|
مراسلات
3
المراسلات: مطبوعة أهوازية (عربستانية) دورية مفتوحة لمجموع
وجهات النظر الوطنية
العدد الثالث ــ السنة الثالثة ـ هولندا ـ أوروبا
29/
ذي الحجة 1424 – 20 – شباط ( فبراير ) 2004 م
إعداد و كتابة المقدمة: عادل السويدي
* بناء المجتمع الأهوازي مهمة راهنة وحيوية *
في هذا العدد سنلقي الضوء على المراسلة التي كانت تتم بين
نخبة من طليعة شعبنا الأهوازي و بين
الدكتور علي الطائي، و لأننا وجدنا في مثل هذه المراسلات
الأثر الفكري و المعرفي الغني بين الداخل و الخارج،
ارتأينا أن نضع هذه المواد الفكرية المهمة بين أيدي
المتابعين من أبناء و بنات شعبنا الطيب، و أن نفتح الباب
واسعاً في التعاطي المعرفي و بالتالي طرح التساؤلات و
الاهتمام بالنقاشات الهادفة في تبيان مثل هذه الأطروحات.
المقـــدمــة:
هذه الرسالة كانت قد كتبت في أواسط عام 1997 م، من قبل مجموعة
من الشباب الأهواز يين في الداخل توجّهوا بها إلى الدكتور علي
الطائي في بحثٍ عن تصوراتٍ سياسيةٍ و فكريةٍ يفضي بها الدكتور
علي الطائي المثقف الأهوازي الذي يقيم في أمريكا.
و هؤلاء الشباب يعتقدون بصواب أفكار و تصورات السيد الطائي. و
كذلك تضمّنت هذه الرسالة طلبا من الدكتور الطائي بمعرفة آخر
أعماله و كتاباته الغنية في الحقول العلمية و الأكاديمية التي
تصدر في أمريكا بغية إطلاع الأخوة و الأخوات في داخل الوطن عن
مضمونها و أفكارها. كان الأخوة يعانون في تلك الفترة من نقص ٍ
في وصول الكتب و المواد العلمية التي ترتبط مباشرة ً بالواقع
السياسي و الاجتماعي للأهواز( عر بستان ). كانت المراسلات بين
الخارج و الداخل تتميّز بالصعوبة إن لم نقل بأنها كانت
مستحيلة، فكانت الساحة الاهوازية في تلك الفترة تعاني من
الإهمال السياسي على أغلب الصُعـُد و الحرمان الثقافي
المتعمـّد من قبل السلطات المحلية في الأهواز بشكل ٍ خاص. و
كذلك تجاه جميع القوميات الأخرى في إيران كالـ: ( الأتراك
الآذريين – الأكراد و غيرهم)، كان المهتمون من أبناء شعبنا
العربي يتعطشون لوصول تلك المقالات التي تحتوي التصورات و
الأفكار و عموم كتابات الدكتور علي الطائي و الدراسات العلمية
ذات المضمون السياسي - الاجتماعي و ضرورة إيصالها من خارج
الأهواز إلى الداخل، و كلنا يعلم دور مثل هذه المطبوعات
الفكرية و الثقافية خصوصاً تلك التي تتناول قضيتنا العربية
العادلة في المحافل الدولية أو المؤتمرات الفكرية و السياسية
في خارج الوطن، الأمر الذي يجعل من هذه الدراسات دورها المهم
في تنمية الوعي السياسي عند المواطن و يزيد من تماسك طلائع
الشعب بقضيتهم الوطنية و القومية، كونهما تغنيان المجالات
الفكرية الجديدة التي تتمحور حول رؤية مواطنينا لقضيتهم
الوطنية في الأهواز.
لا شك بالنسبة لنا أن أمثال الدكتور علي الطائي و من معه
يتميّز بالعمق المعرفي الفكري و السياسي، و يستطيع الإسهام في
كسر حواجز الرؤى الأمنية المفروضة على أبناء شعبنا التي
استطاعت زرعها القوى الحاكمة في غفلة ٍ عن مواطنينا في تلك
الأثناء و هو مدخل ضروري لتشكل بوادر نهضة سياسية و فكرية و
قومية لدى أبناء و بنات شعبنا، و يترسخ فيها معنى الصمود و
التحدّي في الممارسة العملية.
