوحـدة المرتقبة جـديرة بأن تصحح كثيرا من إختلال هذا الوضع البشري في العراق . فالوحدة ستنقل حـدود مصر تلقائيا إلى جنب تركيا و إلى ضلوع إيران . و ستصبح الجمهورية المـوحـدة أكثر من أي منهما بدرجة كبيرة : 37 مليونا مقابل 25 مليونا هنا أو هناك تقريبا ، و بهذا تنقلب الإنحدار الجيوبولتيكي في مصلحة العراق . و لا نقصد بهذا للحظة واحدة أن تكون دولة الوحـدة " قوة حرب " على الإطلاق ، فإن السلام هو بداية و نهاية حركة الوحدة العربية . و إنما المقصود أن تكون الوحدة عاملا فعالا في توازن معقول للقوى يردع كل مغامر أو متهور . و لعل هذا في الوقت نفسه هو أحد الأسباب التي دفعت بهذه الدول الى محاربة الوحدة و معاداة القومية العربية منذ البداية ، ولعله أيضا يفسر حملات الإستفزاز الصفيقة الرعناء التي دُفع شاه إيران إلى شنـّها أخيرا على العرب عامـة و التحرش بالعراق و التآمـر عليه خاصة .

 

رابعا : قــاعــــدة العـــراق الأرضيــــــة

 

     أصبحت القوى السياسية ترتكز اليوم في التحليل الأخير على القوة الإقتصادية ، و جوهر القوة الإقتصادية بدورها إنما هو تلك الموارد الحيوية الحرجة التي تمثل " مفاتيح " الإنتاج و التي يمكن أن نسميها الموارد الإستراتيجية . فما هو الأساس الطبيعي لاقتصاديات العراق ، و ما هي الأبعاد الإستراتيجية الأصلية لقاعدته الأرضية ؟

 

     لا شك أن الأرض الزراعية هي أول عناصر الثروة الطبيعية التي يملكها العراق . فالعراق يتمتع بقاعدة أرضية عريضة كأعرض ما تكون ـ على الأقل بالمقياس العربي ـ بل ربما كانت أعرض ما في الوطن العربي . فرغم أن 70 بالمائة من مساحة العراق السياسية صحراء ، فإن المساحة الباقية صالحة للتثمير و التعمير ولا تقل عن 121 ألف كلم 2 ( مساحة كل وادي النيل في مصر ، للمقارنة ، 35 ألف كلم2 ) . و رغم أن المساحة المستثمرة المزروعة بالفعل لا تزيد على 12,3 بالمئة من كل مساحة العراق، ورغم أن العراق زراعيا مساحة لا كثافة ، له مسطح ولكن ليس له عمق ، فإن هذا ينفي أن إمكانات التوسع الأفقي صمام أمن حقيقي للمستقبل .

 

 في السنوات الأخيرة على سبيل المثال ، قدر أن مساحة المزروع بلغت 13,5 مليون فدان منها 7,2 ملايين فدان مـروية ، بينما أن هناك أرضا قابلة للزراعة ولكنها غير مزروعة يبلغ 30 مليون فدان . و إذا كان تخلّف الزراعة العراقية حاليا تقنيا و فنيا واضحا بين كل دول الشرق الأوسط ، فإن هذا قصور مرحلي عابر ، وتظل الحقيقة المحورية قائمة و هي أن العراق إذا لم يكن دولة الحاضر فهو بالقطع دولة المستقبل . و هذا ـ في حساب التاريخ و السياسة ـ خير على كل حال من أن يكون العكس ....

 و اذا كانت الأرض و الماء في جسم الإقتصاد هي كا للحم و الدم في جسم الإنسان ، فإن العراق لا يعـوزه عنصر الماء .

 

    و مرة ثانية ، اذا كان العراق يعاني حتى الآن في بعض الحالات ( من مجاعة مائية ) فذلك إنما يرجع الى عدم كفاية مشاريع ضبط النهر الراهنة . و يكفي أن نعلم أن نحو ثلثي تصريف الرافدين حاليا يذهب بددا الى البحر . و قد وضعت الآن خطة كاملة لشبكة كثيفة من السدود و المشاريع جديرة في النهاية بأن تعطي العراق كل الماء الذي يحتاجه لتثمير كل الأرض القابلة للزراعة فيه . و حين يتحقق هذا ، فلن يكون ثمـة ما يمنع من أن يتحول العراق الى أضخم مزرعة قومية في الوطن العربي .

