بسم الله الرحمن الرحيم
القـوميّـــة والقبـليّـــة
ــــــــــــــــــــــــ
موقع عربستان ـ عبد الكريم الأهـــوازي
لا ارغب في أن اسّود الصفحات منتقداً فحسب و لا ادّعي
بأني عالِم اجتماعي قد وصلت إلى نتائج علمية هامّة بعد بحث
عميق و دراسة مفصّلة في علم الاجتماع و هذه نظرية حديثة مبتكرة
قد استخرجتها بعد تنقيبي في التاريخ و كشفي لغوامض الأفكار و
الآراء والنظريات الاجتماعية، و إنما ستجدني أناقش الفكرة معك
و أدعوك لتطيل الإمعان معي و نصوّغ الآراء في هذا الباب لبعض
المفكرين بتدقيق و تمحيص وافيين و نحاول قدر الإمكان و مبلغ
السعي أن نعطي كل ذي حق حقه و نضع كل شيء في موضعه، أذن سنبحث
معاً ونشترك في الأسئلة و الأجوبة الصريحة و أن أدى ذلك لتجريح
أحاسيس بعض المترفين و الأرستقراطيين و إزعاج بعض الذين
يمارسون الشعر من غير الشعور و الكتابة دون تفكير.
لماذا لا نشترك؟ لماذا لا نتعاهد؟! لماذا لم نكن يداً واحدة و
صيحة واحدة ؟ ألسنا من شعب واحد؟ ثم أليست مأساتنا و مصيبتنا
واحدة ؟!!! نحن اليوم بأمس الحاجة لمواجهة كل المؤامرات و قوى
الطغيان التي تسعي بكل الوسائل الممكنة لتحطيم الثقافة الشعبية
و التراث المجيد و تضعيف روح الوحدة الاجتماعية لكل الشعب.
لاشك أن الجرائم إثر هذه الأعمال الاستعمارية الشيطانية قد
كثرت و شاع السّفه وازدحم الناس في الأسواق لتأكل بعضها البعض
و تبيح بعضها دماء البعض و تفتك بعضها ببعض في هذا الزمن
المظلم حيث صارت الصداقة فيه حماقة و الوفاء غدراً و خيانة و
العزّة و الشرف بضاعة تزداد منافعها لدى الناس كلّما تاجروا
بها و صار الأيمان عكس حقيقته و هو أن تؤثر كلّما ينفعك علي
كلّما يضرّك حيث كان أو يكون. اجل هو ذا و للأسف جانب من
واقعنا المرّ، لكنني مع ذلك أؤمن كل الأيمان و بمعناه الصحيح
أن مازال هناك أناس يحملون الفكر النبيل و القلب الطّيب و
الضمير الواعي حيث يشعرون بواقعهم الحزين ويحسون بحاضرهم
المرير و يقاسون الآلام و تؤلمهم المحنة و يبوحون بالحقائق
داعين إلى الإصلاح وساخطين أيضا و هذا ما يبعث الأمل فعلينا أن
لا نيأس و لا نستوحش طريق الحق لقلة سالكيه طالما نقتدي بأئمة
الهدى و بتعاليمهم نهتدي.
أجارحي الذي أدمي أساني
وسالب حلّتي عني كساني
فمالي لا أقول و لي لسانٌ
و قد نطق الزمان بلا لسان ِ
ليس عجيباً إذ يصبح القائد مقوداً و المصلح مجرماً.. لكنّه
بالطبع أمر مضحك أمر مضحك حيث تصبح الجريمة فضيلة !! فيا
للذلّة و الهوان على شعب تصير فيه علماءه عوامل الجهل و
الانحطاط و تنقلب وسائل الوعي و التثقيف أداة لبثّ التخلّف
بشتى أنواعه..، و قد يحصل هذا عندما تكون الوسيلة غاية و
الغاية تكون وسيلة ينال الانتهازيون بها مطالبهم، وها نحن بصدد
كشف جريمة ارتدت الفضيلة لباساً كي تسّر الناظرين و ترفل بين
الناس دون مانع أو رادع.
تأليف و تنسيق و نشر الكتب الخاصّة بالأنساب و القبائل لهي
أعظم جريمة ثقافية في عصرنا الحاضر. ما حدث في هذه الآونة
الأخيرة بالذّات خلاف روح التقدّم و ضد طبيعة التطور السليم.
لقد فُتح هذا المجال و شرعت أبوابه لكي يؤدي إلى إغلاق مئات
الأبواب و سدّ مئات المجالات أيضا للتوعية الشعبية. يبذل
الكاتب و المؤرخ بالغ جهده في البحث عن معرفة القبائل و
الطوائف و أصلها و فرعها و إقليمها و عدد نفوسها و عدد غاراتها
و شكل راياتها و ما هي نخوتها و من هو رئيسها و إلى كثير من
مثل هذه العناوين التافهة و يدعو القّراء بكل إصرار أن يحشدوا
جميع ما لديهم من طاقة ونشاط و حيّويّة في الاهتمام بتأليفه بل
هو واثق من أمره أنه السبيل الوحيد للكمال و الرّقي و المنهج
القويم للتطور و التقدّم و الباعث القوي نحو التوعية بالنسبة
للأجيال القادمة.
ما هي الأسباب التي تدفع هؤلاء الكتاب لمثل هذه الكتابات؟! و
كيف وجدوا أن لا فلاح ولا هدي لمن لا يخطو خطاهم؟! ما جدوى ذلك
؟!! و كيف يتّنور الشعب بهذه الطريقة العمياء؟! و ما الفائدة
بالنسبة للأجيال سوى العنجهية و تشديد النعرات القبلية؟! صحيح
ما يقال أن معرفة الأنساب لها وظيفة اجتماعية هامّة لكنّها
تبقي وظيفتها في إطارها الخاص و هو النظام البدوي، وهذه الكتب
لم تبعث إلا روح البداوة و بكل سلبياتها في هيكل المجتمع
العظمي. فكل حركة أو فكرة رائدة لها مكانها وزمانها الخاص و
أما غير ذلك فلم تكن ذا حظ أو خير وإن كانت رائعة في نفسها و
جبّارة.