و كانت هذه الرسالة هي المنطلق التي تشكل الاستجابة الواعية
لإشكاليات هذا التحدي و هو الباعث الضروري الكامن وراء إرسال
الإخوة و الأخوات ما جاء في سطورها من أفكار و تطلعات شوقاً
للمعرفة و للإطلاع على المزيد منها.
حقيقية ما ذهبنا إليه في تقديمنا لهذه السطور هو الإشارة
على أن أبناء إقليم الأهواز الغيارى ما يزالون يمتلكون الإصرار
في الصمود و التصدي و النهوض، و كذلك في التقدّم و التطوّر..
ولد الدكتور علي الطائي في عام 1942م في مدينة البسيتين
التي تعتبر مدينة حدودية بين الحدود الدولية للعراق و إيران و
تسكنها غالبية شعبنا العربي إذ لم يسكنها غير الإداريين من
الفرس ممن عينتهم السلطة هناك.
كان الطائي ابنا لأسرة علمية معروفة و ترعرع محباً للعلم
و مقدراً لآفاقه في تكوين الفرد و إبرازه رغماً عن محاولة
السلطة لتكتيف قدرات أبناء إقليمنا العربي و جعلهم محدودي
التفكير و الطموح.
أبوه المرحوم الحاج عصمان الزاير علي الطائي
- التسمية عصمان هو التلفّظ التركي لعُثمان - حيث
ولد المرحوم في العراق و في "العمارة" بالتحديد، وهو من مواليد
أواخر التسعينيات من القرن التاسع عشر الميلادي و كان يعتبر من
أعلام اللغة العربية في منطقتنا بالإضافة إلى إلمامه الكبير في
معرفة الأنساب و أصول العشائر العربية في إقليم الأهواز، بل
رائداً فيها متميزاً في نهضتها.
لقد أحب الطائي الابن العلمَ أيضا و شرب ماء الكرخة خير
ماء ٍ و انتهل قراح نهر كارون و الجـرّاحي:- شرّق بحثا في دروب
المعرفة و غاياتها و غرّب في طلب العلم و كانت مسيرته في طلب
العلم تمتد من البسيتين إلى معشور ثم الأهـواز و من ثمّ
المسيرالى عبّادان و توّجها في طهران حيث قطن مدة 14 عاماً و
حصل على شهادة البكلوريا و الماجستير في العلوم الاجتماعية من
جامعة طهران، و للتذكير فإن أطروحة الدكتور الطائي في
البكالوريا كان عنوانها (( الثقافة و معناها المعاصر )) و أما
عنوان أطروحته في الماجستير كانت (( الفدائيين الفلسطينيين ))
و الأطروحتان كانتا باللغة الفارسية و قد عمل في نفس المدة
مدرساً في وزارة التربية و التعليم ثم باحثاً اجتماعياً في
جامعة طهران، ثم عمل عضواً في الهيئة الأكاديمية في وزارة
العلوم و البحث العلمي حيث بحث و نشر عدة دراسات ميدانية في
شؤون شتى بما في ذلك (( المهجرون من العراق إلى إيران )) إذ
عمل في هذا المجال يؤدي رسالته في طهران العاصمة من سنة 1964م
إلى مطلع عام 1978م قبل أن يسافر إلى الولايات المتحدة طلبا
للمعرفة و الدراسة في جامعاتها من خلال التخصص في فرع علم
الاجتماع.
لقد درس الدكتور العلوم متخصصاً في إحداها و هي علم
الاجتماع على أمل نيل شهادتها في نهاية المطاف و كان نيل شهادة
الدكتوراه هو البوابة التي يلج منها لدراسة واقع مجتمعه
الملموس و التي جاءت هذه الرسالة لتعبّـر عن كينونة فكره و
تصوراته عن الواقع.