 

     ولكن يبقى لموارد المياه في العراق جانبها السياسي المباشر . فمن أسف أن  مفاتيح هيدرولوكيته ليست في يده و إنما تقع خارج حدوده . فنصف مياه دجلة يستمد من أمطار تسقط داخل حدود العراق و ذلك في " الربع المطير " في كردستان . أما النصف الباقي فيأتي من الأمطار و الثلوج التي تتساقط خارجه في تركيا وإيران . و الفرات أسوأ وضعا : فمصدر كل مياهه خارج العراق ، و القليل منها يتأصل في سوريا، بينما تتحكم تركيا في المنبع الحقيقي للنهر . و المحصلة العامة أن أغلب مياه الرافدين ـ قـُدّر 80 بالمائة ـ لايتحكم فيه العراق و إنما الجارتان الجبليتان المطيرتان تركيا و إيران .

 

     و قد أثبت التاريخ خطورة هذا الوضع . فلو أن تركيا إستغلت مياه المنابع بإسراف أو أساءت تطهيرها، لأثّر ذلك في مائية العراق تأثيرا بالغا . و لو أن إيران أقامت سدودا على نهر الكارون في منطقة الأهواز لحرمت غابة نخيل شط العرب كل قطرة ماء ، و هي التي تعتمد على مياهه الصيفية . و حتى الآن لم تتأزم العلاقة المائية حقا بين العراق و جيرانه إلا ما كان من حـوادث فردية محدودة تركزت في الواحات الجبلية الصغيرة في شرق العراق على الحدود الإيرانية حيث قطعت المياه عن بعض القرى و المدن ولكنها عادت فسويت . على أن من حسن الحظ أن حاجة الجارتين الى مياه الري لا يمكن بالضرورة إلا أن تكون حاجة تكميلية ثانوية للغاية بحكم غزارة و كفاية موارد المطر الطبيعي في أحباسها. و حتى إذا ما حاولتا أن تسرفا في دعاويهما المائية للري ، فإن أغلب أودية النهرين في منابعهما جبلية ضيقة قزمية ، و قصارى ما يمكن أن يبنى عليها من مشاريع و سدود هي وحدات ثانوية ضئيلة القدرة و التخزين . و بمعنى آخر ، فإن للعراق أن يطمئن ـ كدولة ري تقليدية ـ على ثروته المائية من الناحية السياسية لأنها " حق ارتفاق " تاريخي كما هي حق ارتفاق جغرافي .

 

خــــــامــســــا :  هيـكل الإقتصـــــــاد العــــــراقي

 

    و ثمـة عنصر آخر من عناصر القوة في الموارد الطبيعية للعراق ، و هو التنوع . فالعراق الذي يترامى نحو 80 درجات عرضية بين الشمال و الجنوب ، لا يقل عن مصر ( 10 درجات ) كثيرا في الامتداد الطولي . و هذا الامتداد ليس مجرد تمدد أميبي عقيم ، ولكنه عامل إثراء و تنوع كبير في إمكاناته الزراعية ، فيه يجمع العراق بين المحاصيل المدارية و غير المدارية في الجنوب ، و المعتدلة و الباردة في الشمال ، فهو إذن رصيد مناخي لا شك فيه . و حتى نأخذ فكرة مبسطة عن هذا التنوع الخصب يكفي أن نرى كيف أن الشمال في كردستان ــ حيث يتركز 80 بالمئة من قمح العراق و شعيرة ــ يمثل " "صومعة حبوب أو سلة خبز العراق " ، بينما أن الوسط في منطقة " خاصرة " الرافدين هو بفواكه و خضره الكثيفة " حديقة الجمهـورية " ، فإذا ما وصلنا إلى الجنوب ــ وهو ما يعدّ جغرافيا و سكانيا في آن واحد " بطن العراق " ــ وجدنا صحفة الأرز الرئيسية في العراق و غابة نخيله ... ذلك ، إذن ، قطاع عرضي حي من الأقاليم الزراعية يساعد كثيرا في سدّ حاجات الإستهلاك . وهو ما ينقلنا الى موضوع الكفاية الذاتية .