يقول أحد علماء الاجتماع: « الواقع أن معرفة الأنساب لها
وظيفة اجتماعية مهمّة في الثقافة البدوية. فيها يميّز البدوي
أبناء قبيلته عن غيرهم و بها يعرف أين يأخذ ثأره من أبناء
القبائل الأخرى. إن مجهول النسب في البادية هو كمن ليس لديه
قبيلة تحميه و تأخذ بثأره» فنلاحظ عندما يشير إلى الفائدة
الاجتماعية يؤكّد في قوله إلى الثقافة البدوية و الذي تفيده
هذه الوظيفة هو الإنسان البدوي و كذلك المكان فهو يشير إلى
البادية. فالسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: هل نحن اليوم
نحتاج أن نتسلّح بالثقافة البدوية؟! وهل مهمتنا أن نميّـز من
خلال معرفتنا بالأنساب أبناء قبيلتنا عن غيرهم حتى نأخذ بثأرهم
كما كان يفعل البدوي؟! وهل مجتمعنا هذا مجتمع بدوي؟!!! إذا كان
مجهول النسب قديماً كمن ليس له قبيلة تحميه و تأخذ بثأره، هل
من حقنا أن نتمسك بالأنساب بهذه الحجة؟! فأين موقع الدّين إذن
؟! بل ما هو دور القانون و التشريع في المجتمع؟! لكي نجيب على
هذه الأسئلة يجب علينا أن ندرس الآمر دراسة خاصّة وفي حدود
المجتمع الذي نعيش فيه فإني أميل إلى رأي الدكتور علي الوردي
حيث يقول:
« ليس من الصواب أن نعالج المشاكل في قطر من الأقطار العربية
في ضوء دراستنا لقطر آخر. الواجب القومي يحتم علينا أن نعالج
مشاكل كل قطر في ضوء قيمه و ظروفه الخاصّة به، إن التعميم
المطلق في هذا المجال غير جائز»
فليس من الصواب إذن أن نقارن شعبنا العربي بالشعوب العربية
الأخرى ونحكم عليه من خلال هذه المقارنة الشكلية ونحمّله ما لا
يطيق أو نعطيه ما لا يتقبّل.
لا يمكن لنا أن نقوم بدراسة الشعب اللبناني مثلاً في ضوء بحثنا
و دراستنا في المجتمع العراقي أو نعمّم في دراستنا للشعب
المصري النتائج الحاصلة في بحثنا للشعب الخليجي. لذلك أري من
الحق أن ندرس طبيعة مجتمعنا العربي الذي هو بالواقع شاذ بظروفه
الحاكمة عليه عن سائر المجتمعات العربية و أن تشابه في بعض
صفاته وخصوصياته و قيمه مع الشعوب العربية(وعلى الأخص المجتمع
العربي في جنوب العراق) ولكنّه مع ذلك يحتاج إلى دراسة خاصّة
إذا أردنا أن نعالج معضلاته الاجتماعية. فإذا شئنا أن ندرس و
نبحث في حدود المجتمع الذي نعيش فيه وفي ضوء قيمه و ظروفه،
فالدراسة أيضا يجب أن تكون على أسس علمية نتابع من خلالها
الغاية الحضارية لصالح المجتمع حيث تتناسب مع قيم الشعب وظروفه
و تساعده لخلق جيل واع يتطلع إلى المستقبل الزاهي بالعمل الجاد
و السعي المستمر.
أما كتابنا يعملون خلاف هذا الأمر، فهم كانوا بعيدين كل البعد
عن الدراسة العلمية و كذلك عن الشعور القومي إذ هم يبحثون خارج
علم الاجتماع و يكتبون دون استيعاب الغايات القومية. إنهم في
رأيي أشبه برسّام حاذق و مجرّب يرسم لوحة، يستخدم فيها جميع
فنون الرسم الجميلة و بآلات حديثة، صورة أو هيئة امرئ ٍ
يكشف فيها عن عورتيه و بشكل فضيع تندى منها جبين الحياء و إذا
سُئِل عن سرّ الأمر يقول: هذا هو الواقع!!
فالدراسات فيما نقصد يجب أن تكون أهدافها الوعي و التثقيف
الشعبي. لربّما حُجّتهم في ذلك هو إثبات العنصر العربي لهذا
الشعب أو كيفية تشعبهم من الجذور العربيّة. فالسؤال الذي يخطر
لنا هو:هل بهذه الوسيلة فقط نستطيع أن نثبت بأننا عرب؟! وإذا
لم نستطيع إثبات عروبتنا عن طريق القبلية وسلسلة الأنساب فهل
جائز أن نشك في عروبتنا و جائز أيضاً أن نجحدها؟!!