بعد حصوله على شهادة الدكتوراه في 1982م
- و كانت أطروحته (( نظرية الثورة الاجتماعية في التركيز
على الثورة الإسلامية في إيران و ثورة الزعيم الراحل
جمال عبد الناصر في مصر)) - في أمريكا عمل في
(( المكتب الإعلامي لجامعة الدول العربية )) في
مدينة "دالاس" بولاية " تكساس"، و في نفس الوقت شرّع و لأول
مرة في تدريس " مجتمع الشرق الأوسط " و كان ذلك في جامعة "
تكساس " بمدينة " دالاس " و من الغريب في الأمر انه و بعد
المباشرة بتدريس هذه المادة و البدايات الجيدة في هذا الخصوص،
و من المؤسف أن الدور اليهودي كان له بالمرصاد، حيث تصدّى له
اليهود في نفس الجامعة و كانوا السبب في إنهاء عرض هذه المادة
و بالتالي منعه من تدريسه لها و من العمل في الجامعة ككل .
وكان اهتمامه يتركز
- في ذلك الحين- على بلورة الحق العربي في فلسطين، و
العلاقات العربية – الأمريكية، و الصلات الإسلامية- المسيحية –
اليهودية عبر التاريخ. و حالياً هو منهمك في دراسة مجتمعنا
العربي " الأهوازي " من الناحية الاجتماعية " تاريخية –
سياسية" و بالتحديد منذ (( قرون إلى الوقت الراهن))، بالإضافة
إلى تدوين نشر كتاباً حول " ظاهرة العرب في شاهنامة فردوسي " و
أيضاً كتاب(( مواصفات الهوية الاجتماعية للكتل القومية
المختلفة)) و هي باللغة الإنجليزية، بالإضافة إلى دراساتٍ
أخرى. و يعمل حالياً أستاذاً جامعياًً، و مديراً لقسم العلوم
الاجتماعية في جامعةٍ للأقليات القومية في الولايات المتحدة
الأمريكية.
لقد كتب في عدة مجالات مختلفة ولكنها كانت تتمحور بشكل
ٍ رئيسي ٍ حول قضيتنا الوطنية العربية في إقليم الأهواز، كانت
جغرافية تلك الدراسات تتوزع في طهران و أمريكا و تتخذ من
اللغات العربية و الفارسية و الإنجليزية وسيلة ً لمخاطبة
العقول التي ينبغي لها تفهّم الواقع، مثلما شارك في مختلف
المؤتمرات العالمية الأكاديمية في أنحاء ٍ كثيرةٍ من العالم،
مقدماً في تلك المؤتمرات الشرح الفكري للقضايا العربية المهمة،
لا سيما حول القضية الفلسطينية مثلما كانت تلك المناسبات
وحضوره في المؤتمرات فرصة ً للدفاع عن الحق الوطني العراقي و
تصورات الإنسان العراقي المرغوب فيها و ما يتعرض له العراق
أرضاً و شعباً كذلك من تجزئةٍ مبرمجةٍ و تفتيتٍ مقصود على يد
الحركة الصهيونية العالمية المُسندة من رؤية العولمية
الأمريكية، إضافة إلى فضحه الغطرسة الأمريكية المتصهينة تجاه
المجتمع العراقي بشكل ٍ خاص و الأمة العربية بشكل ٍ عام.
لقد طرح الدكتور الطائي مضامين المظالم الواقعة على
الإنسان العربي في إقليم الأهواز، كان و لا يزال همه الأهم و
الأول هو الشرح للمعاناة الإنسانية التي يعاني منها شعبنا
الأعزل وسط هيمنة الرؤية السائدة من جانب بعض المسئولين
الإيرانيين تجاه قضيتنا الوطنية الحقة العادلة، و طارحا من
خلال مشاركاته الدءوبة في المحافل الدولية المختلفة حجم
المأساة الإنسانية الواقعة على المجتمع العربستاني و الأرض
الأهــوازية.