 

     ليس ثمة دولة يمكن أن تحقق أو تسعى الى الكفاية الذاتية في عالمنا المعاصر بالقطع . ولكن من المؤكد أنه كلما زادت قدرتها على ذلك ـ لا سيما الكفاية الغذائية ـ كان ذلك أدعى الى قوة البناء الاقتصادي و الأساس السياسي للدولة . و الموقف في العراق هو كالآتي : حبوب تحتكر الأغلبية العظمى من الساحة المزروعة ( 91,6 بالمئة أكثر من 90 بالمئة منها يحتلها القمح و السعير وحدهما ) ، إمكانيات للتوسع ضخمة ، إنتاج يستهدف التصدير ، ابتداء ولكنه يتأرجح من سنة لأخرى ما بين فائض و كفاية و عجز ، و معنى هذا ، رغم اتساع المساحة المزروعة ، فإن شدة انخفاض عائد الفدان التقليدي ينتهي بنا الى انتاج محدود في النهاية . مثلا ، في الفترة 1948 ـ 1952  كان متوسط الإنتاج من القمح نحو 0,5 مليون طن ، و من الشعير نحو 0,75 مليون طن ، و من الأرز نحو 0,25 مليون طن ، بمجموع قدره 1,4 مليون طن. هذا في حين أن طاقة إنتاج الغذاء ضعف هذا مرات و مرات ، فقد قدّر أن العراق يمكن أن ينتج من الحبوب نحو 9,5 ملايين طن .

 

     و أخطر من ذلك أن مستوى الإنتاج مذبذب بشدة من عام الى آخر بحكم المناخ . فأغلب إنتاج القمح و الشعير مطري ، و المطر هنا مذبذب للغاية . حتى الأرز الذي يرتبط بالجنوب الإسفنجي الرطب ليس أقل تفاوتا في إنتاجه . و لهذا ، و مع تزايد السكان و ارتفاع مستوى الاستهلاك لم يعد انتاج الغذاء يحقق الكفاية الذاتية في سني النقص . حينذاك يستورد العراق قدر ما يصدّر بضع مرات ، ربما .

 

ســادســا : هــديــة الجــيــولــوجــيــا إلــى العـــــراق

 

     يبقى أخيرا الموارد المعدنية . العراق يشبه سوريا إلى حـد كبير من حيث انه يملك قائمة مطولة مرهقة من عينات من المعادن لا تعني كثيرا و لا تغني إلا قليلا ، مبعثرة ممزقة . ولكن العراق ينفرد بعـد هذا بثروة خطيرة من النفط تحـمل أكثر من معنى و من محمول سياسي و إستراتيجي . فالرصيد المرصود منه يقدر الآن بنحو 3570 مليون طن ، أو ما يعادل 9,5 بالمائة من إحتياطي العالم . و هذا يضع العراق في المرتبة الخامسة بين دول العالم بعد الكويت و السعودية و الولايات المتحدة و ايران ، و قبل الاتحاد السوفييتي و فنزويلا . و من المحقق أن هذا الرصيد يزداد مع تقدم الأبحاث و الكشوف .

 

 أما إنتاجا فالعراق من " الثلاثة الكبار " في الوطن العربي و من منتجي و مصدّري الصف الأول في العالم . و لقد سجل في عام 1964 نحو ستين مليون طن . و يصب النفط دخلا سنويا في اقتصاد العراق 125 مليون دينار(1964) .

 

    و هذا ـ الذي لا يضمن قائمـة الصادرات ولكن يـعد بمثابة صادرات غير منظورة ـ يمثل أكبر عنصر في الدخل القومي للعراق ، و عصب اقتصادها و رخائها . و الواقع أن النفط هو الذي قلب حياة العراق الحديث و حوله من حضارة شبه بدوية الى مجتمع متطور ، و من قطر " لا فقري " الى قطر يرتكز على قاعدة مادية راسخة ، فكان للعراق بمثابة القطن لمصر .