فهذا المتنبي رغم كل الآراء المختلفة المتناثرة لم يستطع أحد
أن يجزم في تأصّله إلى قبيلة من قبائل العرب كما انّه لا
يستطيع أحد أن ينكر عروبته، إذن هناك مقاييس أخرى للقوميّات
يجب الاعتراف بها والخضوع لها على كل منصف و طالب حق؛ «
العزّ أن تذل للحق إذا ألزمك » يشير الدكتور طه حسين في
كتابه « مع المتنبي » إلى هذا الموضوع فيقول: « ليس من الحق
إذن العربي لا يكون عربياً حتى يحفظ لنفسه أو يحفظ الناس له
نسباً صحيحاً صريحاً ينتهي به إلى قبيلة من القبائل و لو كان
هذا حقـاً لتغيّر كثير جداً من القيم التاريخية و المعاصرة
فأكثر الذين كانوا يرون أنفسهم عرباً في العصور القديمة لم
يكونوا يحفظون أنسابهم في اكبر الظن و التاريخ لم يحفظها
عنهم.. على كل حال أفنجحد الآن أنهم كانوا عرباً لأن أنسابهم
لم تصل إلينا و أكثر المعاصرين من الشعوب العربية في الشرق
الأدنى لا يحفظون أنسابهم و لا يستطيعون أن يرقوا بها إلى
عدنان أو قحطان أفنجحد تحدّرهم من العنصر العربي الصرّيح »
هذا لهو البيان الصريح و الدليل القاطع على أن القياس لم يكن
بتحدّر المرء إلى عدنان أو قحطان و بذكر سلسلة الأسماء و تبيين
شجرة القوم حتى عند ذلك يستطيع الإنسان أن يدّعي بأنه العربي
وهذه السلسلة (شجرة الأنساب) تكوّن هويته فغير ذلك من لم يحفظ
أو يتمسك بهذه الانتماءات، وسير التسلسل لم يكن من حقّه أن
يدّعي العروبة أو قد يكون يصرّح البعض بأنّه ليس عربياً. فهنا
يجب أن نعرف جيّداً ما هي العروبة ؟ و ما هو مفهوم القومية
العربية ؟، حتى لا نهوي في غياهب البئر باحثين عن القمر
الضاحك. فهذا النوع من التفكير و هذا النمط من التفسير في
معاني القومية و أصولها و أركانها لا يمكنه أن يصل بنا إلا إلى
مراحل الانحدار في العصبية الذميمة و الجمود الفكري و الانحطاط
الثقافي.
إن الذين يعتقدون بالعنصرية و عرقيّة فكرة القوميّة ينحرفون
عن مجراها التحّرري الجديد لأنهم يهملون فيها جوهرها الإنساني
فمن شأن المصلحين و ولاة الأمر المتعهدين بالقيم الإنسانية أن
يمنعوا التنازع بين الناس و يجعلوهم ينسون عصبياتهم الضيقّة
بمرور الأيام.
ولكنّنا و يا لخيبتنا لم نجد فيما قدّم كتـّابنا هؤلاء غير
اضطراب المفاهيم و تصادم النزعات حيث يؤدي إلى شجار دائم في
المجامع و الجوامع و المدارس و المجالس و نزاع مستمر في
الطرقات و الأسواق، فالناس تلذع بعضها و تطعن أحياناً بتهافتها
البارد بما رسمتها لهم و كتبتها هذه الأقلام ظلماً، نعم حيث
جعلتهم بأتـمّ الاستعداد ليخوضوا بأرواحهم و أفكارهم معركة
داحس و الغبراء وهم مشرفون بأبدانهم على القرن الواحد و
العشرين فمن حقّهم أن يسرّوا بعملهم هذا لأنهم قد نجحوا إلى
حدٍ كبير و من حقهم أيضاً أن يتباهوا و كيف لا ؟! وقد أصبحوا و
كتاباتهم و تصانيفهم حديث اليوم.
كيف لا يفرحوا وقد أحدثوا ضجّة شعبية ؟!
يا لها من مصيبة حيث يشغل الشعب و أبناءه بهذه المزاعم كأسماء
القبائل و رؤسائها و راياتها و.. بدلاً من بسط العلوم و
المعارف التي تعين الشعب على السير في التفكير السليم تجاه
مفاهيم القوميّة الصحيحة و أدركها و توسيع المجال المتناسب
للتوعية الصحيحة المتناسقة مع ديننا و دنيانا وحاضرنا.
لله درّك يا من صحت بنا أن:« مازال أبو سفيان بلحيته
الصّـفراء يؤلـّبُ باسم اللاتي العصبّـيات القبليـّة »
فكذلك يؤلبُ كتابنا باسم القومية و باسم الثقافة الشعبية كل
العصّبيات القبلية في عصر لا يقيم لهذه الانتماءات وزناً وفي
زمن لا ينفع فيه النظام القبلي و قد يكون بالعكس تماماً فأن
تدهور الشعوب و ضياعها عن طريق هذا التحديد و التقييد، لأنّ
طبيعة التطور لا تخضع للقبيلة بقبليتّها{ بنظامها} في شئ،
لأنها ـ أي العصبية القبليةـ ميزة للبداوة كما يقول علماء
الاجتماع و يجب أن تمحى.
فقد كانت البداوة مرحلة من مراحل التاريخ البشري فكما أن
الإنسان يتحوّل بظواهر الحياة إلى مادة، عليه أن يتحّول
بعقليته محتفظاً بالمباديء و القيم { المبادئ و القيم
الذي لا تتعارض مع روح العصر والتزاماته } فالعربي
الجاهلي مثلاً ما كان يشعر بوجوده من دون القبيلة غالباً و كما
بينا آنفاً القبيلة كانت له بمثابة الهويّة و كانت تعني له كل
شئ. فالجاهليون كان شعورهم القومي يختصر أو يرتكز على القبيلة
و في ذلك يقول الأديب العبقري جورج جرداق:« إنما كان الشعور
الوطني لدى أعراب الجاهلية مرتكزاً على القبيلة لانّ القبيلة
كانت الشكل الاجتماعي الوحيد الذي يمكن للمكان و الزمان أن
يفرضاه على الأعراب يوم ذاك و يقبلاه وهي بذلك الشكل الاجتماعي
الوحيد الذي كان الأعرابي يعرفه ويألفه و لا يطالب امرؤ بان
يحب مالا يعرف و لا يألف.» فإذا كان لا بد للإنسان العربي
الجاهلي أن يتمسّك بقبيلته و يتعصّب للقبليـّة أيضاً بسبب وجود
الظروف الاجتماعية التي يعيشها و المفروضة عليه، هل يجوز
للإنسان العربي في هذا العصر أن يتغنى بالقبليّة {
كنظام قيم } زاعماً أنها التغنيّ بالقومية؟!!