كما تقدم باقتراح ٍ على الصعيد العملي فحواه اقتراح فكرة
((
تأسيس الرابطة
العالمية للخريجين الجامعيين لعرب
إيران
))
و ضم جهوده مع جهود الأخوة الأهواز يين و ذلك في
العام 1999 م عاملا على إنشاءها و قاصدا بلورة أفكارها و حاثاً
الواعين من أبناء و بنات شعبنا بضرورة النهوض الثقافي الأهوازي
في مواكبة العصر و الاستفادة من علوم الاجتماعية و الإنسانية
لتوظيف الجهود حول إيجاد الحلول الكفيلة التي تناسب قضيتنا
بشكل ٍ لائق ٍ و بعدالة هذه القضية الحقة. و بالتالي إيصال
رسالة واضحة و حقيقية عن العرب بما يمرون من مرحلةٍ تاريخيةٍ
مجددة، كما كانت له – و لا تزال – إسهامات في النظر إلى
الأمراض الاجتماعية
- الثقافية و بالخصوص التي ينوء بثقلها مجتمعنا العربي و هي
أمراض مزمنة ساهمت في توسيعها و تعميقها و نشرها السلطات
الشوفينية الإيرانية التي تسلّطت على سلطة الدولة الإيرانية،
كما يعمل الدكتور مع إخوة آخرين في دراسة حول هذه الأمراض
الاجتماعية و الثقافية و بالتالي إبداء مفاهيم الاجتهاد على
تلك المعضلات، بغية إيجاد العلاقة التدريجية اللائقة بقضيتنا،
كما كانت له- و ما تزال - إسهامات عميقة في
النظر إلى أمراض المجتمعات الثقافية التي تحيط بمجتمعنا العربي
الذي يعاني من أمراض ٍمُنزرعةٍ بين صفوفه بشكل ٍ مزمن، و حاول
نشر مقترحات حلّها و توسيع مدركاتها و نشرها بين صفوف
المواطنين.
لقد عمل الدكتور الطائي على تفنيد تلك الرؤى السلطوية
التي تصدر بلسان بعض قادتها هنا و هناك متقدماً باقتراحاتٍ
عمليةٍ لتجاوزها، وذلك من خلال كتاباته و ردوده العلمية و
الموضوعية على تلك الآراء الفارسية الضيقة التي تكنّ عداءاً أو
كرهاً دفينين تجاه الثقافة العربية و الحضارية من خلال تسطير
أفكار النهج العلمي الذي يطمح إلى تجاوز الرؤى الفارسية. إن
نشر تلك الدراسات و الردود و البدائل وردت في صحف أمريكية و
مطبوعات في مجلات فارسية تصدر في أمريكا.
كما كان يرسل دائماً فحوى هذه المؤتمرات و مجرياتها السياسية و
الفكرية إلى الأخوة و الأخوات في داخل عر بستان الأمر الذي
يدلّ على الروح المبادرة عند الدكتور الطائي.
لقد نشر له ما توفر نشره في داخل إيران و بالخصوص داخل (عر
بستان) خدمة ً لأبناء و بنات شعبنا فيها ، و هو مشغول
حالياً بجهد مميّز ينصب في مشروع كتاب تحت عنوان: (( ثبت
المراجع )) و هو عبارة عن دليل شامل نسبياً و فريد من نوعه حول
كل ما كتب من كتب و مصادر و مراجع تاريخية و معاصرة عن عرب
الأهواز، وسينشر هذا الدليل
- إن صحت الكلمة - باللغات الثلاث : العربية و
الإنجليزية و الفارسية
، إنشاء الله .
نحن إذ نقدم محتويات هذه الرسالة بين الدكتور و الأخوة في
حقل مطبوعة
"مراسلات
"
قاصدين جعل هذه المواد التوثيقية أسئلة ً تثير همة البحث لدى
المواطنين بغية تقييم الفترة التاريخية المنصرمة التي شهدتها
إقليم الأهواز، و بالتالي إرساء ما ينجم عنها من أفكار و
مفاهيم التي ستؤثر حتماً على تجاربنا المعاشة الراهنة و
المستقبلية في سياق محاولات تجنب الأخطاء التي وقع فيها
أسلافنا و قد نقع فيها راهناً، و نحاول من خلال مطبوعة
"مراسلات"
التي
نهديها إلى المخلصين من أبناء و بنات شعبنا العربي الأصيل
الذين يهمهم الإطلاع على هذه الجهود و فهمها و إجلاء غوامضها
من خلال إثارة الأسئلة التي تبحث عن إجابات علمية بغية خدمة
الإنسان العربي الأهـــوازي و التفقـّه في مسارات شعبه في إطار
وطنه و تاريخه المجيد، و التخلص من سلبيات مسيرته.