 

     هذا ، و قد كان نفط العراق حتى عهد قريب يتركز في الشمال في كركوك أساسا ، ولكن من حسن حظ العراق في أكثر من معنى أن قد أصبح هناك قطب جنوبي آخر هام للإنتاج في منطقة البصرة يناظر و يوازن القطب الشمالي . فهذا التوزيع أنسب لأغراض التوزيع و الإستهلاك المحلي من ناحية ، و لأغراض التصدير الى الخارج من ناحية أخرى ، و لحفظ التوازن الإقليمي في توزيع الثروة القومية داخل القطر و بالنسبة الى توزيع الأقليات من ناحية ثالثة.

 

    و من الوجهة التطورية ، يمكن أن نقول إن النفط قد حوّل العراق من دولة ريّ و رعي الى دولة زراعية و تعدين . بل إننا اذا أعتبرنا مدى ما ساهم به عائدات النفط في اقتصاد العراق لأمكننا أن نقرر بلا تردد أن العراق " قطر معادن " ، و به أصبح البناء الاقتصادي متعدد الأبعاد ـ أم نقول الأعماق ؟ ـ و أصبح يتألف من " طابقين " : موارد الزراعة على السطح و موارد النفط تحت السطح : موارد الجغرافيا المنظورة و موارد الجيولوجيا الدفينة .. و الواقع أن العراق يتفرد بين الأقطار العربية في أنه ـ مع الجزائر الآن ـ الوحيد الذي يجمع بين الإمكانات الزراعية و الثروة النفطية . و من هنا فإنه الوحيد مع الجزائر الذي يجد نفسه في الموقف السعيد الذي يستطيع فيه أن يجد القاعدة الأرضية التي يوظف فيها دخله النفطي توظيفا فعّالا بـنّاءا . الموقف السعيد ـ كذلك ـ الذي يمكن فيه أن يمول زراعته و نهضته الزراعية و الصناعية من رأس ماله أو من القروض الخارجية .

 

     و مع ذلك كله فلم يُحدث النفط في العراق حتى الآن ثورة أو دفعة صناعية جديرة معقولة ، و ذلك أساسا بسبب النظام السياسي الإجتماعي الإقطاعي و الرجعي أو الإنتهازي الذي لم يصفّ إلا أخيرا مع "الثورات الثلاث " . و لهذا يظل العراق حتى اليوم بئرا ضخما أكثر منه مصفى ، و يظل نفطه تعدينا لا صناعة . ولكن إرهاصـات طيبة قد بدأت أخيرا ، و هناك مشروعات طموحة للبتروكيميائيات و الصناعات النفطية العديدة و لثورة تكرير حقيقية . و يمكن العراق حقا أن يتحول بفضل طاقاته النفطية و طاقته الهيدروليكية الى ترسانة صناعية مرموقة و قلعة للقوة العربية .

  

ســــابــعــا :  مغــــــزى الــــوحـــــدة 

 

    هذه القوى الكبيرة بواقعها و الأكبر بإمكاناتها ، ماذا تعني حين تقترن بقوة مصر الماجدة في ظل الوحـدة المجيدة المرتقبة؟ أكثر من نتيجة تعني ، و كل منها مفعم بالدلالات و ردود الأفعال و الظلال التي ستنعكس داخل المجال العربي و خارجه على السواء . فأولا ، لا جدال أنه ستكون هذه ـ الجمهورية العربية الثانية ، كما قد نقول ـ وحدة بين أكبر و أخطر قوتين في الوطن العربي ، تضم القطبين اللذين تبادلا مركز الثقل في العروبة بالتناوب عبر التاريخ ، و بهذا تبدأ نواة الوحدة العربية الشاملة من أقوى قواعدها و أرسخها في براعة أستهلال يمكن وحدها أن تبشر بتمام التوفيق . و بهذا أيضا تسقط نهائيا و الى الأبد دعوى و دعاية الإستعمار الفجة السقيمة عن " تنافر " القطبين الجغرافيين تاريخيا .لقد طالما روجت المناورات و المؤامرات البريطانية ، في سعيهما لتدق إسفيناً غائراً بين العرب ، أن النيل و الدجلة لا يلتقيان ، و بذلك كانت تصطنع و تفتعل محاور وهمية متعارضة تقطع عبر العروبة و تقطع أوصالها . و ها هما اليوم يلتقيان ليصبا في أرض الوحدة و ليبنيا معا أضخم قلعة مادية و بشرية في ميدان العروبة .