فكما أسلفنا يجب أن نعرف جيداً ما هو مفهوم القومية؟ فـلنلفت
الانتباه إلى ما أشار إليه
« جورج جوداق » من حيث جعل ترابطاً متيناً بين عصبيّة البدوي و
قومية العربي و إنسانية الإنسان وذلك خلال إلقاء الضوء على
مكارم الأخلاق و الصّفات الحميدة و النقاط الإيجابية وليس
نتيجة بحثه في عدد الغارات وشكل الرّايات، يقول:« فالجاهلي
الذي كان يمجّد في قبيلته ما ورثته من قيم أخلاقية كالكرم و
الوفاء وحفظ الجّار وحرمة العهد ونجدة المستغيث و نصرة الضعيف
و إطعام الجائع وإيواء الغريب وعفّـة اللسان و عفّـة النظر و
الصدق و علو الهمّة و الذكاء و الفصاحة و حسن الرأي و الصبر،
إنما كان يمجّد قيماً عربيّة أيضاً بدليل اشتراك القبائل
العربية جمعاء في تمجيدها و في الالتقاء عليها عن طريق الشعر
وهو في الوقت ذاته إنما كان يمجّد قيماً إنسانية خالصة يطلّ
بها على الأفق البشري العام ويريد أن يفرض وجودها المطلق،
كمُثُـل مطلقة.» فأننا نعتز بقوميتنا لانّ جوهرها أنساني
. فإذا نسيت جوهرها فهي عصبية ذميمة لا يقرّها الإسلام و لا
{ تقرها } الإنسانية.
القوميّة بمعناها الإنساني هي التي تجلب العزّة و الشّرف إذا
ما تحدّثنا عن العزّة و الشرف وهي التي جعلتنا في ذروة الفخر و
الـُمباهاة، إن كان هناك مجال للمفاخرة و المباهاة. فعندما
تفقد {القومية}معناها الإنساني تكون في الواقع
تحجّر و انحطاط اجتماعي. تصبح الفكرة القوميّة جناية بشرّية
فهنالك يستخدمها الطّغاة و أعداء الإنسانية أداة لإشباع
الغرائز. علينا أذن أن نستوعب فكرة القومية بشكلها العصري و
بصورتها الحضارية ونتمسك بها من حيث أن
القومية العربية
مثلاً توحّد بين العرب لا لأنّها تفرّقهم وحيث دعوتها إنسانية
لا غير.
قلنا أن التاريخ البشري متحوّل من مرحلة اجتماعية إلى أخرى و
ذلك يحصل طبعاً بتحوّل البشر فكريّاً. فالإنسان يتأثّر
بالمرحلة الاجتماعية التي يعيشها و بظروفها الحاكمة و بقيمها
المتعارفة لدى أهلها فصعب جدّاً لمن يريد أن يقفز من مرحلته
دون مجتمعه و إن استطاع أحد أن يجتاز المرحلة بنفسه فقد يصبح
شاذاً ولذلك نرى أن الأنبياء و الثوار و المصلحين في بداية
قيامهم و نهضتهم، كم يعانون صراع المجتمع و مجابهته حتى ينبتون
في نفوسهم حبّ التغيير ويحبّبون إليهم التحوّل ويصحّحون لهم
المفاهيم ويلقنون لهم صحّتها إلى أن يحدث الانقلاب و تبتدي
مرحلة أخرى في المجتمع. فالسّرّ في إرادة الناس و في حبّهم إلى
التغيير. فأن الله سبحانه و تعالي يقول: « إن الله لا
يغيّرُ ما بقوم حتى يغيّروا ما في أنفسهم.11/13».
مما لا شك فيه أن المجتمع البشري مرّ بمراحل مختلفة يتجه نحو
التكامل بها أو يتطلّـبها. فعندما جاوز الإنسان تلك المراحل
السابقة و أصبح ينظر إلى الحياة و أمورها بمنظار أوسع و اقوي و
أدق. ليس من الصواب إذن أن يتمسك بما كانت عليه الأمم البائدة
من رسوم باطلة وعادات جافة و عصبيات ضيقّة ليـُدعي الأصيل بن
الأصيل كما يظن البعض فأيّ أصالة أعمق من الإنسانية للإنسان و
أحق له. إذا أهملنا مفهوم القبيلة في بحثنا هذا ليس معنى ذلك
أن نهمل مفهوم القوميّة. لأنّ القوميّة كما قيل فكرة مطلقة و
تبقى مع الإنسان في تحوّله لأنها أيضاً غاية لا مرحلة يقول أحد
المفكرين :« لقد تم انتقال الإنسان في دوائر متداخلة متسعة
من الحياة من اجل القبيلة إلى الحياة من اجل المدينة و من
الحياة من أجل المدينة إلى الحياة من اجل القوم و الأمّة و مثل
هذا الانتقال كان تدرّجاً طبيعياً من الضيق إلى الواسع أما
الانتقال من الحياة القوميّة إلى ما يجاوزها فلا يدخل ضمن هذا
الإطار. فالفرق بين الحياة القبلية و الحياة المدنية أو بين
الحياة المدنية والحياة القوميّة فرق في الدّرجة. أمّا الفرق
بين الحياة القوميّة و الحياة الّلاقومّية التي يدعونها
أمميّة، ففرق في الطبيعة على حد تعبير الفيلسوف برغسون.»
أسألكم بالله عليكم ما جدوى إحياء ذكر القبائل و تأريخها و
نظامها ؟!!