فلنقرأ رسالة الأخوة الموجهة للدكتور علي الطائي، و نطّلع على
فحوى مفاهيمها و ندقق النظر في أفكارها الهامة و نعرف
إستخلاصاتها السياسية، و كذلك نقرأ أيضا رسالة الدكتور الطائي
التفصيلية التي يبيّن فيها تصوراته حول قضيتنا و كيفية تعامله
مع الواقع و تحليله لطابع المرحلة التي يمر بها مجتمعنا
الاهوازي، و كان توشية رؤيته بالأبيات الشعرية و الموروث
الفكري لهو دليل على استيعاب التاريخ أو محاولة استيعاب أجمل
ما في هذا التاريخ.
لقد كانت رسالته شاملة على صعيد الأفكار الشفافة في بنية
محتوياتها، كونها تتناول الأحداث الاجتماعية و السياسية
الماثلة في وقتها الراهن، و
بالتالي إعطاء تصوراته للأخوة في الداخل حول كيفية العمل
الممنهج الذي يلزم الإنسان الواعي للتعامل مع معطيات الظرف
المتاحة من أجل تجاوزها و تخطي معرقلاتها.
و
قبل أن أقدّم إليكم رسالة الدكتور علي الطائي، أقدّم إليكم
رسالة الأخوة من الداخل و الذي تجاوب معها الدكتور الطائي
:
بسم الله الرحمن الرحيم
و كل أناس ٍ يتبعون إمامهم و أنت لأهل
المكرمات أمامُ
سعادة الأستاذ الدكتور علي الطائي
الماجد:
تحية طيبة ملؤها المحبة و الإخلاص.
يسرنا أن نرسل سطورنا الحاملة من لدنا
شكراً و تقديراً و امتناناً إليكم بل و يسعدنا أن نتراسل مع
سماحتكم بغية المزيد المعرفة و الدراية.
لقد وصلتنا كتاباتكم النافعة و ردودكم
القارعة التي كشفتم بها عن كثير من الحقائق المنشودة و رفعتم
الستار عن معظم الوقائع الموجودة و ذلك تلبية لنداء الضمير و
الوجدان و أداءً للمسؤولية ببسالة و إيمان، فعندما يشن المغرض
غاراته الشنيعة بكل زور و بهتان، نحتمي بكتاباتكم الرائعة و
نستمد منها العون و الأمان فتكون خير حمىً بعباراتها البالغة و
أدلتها الدامغة، و عندما يطعننا الغادر أفكالاً لا نجد إلا
ردودكم الشافية بلسماً لجراحاتنا الدامية.. فكل كلمة أو عبارة
أو بيان تهتفون به كأنه تمثيلاً لصرخة فيلسوف العرب، أبي
العلاء المعرّي، حيث يقول:
أجارحي الذي أدمى أساني و سالب حلّتي عني كساني
فمالي لا أقولُ و لي لسانٌ و قد نطق الزمانُ بلا
لسان ِ
أستاذنا الجليل: فقد ثبت أن الحضور لم
يكن إلا بالمقاومة و التحدي، و أن الحياة لم تكن إلا بالإيمان
و العمل، و ها أنتم خير مثال ٍلهذا الحضور و خير شاهدٍ لهذه
الحياة، فكم من حاضر ٍ هو أشبه بالغائب حيث لا علم و لا خبر و
لا حلم و لا ضجر و كم من حيّ ٍ هم أشبه بالميت إذ لا ذكر و لا
أثر و لا رعد و لا مطر، و هؤلاء أقرب مصداق لمقولة الإمام علي
ابن أبي طالب في وصف بعض الناس:
إذا قيل: رفقاً قال: للحلم موضع و حلم الفتى من غير
موضعه جهلُ
أيها المعلم الفاضل: مما لا شك أن شعبنا
العربي هو من أجدر الشعوب العربية كفاءةً لينال ما يستحقه،و
ليبقى خالداً بتاريخه و تراثه ليعيش مجيداً. كريماً بطاقاته
الكامنة، ولكن حالت دون ذلك عوامل مختلفة و أسبابٌ شتى و منها:
إهمال ذوي الأقلام و أصحاب الطاقات الفكرية الهائلة إلا من شذ
منهم و ندر، و هؤلاء لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين أو انشغالهم
بما لا خير في تكراره و لا جدوى بالإصرار عليه أبداً، هذا إن
كان لا بد من الإشارة و المرور به، مثل: كتب الأنساب و
الاهتمام بالقوالب الطائفية الشكلية و الظواهر القبلية
الممسوخة أو دواوين الشعر الدارج بخصوص المناسبات العديدة مثل:
التعازي و المراثي و المواليد و التي يعاد طبعها كل مرّة بمزيد
من النسخ النشر و على نفقة المساكين طبعاً. فتهمل الجوانب
الثقافية و المضامين التراثية الأخرى و تنحصر و تتحدد الثقافة
الشعبية و تضيق، كضيق نظرة " الملا خلف " للإسلام و القومية و
الحضارة...