 

    و على الصعيد الخارجي ، ستقدم الوحـدة على الفور أكبـر و أغنى دولة في الشرق الأوسط إطلاقا تتضاءل بجانبها كل من ايران و تركيا ، وتتحول معها أطراف العروبة من مناطق ضغط بشري و سياسي منخفض الى مناطق ضغط مرتفع ، ومن مواطن ضعف و خطر الى مراكز قـوة و أقطاب موجبة. و بهذا، فإن دولة الوحدة الجديدة ستقلب بصورة آلية كل موازين القوى التقليدية في منطقة الشرق الأوسط، وتفرض إلى حد بعيد محاور السياسة السائدة في هذا المجال المترامي من قلب العالم. و لا شك أن القيمة العملية لهذا ستنعكس في قوة المساومة و الردع التي ستملكها الدولة الجديدة حين يأتي دور التسويات الإقليمية مع جـيران العرب، و هو لا بد آتٍ يوما ما. فليس يخفى أن حـدود العرب في آسيا مرصعة بالإقاليم السلبية Terra Irredenta ) ( إبتداءً من عــربــســتان إلى الإسـكـنــدرونة ، و بغير الوحدة و بغير دولة الوحدة لا نرى كيف يمكن إستعادة هذه الأولية المفقودة و ضمها إلى الوطن الأب ( Vaterland ) .

 

     و مثل هذا أو أكثر منه يقال عن السرطان الإسرائيلي  في فلسطين المحتلة . فلا شك أن قيام دولة الوحدة الثنائية يضع هذا المسخ الدخيل بين شقـّي رحى ساحقة أو في داخل كسارة بندق هائلة . و صحيح أن العراق ليس له حدود مشتركة مـع العـدو ، ولكن الحـد الأدنى من وحدة العمل العربي كفيل بأن ينقل حدوده " الميدانية " الى جنب العدو و ضلوعه . و بذلك يزداد العمل العسكري ضده تنسيقا و التحاما . و بإستثناء مـصـر ، فلا ريب أن العـراق يملك اليوم أقوى قوة عـربية ضاربة ، و إجتماع القوتين على جبهتبن من الشرق و الغرب في معركة واحـدة يمكن أن يضع العـدو في قلب استراتيجيا الكماشة و استراتيجيا التطويق و الإحاطة و استراتيجيا الرعب في آن واحـد .

 

     أما داخل دولة الوحـدة نفسها ، فواضح أنها لا تمثل كتلة أرضية متصلة واحدة ، بمعنى أن هناك فاصلا أرضيا كبيرا بين إقليميهما . و نعترف بأن هذه حقيقة قد يؤسف لها ، ولكن لا ينبغي أن نبالغ في تضخيم مغزاها . إنها ليست نقطة قوة بالتأكيد ، ولكنها في الوقت نفسه ليست نقطة ضعف شديد ، من ناحية لأن الفاصل المسافي أقل مما يبدو على السطح ، فكم منا يدرك أن بغداد أقرب ، من حيث المسافة المباشرة و غير المباشرة ، الى القاهرة من القاهرة الى الخرطوم مثلا ، و لا تزيد عليها بين القاهرة و حلايب أو السلوم ؟ هذا بينما أن الفاصل المباشر بين أقرب حدود الإقليمين يقل عن ذلك كثيرا جدا . و من ناحية أخرى ، فإن الفاصل الأرضي ظاهرة عابرة . فطالما كانت الوحدة العربية الشاملة هي الهدف ، و الوحدة العـراقية ـ المصـرية طليعة لها و بداية ، فإن الدولة الجديدة دولة مرحلة أساسا ، و المستقبل جدير بأن يملأ الفاصل بين شقيهما .

 

     و ما دامت الوحدة الشاملة هي الهدف النهائي ، فيستوي ، إذن ، أن تبدأ الوحدة على أساس جغرافي أو تاريخي ، أعني على أساس الإتصال الأرضي و الجـوار المكاني أو على أساس التعاصر و التقارب في درجـة التطور السياسي و الإجتماعي . و ما على الدولة الجديدة إلا أن تنمّي خـطوط المـواصلات بين قطريها بحـماس و جـدّ . و من حسن الحظ أن الشبكة بينهما أصيحت بوصلة العقبة ـ الأردن ، وفي الجنوب عن الطريق البحري حول الجزيرة العـربية .