هل كانت المحاولة نتيجة دراسة وبحث علمي حيث رجحت جوانبها
الإيجابية منها على السلبيّة لديكم؟! سؤال ملحّ، أم هل هناك
غاية يستصعب علينا فهمها و استيعابها في هذا الظرف من الزمان؟
أليس العالم كلّه بعلمائه و مفكريه في محاولة شاقة وسعي جاد في
جميع الأبعاد أن يجمعوا و يوآلفوا و يوحّدوا بين فئات القوم
وشقق البلاد و اختلاف المذاهب والمشارب. هذه أوروبا مثلاً
تحاول منذ أمد طويل أن توحّد بين بلدانها و فئاتها وعناصرها و
ذلك أدى إلى تأسيس المجامع المشتركة و الأحلاف المترابطة وحتى
أدّت المحاولة إلى دراسة كيفية ابتكار و إبداع لغة واحدة تجمع
من حيث المصدر و المرجع جميع اللغات اللاتينيّة. ومن ثم
التجربة الاجتماعية تثبت أنّ التشتّت والتفّرق في البلاد
المضطربة تسبّب التأخير والإبطاء في السير نحو التقّدم، ذلك أن
عمليّـة التقـدّم و التطوّر تحتاج إلى من يسندها ويسوقها و
ينفذّها بمختلف الوسائل على مستوي الشعب وذاك هو النظام الحاكم
الذي من شأنه في أداء رسالته أن يوّفر للناس حقوقهم الاجتماعية
و عدالتها ولأن يتمكّن من أداء الرسالة ما استطاع، عليه أن
يمنع التنازع بين الناس و العصبّيات الضيقّة ويمنحهم الشعور
بالعدالة والمساواة وإذا لم يحاول إنجاز هذه المهمة بمرور
الأيام، تضطرم النزاعات والاشتباكات في المجتمع وتبعاً لذلك
يستخلف الأمر المعضلات الاجتماعية العويصة و المعقّدة حيث
تمكّن الطغاة استغلال و إذلال هذه الشعوب المتنازعة المتباعدة
في نفسها بتنفيذ مؤامراتها الظالمة.
أيّها المصلحون ليس معنى ما ذكرناه فيما سبق من المقال أن
ننسى
القوميّة
وقد أشرنا إليه أكثر من مرّة و اكرّر أيضاً و أصرّ في تبيين
المراد كي لا يكون إساءة في التعبير إذا ما حصل إساءة ونقصاً
غير متعمد في البيان نتيجة ضعف كاتب هذه السطور في الكتابة وفن
التأليف.
فالقومية
لابد منها مهما تغيّرت الظروف و تحوّلت المجتمعات البشريّة
وتوالت الأزمنة بالأحداث. قوميّة الإنسان كما يعبـّر عنه
العلماء تنسب لجماعة لها مميّزاتها الخاصة حيث لا يمكن أزالتها
إلّا بإزالة القوم وفناء هذه الجماعات، « إن الإنسان قومي
بوصفه منتسباً لجماعة من الجماعات تستوطن إقليماً من الأرض
معيناً و تعيش من اقتصاد و ترتبط بتاريخ معين و تتفاهم بلغة
واحدة وتجمعها فنون جميلة هي تعبير عن حقيقتها المشتركة.. و أن
الإنسان هذا إنسان بقوميته ذاتها لان القوميّة الصحيحة ليست
إلّا مشهداً من الرّواية الإنسانية الكبرى و لأنّها بالنسبة
للقوم كالملامح و كالاسم بالنسبة للفرد، فهي تميّـزه عن أخيه و
لكنّها لا تفصله عنه..» فالقومية ليست عرقيّة في شئ وهذا
لا يناقض ما عبّرنا عنه، فاعتراضنا من حيث أن القومّية قد ضاع
مفهومها الصحيح في تأليف كتابنا و شاع وصفها بالعرقية وهذا
ينافي حقيقة الأمر.
نحن إذا ما امعنّا في التاريخ وبحثنا قليلاً في علم الاجتماع
وإذا اتخذنا الأسلوب المنهجي للبحث و التحقيق سوف نجد أن معظم
القومّيات بل و كلّها تبتنى على الأسس التالية و قد نشير إليها
بإيجاز لأن وضوح ما ندّعيه لا يتطلّب منّا التفصيل، ألا و هي:
الإقليم:
بقعة من الأرض أو منطقة يسكن فيها جماعات معيّنة حيث تنسب هذه
الجماعات لهذه الأرض و من جهة أخرى تصح أن تنسب هذه الأرض
المعيّنة لهذه الجماعات.
التاريخ:
طبيعة الأيام وأحداثها تخلق لهذه الجماعات المعيّنه تاريخ
معيّن و مشترك.
اللغة:
طريقة التفاهم و تبادل الآراء و الأفكار فيما بينهم و كما
يعبـّر عنها جرجي زيدان « اللغة أصوات يعبّر بها كل قوم عن
أغراضهم وقد تعددّت أنواع الأصوات و طرق التعبير بتعددّ الأمم
و اختلاف أصواتها..»{لا يخفي على القارئ الكريم
أن هذه نظرية القدماء بالنسبة للغة واليوم تعتبر اللغة،
الفكر بذاته} و نضيف رداً على الذين يعتقدون
بعرقيّة القوميّة وعنصريتّهم إن لم تكن هذه الأسس كافية لبناء
القومية فأنها العوامل البارزة في تحكيمها و تقويمها بشكلها
الكامل وعلى تعريفها الشامل لا ريب في ذلك. كذلك لو ألقينا
نظرة شمولية و خاطفة في المجتمع البشري الحاضر و من حقنا أن
ننظر إلى واقعنا فنجد أن القومّيات ليست إلّا هذه الجماعات
إلتي ذكرناها في مختلف نقاط العالم.
فإذا كان العربي الجاهلي يرى القوميّة بكل مفاهيمها هي تتلخّص
في القبيلة وفي قبيلته بالذات، فاليوناني أيضا في قديم الأيام
كان يفهم القوميّة في حبّه و ولاءه لإقليمه « أثينا» أو
«إسبارطة» و كذلك الروماني فكان يتعصّب لبلده الذي يعيش فيه لا
للإمبراطورية العظمي. ولكن اليوم تغيّرت كثير من هذه
الاعتبارات و الموازين و النزعات وصارت معنى القوميّة عند
العرب هي القومّية العربيّة وعند الفرس هي القومّية الفارسيّة
أو الإيرانية وكذلك عند سائر الأقوام فهي توسّعت بتوسّع نطاق
الفكر البشري و توسّمت بعنوان اشمل ممّا كانت تعهده البشريّة،
ولذا صار من السهل أن يذوب الفرد في قوميّة أخرى بعد تطبّعه
فيها و اقتناعه بها اختياراً أو قهراً، يقول جورج جرداق صاحب
الموسوعة العلوية الكبرى في كتابه القّيّـم «علي والقومية
العربيّة »:
« هل ضار عروبة نفر من كبار شعراء العرب أنهم ينحدرون من أصول
فارسيّة أو رومية أو غيرها؟ وهل ضار عروبة صلاح الدين أن أصله
كردي ؟ و هل نرفض دخول ابن المقفع { ثبتت الأبحاث الجديدة أن
وجود ابن المقفع أسطورة ملفقة } مثلا في صميم الروح العربي
لأنه فارسي الأصل؟»
إلى أن يقول في هذا الباب:« أم هل نرفض في النتيجة عروبة
السّوريين والعراقيين و اللبنانيين و المصريين لأن كثيراً منهم
ليسوا من اصل عربي؟!! » ثم يضيف: « أن القوميّة في
حقيقتها ليست عنصريّة في شئ لأنّ جوهرها الأصيل إنساني كريم.»