فقليل جداً تلك الكتب و الرسائل التي
تعالج تاريخ المنطقة الاجتماعي بشكل موضوعي، و نادرة جداً تلك
التي تقترح و تقدم أطروحاتها العلمية في سبيل إنقاذ الشعب من
لجج التخلـّف و الانحطاط و صيانته من التفسخ و الضياع، و تكاد
تكون معدومة بالمرة، لو لا أن ظهرت كتاباتكم و مقالاتكم التي
سدّت بعض الفراغ و بعثت في القلوب المشتاقة بارقة الأمل و هي
على الحصر:
1 ـ بحران هويت قومي در إيران.
2 ـ در رد يك روزنامه نگار
ناسيوناليس إيراني.
3 ـ عرب خائن نيست، مدّعي مفتري
أست.
4 ـ ردي برنامه اي از ره آورد نامه
رسان در مجله علم و جامعه.
و قد حصلنا على الكتاب الثالث بطريقة
تشبه الإعجاز، فلهذا و لعشرات العلل نطلب من سيادتكم الكريمة
أن تتفضلوا علينا ببيان اقتراحاتكم الجيدة و آرائكم النيرة في
كيفية الحصول على جميع أعمالكم العلمية و الأدبية و بأسهل و
أسرع ما يمكن حصولها، و كذلك تمنّوا علينا بقبولكم دعوتنا
للمراسلة معكم من أجل إتمام الفائدة و إكمال الواجب و إنجاز
المهم، عسى أن يكون لهذه الدعوة أثراً في عملية التثقيف و
أداءً لبعض الواجب و مساهمة منا في هذا العمل المشرّف بعد أن
كانت و ما زالت لمبادرتكم الميمونة هذه أثرها البليغ و العظيم.
يهــون علينا أن تـُصاب جسومنا و تسلمُ أعراضٌ لنا و
عقولُ
نسأل الله تعالى لكم الخير و السعادة و
التوفيق
أخوتكم المخلصون
ملاحظة:
نرجو من حضرتكم الكريمة أن ترسلوا لنا
منكم صورة فوتوغرافية لتنشر مع كتاباتكم المفيدة.
و الآن نقرأ معاً رد الدكتور الطائي على رسالة الأخوة في داخل
الوطن، وقد عـنــون الدكتور رسالته هذه تحت عـنـوان:
(... و الحــــــديثُ ذو شجـــــــون )
و كان تاريخ الرد هذا في:
" 25 – 2 – 1998 م "
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخوة المخلصون الكرام:
لم أزركم من قبل هذى ولكن سبقتني إليكم أنفاسي
*
و بعد التحية الأخوية و أطيب السلام ...
وصلني منذ فترة سراج كتابكم الو هاج، و غمرني، و كأنه
ــ ولا مجادلة في الأمثال ــ كتاب الأمير العربي الفاضل الإمام
علي بن أبي طالب ( ع ) إلى مالك بن الأشتر ألنخعي الذي يُكلّفه
به و يـُذكره فيه بواجبه، قدر استطاعته، أن يُكللّ ألحق ما
يستحقه.