 و يبقى في النهاية سؤال أخير : مـاذا تضيف الـوحـدة من الناحية المادية إلى طرفيها ؟

 

     إن الـوحـدة بين مـصـر و العـراق هي وحـدة بين بيئتين متشابهتين من النظائر الجغرافية بوجهٍ عام ، فكل منهما بيئة نهرية فيضية تغلّفها شرنقة صحـراوية أو استبسية شاسعة . و قد يبدو للوهلة الأولى أن هذا الإقليم يكرر ذاك ، مما يحد كثيرا من إمكانات التكامل الاقتصادي بينهما . ولكن الواقع أن هناك فروقا محسوسة و دالة في خط العرض و الطول وفي خط التطور و الإنتاج . في خط العرض يبدأ العـراق جنـوبـا حيث تنتهي مصر شمـالا تقريبا ، و في خط الطول يقترب العـراق من عالم الاستبس بينما تستقر مصر في محيط الصـحـراء . و في خط التطور تسبق مصر العـراق بـعدة عقـود في النمو المادي و في نمو السكان ، فبينما تعاني الأولى إفراط السكان يعاني الثاني تفريطهم و ندرتهم . و في خط الإنتاج دخلت مصر الميدان الصـناعي من أوسع أبوابه ، ولكن العـراق لا يزال على عتبته.

 

     و من هذا و ذاك جميعا ، تنبع فروق هـامة في الإنتاج الزراعي و الرعوي و الصناعي لا تجعل منهما اقتصادين متنافسين بقدر ما تدعو الى تمكن الكثير من التكامل الاقتصادي و التبادل التجاري : الحبوب و التبغ و الجلود و الصوف و منتجات مراعي الألبان من العـراق ، و المنسوجات و المصنوعات و الأرز من مصر . أما الفارق في التوازنات السكانية فيمكن الاستجابة له في رأي الكثيرين بالتهجير المخطط من إقليم الضغط المرتفع إلى إقليم الضغط المنخفض . ولكن هذا الجانب الأخير أدخل في سياسة المدى البعيد. و يكفي الآن أن نقرر أن الوحدة بين القطرين يمكن أن تتجسد ماديا في نطاق عريض من التفاعل و التكامل الاقتصادي يضيف الى قوة كل منهما بمثل ما تضيف اليهما على المستوى السياسي و الاستراتيجي. و لقد بدأ هذا يترجم إلى واقع فعلي في خطة تدريجية رشيدة منذ وضع اتفاق الوحـدة الاقتصادية العــربية موضع التنفـيذ .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

{#}  نشر في : الفكر المعاصر ، العدد 12 ( شباط / فبراير 1966 ) ، ص 34 ــ 45 .

  

 

 

ملاحظـــــــة :

  

 نشرت هذه المادة في : الفـكـر المعـاصر ، العــدد 12 ( شـباط / فبراير 1966 ) ، ص 34 ــ 45 .

و يعتبر الكاتب : جمـال حـمــدان أحــد الكتّاب المصريين الإستراتيجيين الذي كان له الدور الفاعل في الكتابة الإستراتيجية عن العـراق و عن القضايا العربية الأخرى ، و كان له الإحترام الخاص في مصر جــمــال عبد الناصر.

مع أن الكاتب كانت له بعض الإنتقادات تجاه الرئيس المصري: جــمـال عبـدالنـاصـر إلا أنه كان موضع تقدير و إحترام خاصين من قبل الرئيس المصري و الحكومة المصرية، بسبب مكانته العلمية و قوة رؤيته الإستراتيجية.

و قد أغتيل بحادثة مؤسفة، حيث تشير التقارير على أن الموساد الإسرائيلي كان له الدور الكبير في حرق الكاتب: جمــال حمــدان في بيته، بسبب نظرته و رؤيته للأحداث التي كانت مطروحة في الخمسينيات و السيتينيات القرن الماضي.

 

 

 

الطبعة الأولى

بيروت ، آب/ أغسطس 1993

 موقع عر بستان

www.arabistan.org

13 – 3 – 2004