لقد حاول الاستعمار الغربي كما يشير العالم المصري« محمد
الغزالي» إلى ذلك، أن يفرّق الأمة العربيّة في أبان نهضتها
بإعادة العرقية لها و بث هذه الفكرة الخبيثة حيث يمكنها أن
تسحب المصريين لقبطيتها و تغيّر العراقيين إلى آشوريّتها وتنقل
اللبنانيين إلى فنيقيّتها، وقد فشلت بحمد الله هذه المؤامرة
القذرة بسبب رسوخ الفكرة الصحيحة للقوميّة بين أبنائها و لكن
الاستعمار كما هو معروف لا يرضي إلّا بامتصاص دم الشعوب فيجرّب
في ذلك و لأجل إنجاز مهمّته كل الوسائل، فدخل إليهم بطريقة
أخرى و بأسلوب آخر و قد نجح إلى حد كبير للأسف الشديد و بواسطة
تواجد الخونة و المرتزقين و وعّاظ السلاطين بين هذه الشعوب.
و اليوم كتابنا ظهروا ليمثـّلوا المؤامرات الاستعماريّة
بامتثال أوامرهم و خططهم بوعيٍ أو دون وعيٍ و يشغلون هذا الشعب
عن قضيّة التآخي و التآلف و لإخماد حميتّهم القومية و تخديرهم
بالأنساب، حيث الكناني يَهتم بكنايـّته و الطرفي بطرفيته و
الكعبي بكعبيته و التميمي بتميميّته و..، وهلّم جرّاً و
يتفـرّق و يتقسّم الشعب كذلك إلى الأحرار و العبيد، الشيوخ
والرّعاة، السادة {الشرفاء}و العوام، و هكذا بعضهم يحقد على
بعض و تكبر بينهم الضغائن و تبعد المسافات.
و ليت شعري {أظن}، يتعمّـدون كتّابنا الجدّد بهذا التحريض،
أرجو أن يكون إساءة ظنٍ بالنسبة لهم منّي و استغفر الله أنّه
الغفور الرّحيم. نحن ذا نشهد أنّ في هذه الأعمال أي التركيز
على تأليف و نشر الكتب الخاصّة بالأنساب و الاهتمام بها قد
يجعل صبغة رجعيّة وفكرة قبليّـة محضة على معنى القوميّة و
مفهوم الثقافة القوميّة، لهذا يجب أن نعلم ما هو معنى
القوميّة
إذا ما تحدّثنا عن القوميّة ويجب أن نعلم أيضا ما هي
الثقافة
لكي نعرف و نستطيع أن نمزج فكرة القوميّة و الثقافة عملّياً.
فإن استمرار بقاء الشعوب لا يستغني بدون الثقافة و كذلك نؤكد
إذا أردنا أن تبقي الثقافة الشعبية مستمرة حقاً ينبغي إحياءها
و بثّ الدماء في عروقها و لكن ليس بالتمسك بالماضي السحيق و
بالعرقيّة العقيمة.
فالثّـقافة هي المعرفة النسبية لدى كل إنسان في مجتمعه و قد
يكتسبها من مجموعة الأفكار و التجارب و الفنون و الآثار التي
تعطي و تلهم، و طابعها إنساني بالدرجة الأولى وإن كانت ثقافة
الشعب ملهمة و مشرّفة من حيث معطياتها الإنسانية.
« إن لقب
الثقافة
ينبغي أن يكون حتماً هو
الإنسانية،
هو لقب لمجموعة إنسانية وليس لقباً لشيء أو إقليم أو لكوكب
وذلك لأنه ببساطة ثمرة إنتاج الإنسان»
فعلى الإنسان إن ينتمي إلى كل مسلك إنساني.
هذه القاعدة لا شواذ فيها أنّ كلمّا تكون الغاية إنسانية في
المجتمع البشري تكون دائرة شمولها أوسع فالإسلام مثلاً لو كان
منحصراً في العرب و مختصاً لهم لما التّسع هذا الاتساع و لما
انتشر هذا الانتشار و لما نال المسلمون ما نالوه إثر هذه
الفكرة الإنسانية، كذلك يحدّثنا التاريخ من ناحية أخرى عن
انحطاط المسلمين و مهانتهم و ذلك لم يكن إلّا في عصور نمت فيه
العصبيّة من جديد بعد أن أخمدها الإسلام و نشأت العنصرية و في
ظرف نسوا المسلمون غايتهم الإنسانية.
مما روي في العصبيّة حيث يفقد المرء وعيه و يجعل منها غشاوة
على عينه ويطبع الغفلة على قلبه، أن أحد العرب من بني ربيعة
لمّا ادّعى مسيلمة الكذاّب النبّوة آمن به و لم يؤمن بالنبي
محمد«ص» فقيل له في ذلك، فقال إنني اعلم أن نبي ربيعة كاذب و
نبيّ مضر صادق و لكن كاذب ربيعة أحبّ إلينا من صادق مضر. إنها
الأنانيّة والعصبيّة العمياء. فالأنانية من طبائع الإنسان
الحيوانيّة ولكي يصل إلى إنسانيته المنشودة عليه أن يحطّم في
نفسه هذه الطبائع المنحطة.