إن هذا الكتاب ألغالي بمعناه و مغزاه و لفظه و خطه
ألرقعي الجميل و الحوافز الكامنة من وراءه، لهو من أغلى و أسمى
ما وردني من الكتب و الرسائل و الخطابات ألمسجلة في السنين
العشرين الأخيرة التي قضيتها في أمريكا نازحا عن الحـــويــزة،
مدينة أجدادنا و آباءنا و عاصمة أول كيان إسلامي لنا و أنــدلس
ماضينا. و على ذكرها بمعناها و رمزها هذا، أغتنم الفرصة
لأخاطبكم و إياها على لسان أحد أنجالها من الأمراء المثقفين
العباقرة، و ربما سيُدهم بالثقافة و اليقظة الوطنية القومية،
السيد علي السيد خلف المشعشعي فأقول:
يَحِنّ إلى أرض الحــويــزة نازح يــؤمّل من دنياه
أوبة غــائــبِ
إذا ما ذكرنا الكرختــين و أهــلها عـرفتُ هوانا
من صهيل السلاهب
محل هـوى قلـبي و نجح مطالبي و مجمع أصحابي و
مغـنى حبائبي
فقدتُ بها عيشا نهبتُ نعــــيمه أجـل، إنما
اللذّات نهبـــة نــاهــبِ
فلكم منّي
جزيل الشكر و جميله. وفقكم الله و أخذ بأيديكم و سدّد خُطاكم و
رفع عنكم الغمـة و منّ عليكم بالصبر لتداول الأمر. فلابد أن
ينجلي الليل و أن تلوح الشمس في الأفق. ولكن لا ينجلي ذاك و لا
تلوح هذه إلا بدفعة دافع و تخطيط سليم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* هذا البيت
الشعري هو من قصيدةٍ للشاعر الوطني و القومي: أحمد رامي و
حكايتها أن الشاعر خاطب بها الشعب العراقي في ( مهرجان الشعر
في بغداد ) و كان ذلك في منتصف الستينيات من القرن الماضي، و
قد سمعته يخاطبهم صدفة حينما كنت أستمع لإذاعة بغداد وأنا في
طهران.
و بعد حصولي
مؤخراً لديوان ( احمد رامي ) وجدت فيه القصيدة كاملة ً و
مطلعها :
في هوى" بابل ٍ"
وحب" النوّاسي" جئت أسري على هُدى
إحساسي
و أسمحوا لي أن أتوخى في جوابي هذا الإفاضة ليكون ردّي مشتملا
على ما يقرب من مستوى لعطاكم السخي و اهتمامكم المخلص ألجاد
بالأمر، راجياً أن يعتبر الإسهاب أحد الأسباب من وراء التأخر
في الرد !
الفصل الأول: ردود
أردُّ هنا على مجمل الآراء والمقترحات التي تضمّنها كتابكم
المحيط القيـّم.
1ـ
بالرغم مما رأيتموه من شيمكم أن " تشكروا" لي بعض التعليقات
المنشورة على أقاويل بعضهم، فخير ما يمكن أن أقوله هو: " لا
شكر على واجب " قطعاً. بل و هناك في الظاهر ما يشبه الإهمال من
جانبي الذي يستوجب التكفير في نفس الوقت على ضوء ذلك الواجب.
ولكن أستدرك و أقول: إذا عرف السبب بطل التكفير و العجب ! و
على كل فهذا الموقف من هؤلاء هو في الواقع موقفنا جميعاً لأن
الكل مِنّا مُستهدف ( بصرف النظر عن بعض الخاملين المنخرطين مع
الطاغين)، فلا حُسنَ لهم ولا عبارتنا فيهم شتّى، عدا أن ظروفنا
في التصدّي للتحدي تختلف بطبيعتها و بيئتها.