و روي أيضاً انّه رُؤي رجل في البيت الحرام يدعو لأبيه، فقيل
له هلّا دعوت لامّك، فقال لا، إنّها تميميّة !! يا للذّلة
والهوان لا أستطيع أن أعلّق أو أضيف على هذه الرّواية شيئاً
يكشف عن الحماقة التي تجليها العصبيّة العمياء و هل تحتاج إلى
شئ من التعليق و التفسير؟ و لكن إذا سئل عن صحتّها أو سقمها
أقول: لا غرابة في أن تكون صحيحة، لما توجد أناس في عصرنا هذا
وبيننا تتباهى بأنّـها لن تزوج بناتها إلى شباب و فتيان
القبائل و العشائر الأخرى مهما تكن أوصافهم.
ترى في كتاب لأحد هؤلاء الكتاب ردوداً من بعض المثقفين و بعض
الذين يتكلّفون الثقافة على ما أملى في كتابه السابق من انساب
القبائل و تشعبهم و بأسلوب يتجلّى فيه الوقار المصنوع و
المتكلّف والآنفة في آنٍ واحدٍ، يكتبون معترضين، أنه ليس من
الحق أن يذكرهم من فلان قبيلة بينما هم من القبيلة الفلانية و
كأنهم يبتغون الفضل و الفضيلة بإثباتهم للنسب المذكور و
العشيرة المذكورة. هذا ما نجده عند الكوادر المثقفّة نتيجة هذه
الكتابات و المؤلّـفات فكيف بسائر الناس و منهم العوام
المساكين.
لعمرك ما الإنسان إلّا بدينه فلا تترك التقوى
اتكالا علي النسب
فقد رفع الإسلام سلمان فارسٍ و قد وضع الشرك الشريف
أبا لهب
{والجدير بذكر أن“ سلمان الفارسي” أسطورة مصنوعة من خيال
الشعوبيين العنصريين}.
قد يكون بعض المتزمتين يزعمون أنهم يعرفون كل هذا جيداً و
لكنهم لا يرون بأساً في أن الإنسان يعرف نسبه الصحيح و ينتسب
إليه. من الناحية الاجتماعية و التاريخية، هذا لطيف جدّاً إذا
بقي في حده المعقول و مستواه الإيجابي أما الأمر الذي ننتقصه
عليهم و نشكوه منه هو أنّهم جعلوا الصواب ذريعة لتنفيذ الغلط
ويصّح فيهم أن نقول كما قال الإمام علي(ع) للخوارج عندما
هتفوا: لا حكم إلّا لله، قال: كلمة حق يراد بها الباطل. و من
بعض هؤلاء من يستشهد بالآية الكريمة:
« يا أيّها الناس إنّـا خلقناكم من ذكر و أنثي و جعلناكم
شعوباً و قبائل لتعارفوا..» ويؤكد على هذه الكلمة « لتعارفوا
»{طبعا لا يخفي على أحد أن غاية تقسيم البشر إلى قبائل وشعوب
كما جاء في الآية الكريمة هو التعارف لا التفاخر كما يفعل
الفرد القبليّ!!} و كأنّه هو الذي أنزلها و العياذ بالله فهو
بالطبع أدرى بها، وقد يستمر في استدلاله ببيان الحديث المنسوب
للبني الكريم«ص»: « لعن الله داخل النسب و الخارج بغير سبب»
وهكذا و هكذا يعصم عمله من الخطأ و الزلل و يبرئ موقفه بل
لربّما يقنع من كان حوله؛ إنه واجب ديني على عاتق كل من يعرف
الكتابة، أن يكتب في هذا الشأن.
لسنا في حاجة إلى تفنيد هذه الآراء و إبطال هذا الاستدلال
وهذا النوع من القياس الذي تهمل فيه المادة إن بقي الشكل و
القالب، لأنّ القارئ اللبيب هو أذكى من أن يقتنع بهذه المزاعم.
هذا من جهة وأما من جهة ثانية، لو إفترضنا أن منطقهم صحيح و
رأيهم صائب و كلامهم مقنع، فهل نحن اليوم كشفنا ضرورة هذا
العمل و إن أدّت إلى إثارة الفتنة و اضطرام نيرانها؟ هل نلتمس
«التعارف» {والحقيقة التفاخر} بيننا غاية فلأجلها و في سبيلها
نطمر أنفسنا في مقبرة التاريخ؟! هل إحساسنا بالحاجة الماسّة
إلى التشخيص و التعرّف و البروز و الإعلام يضطرّنا ندافع عن
فكرة رجعيّة حيث نعلن بها أن مازالت القبائل و العشائر حيّة و
حياتها بغاراتها وراياتها ورؤسائها و..؟!
نرى في هذه الحالة أن شعبنا العربي كالضائع في جزيرة ولكي ينجو
و يخلّص نفسه يقترحون أن يحرق نفسه، علامة للسفن و المراكب
المارّة أو للطائرة حتى تهتّم لنجدته. نعود مرّة أخرى لنقول أن
هذه الظاهرة الحديثة أي تأليف و نشر الكتب الخاصّة بالأنساب
تزّين القبليّة بالدّرجة الأولى. فما خرجنا منها بعد حتى دخلنا
فيها بأسلوب حضاريٍ جديد، فأعدنا للقبيلة قبليتّها و للطائفة
طائفيتّها و للأوثان قرابينها و للأرض مؤودتها و كلّ ما سحقتها
الحضارة وحطمها الإسلام.
وليتنا أعدنا الجاهلية نفسها حيث توجد فيها الغيرة و المروءة
كما توجد فيها السفاهة والنذالة. الحقيقة كما قالها الشاعر:
« خلاصة القضيّة، توجز في عبارة
لقد لبسنا قشرة الحضارة
والرّوح جاهليّة »
نعم هكذا تحضرّنا لنلبس السراويل و نركب السيّارات الفخمة و
نستخدم التكنولوجية الحديثة! أمّا الفكر جاهلي و العقليّة
ضيّقة فتحكمنا روح البداوة و تسوقنا إلى المهاوي. كان العربي
في جاهليته، بسيفه يسفك الدماء و يهتك الأعراض و اليوم العربي
بحضارته الكاذبة، يحمل مسدّس أو بندقية ليسفك الدماء ويهتك
الأعراض لتلك الأسباب التافهة التي يثور من اجلها الجاهلي، فما
هو الفرق بين هذا و ذاك غير أن هذا اظلم و اجهل وإذا يعذر ذاك
هذا لا عذر له. فبالله عليكم هل هذه هي مهمّة الكتاب و
المصلحين أن يشجّعوا الشعب على بداوته ويحثّوا الناس بإعادة
العرقّية على التنازع والتخاصم والعداء، كلّا إنّما هذه هي
مهمة المجرمين و الانتهازيين. فلابدّ لنا أن نواجه المتآمرين
علينا بوعي و دراية و نعمل
بالوحدة القوميّة
و
الدينيّة
من اجل دنيانا و أخرتنا.
يذكر لنا التاريخ واقعة لا أرى بأساً في نقلها هنا بل قد تكون
جديرة بالذكر لأنها عبرة وعلينا أن نعتبر، وهي واقعة الشورى
بعد مقتل الخليفة عمر بن الخطاب، « عندما وقف ابن عوف يريد أن
يعلن مبايعة أحدهما « علي بن أبي طالب أو عثمان بن عفّان» صاح
عمّار بن ياسر هاتفاً: إن أردت أن لا يختلف المسلمون نبايع
علياً. فصاح عبد الله بن أبي سرح راداً على عمّار قائلاً:
«إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان» فصار ما صار عندما
أرادوا أن تتوحد قريش دون المسلمين، أضرمت الفتن و أحاطت
البلايا بالناس شيئاً بعد شئ حتى سميّت
بالفتنة الكبرى
على حد تعبير طه حسين. إذن يحب أن نثق
بالوحدة الدينيّة
كمسلمين
وبالوحدة القوميّة
كعرب لبناء المستقبل بناءً متيناً قوّياً لا تزلزله المذاهب و
المشارب ولا تجزئه الطائفية و القبليةّ. علينا أن نتقن معاني
الثقافة و الحضارة والقوميّة و نتفقه في مفاهيم الحضارة حتى لا
تفتننا عناوين كتب الأنساب و القبائل و مصنّفاتها باسم الثقافة
و القومّية وباسم الدين.
هذه العناوين و ما تحمل من محتويات أمست تعرقل سير الشعوب و
تمنع تقّدمها مع الزمن. ربّما بتوهّم البعض بأننا نقصد فيما
نقوله عدم دراسة التاريخ و إنكار فوائده و نفي نتائجه
الإيجابية. لا أبداً بل نعتقد أن التاريخ كالإنسان نفسه له
أبعاد مادّية ومعنّوية: فأبعاده المادّية هي الأيام و وقائعها
و أما أبعاده المعنوية هي الأفكار و العقائد و الآراء
المتناولة لدى حامليها في تلك الأيام، فكما أن الإنسان يحتاج
إلى التجربة لإنجاز الصواب أو بالأحرى أن نقول الأصوب، فكذلك
الأجيال تحتاج إلى تاريخها و دراسته منهجياً كتجربة يعينها على
اتخاذ المسلك الأصح.
كل أمة يجب أن تحتفظ بتاريخها و تراثها و تفهمه أيضا و تؤمن
بقيمها و مبادئها الإنسانية، لان كما قالوا:« الأمة التي
تجهل تأريخها هي أمة غير جديرة بالبقاء».
لقد كشفت الأبحاث الحديثة عن أهمية التاريخ و وجوب دراسته
كعلمٍ له دور في توعية المجتمعات البشريّة لا يستهان به، لأنه
يكون عاملاً للتقدّم و حافزاً للتعالي و الرّقي و ليس عاملاً
للرّكود والجمود، أترى هل ما يكتب اليوم عن الأنساب فيه إنجاز
لهذه المهمّة؟ وهل يتابع أو يأخذ بنا إلى تحقيق هذه الأهداف؟!
أم هو إخماد للطّاقات المتفجّرة و وأد للأفكار الناضجة وهدم
للطموح العالية؟!!!
إن استغلال الشعوب وقهرها و سحق حقوقها مرهون بإذكاء العصبيّة
وغرس العنصرية. نحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى تطوير الإمكانات و
تنشيط الطاقات و ازدهار و تبلور الاستعدادات الفرديّة للوصول
إلى الأهداف العالية عبر حركة اجتماعية متكاملة، حركة تجمع بين
فئات الشعب و طبقاته بمبادئ أصيلة وقيم إنسانية نبيلة، فأن
وصول الشعوب إلى غاياتها المتطلبة مرهون كذلك في إقامة مجتمع
منسجم تآلفهم المحبة و الإخاء و الوحدة الشعبية المتماسكة.
ومن الله التوفيق
عبد الكريم الأهوازي 1375/الأهواز
الموافق للعام 1996 م
هوامش و مراجع
ــــــــــــــــ
1.
د. علي الوردي.دراسة في طبيعة المجتمع العراقي. ص 57-58 الطبعة
الأولى.
2.
د. علي الوردي. المصدر السابق. ص 9
3.
د. طه حسين. مع المتنبي. ص 19. دار المعارف
–
الطبعة الثانية عشر.
4.
جورج جرداق. علي و القوميّة العربية. ص49
5.
جورج جرداق. علي و القوميّة العربية. ص53
6.
د. عبد الله عبد الدائم. القوميّة و الإنسانية. ص 8
7.
جورج جرداق. علي والقوميّة العربيّة.ص 43-42.
8.
جرجي زيدان. الفلسفة اللغوّية. ص 21.دار الحداثة.
9.
مارثيانو سانتيش. الحضارة الشعبيّة و الحضارة القومّية.
10. د.علي الوردي وعّاظ السلاطين. ص 129.(نقلاً عن كتاب أهل
البيت لعبد الحميد السّحار. ص 63.)
« وفي التوحيد للهمم اتحاد و لن تبن العلى
متفرّقينا»
|