و
لعلمكم أضيف بأن انتباهي تجاه الأمر لازمني منذ الرابعة من
عمري حين رأيت ُ بأم عيني تمهيدهم و تحريضهم لضرب بعضنا بالبعض
الآخر في عام 1946 و ذلك ما عبّروا عنه بعبارتهم النكراء:" سگ
به سگ
! ". أي " دع الكلاب تتكالب على بعضها " ، فراح ضحية ذلك الضرب
الكثير من الأبرياء بما فيهم بعض الأقارب و نفي البعض الآخر،
ماشياً على الأقدام إلى طهران و جرجان و نزح جرّائه آخرون كان
منهم والدي رحمه الله، الذي أحرقوا ليلاً " مضيفه " ألقصبي،
وسلبوا أثاثه بما في ذلك طوق عنقي الفضّي المرصّع بالفصوص
الزرقاء و الذي لا أنساه قط، فكان حلم طفولتي !
و أخذت أتابع الأمر مركّزا تلقائيا على " هويتي
".
وهذا ما أدّى فيما بعد إلى الانهماك بقراءة المتوفر من الصحف و
المجلات و الكتب، لا سيما الفارسي منها، فجمّعت الأشعار و
الأقوال ذات المعنى أو العنوان: " كيَمَ ْ من ؟"،
" من كيستم ؟" الخ. كما و أني جهدت في الإصغاء إلى ما يصل لنا
عبر الأثير و متابعة الحوادث المحلية و القضية الفلسطينية
الأم. و منْ بثَّ بي اليقظة الوطنية القومية عبر الأثير
المذكور و بداية من " حرب السويس " (وكنت يومـئذ في الصف
الأول المتوسط في مدينة معشور) هو الرئـيس الراحل جمال عبد
الناصر فدعاني - بالإضافة إلى ما كنت أتابعة حول حرب الاستقلال
الجزائـري- أنادي و أناشد ما أكده لنفسه المرحوم " ندره حـدّاد
" ( العربي اللبناني المسيحي ) :
لا زار جفني الكرى، لا هزّني الطرب ُ إن كنتُ
يوماً لغير العْربِ أنتسب ُ!
و
لم يتواصل و يتكثّف و يتبلور هذا الانتساب بدافع " ألعصبية "
أو بدافع "أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " قط . بل تمحوّر و
تجوهر نحو الواقع الواضح و تأطر في إطار الهوية المعنية، بما
فيها التراث و التاريخ و اللغة و الجذور و .... و من لا
هويــّة له لا منـزلةَ له، كما أن دراستي في حقل العلوم
الاجتماعية في جامعة طهران ( 70 ــ 1964 ) مهّدت لي أن أكون
أكثر واقعية في تركيزي على ما هو قومي. و زاد قسطا لا بأس به
على هذا كله البحث العلمي الذي مارسته كباحث في جامعة طهران و
في وزارة التعليم العالي و البحث العلمي في إيران.
و من نوادر الأيام و صدفها أني لما كنت في الصف الثاني
من المتوسطة في مدينة معشور عام( 1957 م ) أصبحت صدفة و لبضعة
دقا يق مترجماً في ثانوية (محمد رضا شاه بهلوي ) لسيّدة عربيّة
فلسطينية، مُخدَّرة و نازحة، تستجدي الريال الإيراني بتمهيد
إنساني من أحد رجال الدين الإيرانيين و بيدها منه رسالة لنفس
الغرض. فشعرتُ بالخجل و أنا أترجم، أن يُعينها الطلاب و
المعلمين "العجم" و هي و مترجمها الشاب " عرب ". و قد أوقع هذا
الأمر ألماً في نفسي كان و ما زال له أثره البالغ في متابعتي
القضية الفلسطينية و اهتمامي بها ( ومنه أطروحتي للماجستير في
جامعة طهران في عام 1970 م ) و حقدي على الصهيونية و بعلها
النغل إسرائيل... و عملي في الجامعة العربية في أمريكا لمدة
خمسة سنوات لأقوم بواجبي الإعلامي، مستخدماً له في معظم
الأحيان راتبي المتواضع.
الواقع لما تواجدت في أمريكا من أجل إكمال الدراسة، رأيت نفسي
و بشكل ٍ تلقائـي
- و عملي و عقائـدي مهتماً بنفس الأمر- الأمر الذي
بدأت الحديث فيه. و أما الدراسة الجامعية الرسمية أصبحت
بالنسبة لي الهامش و لا النص. فقد جهدت من أجل " التوثيق " في
توفير الكثير من المعلومات حتى أصبح في حوزتي ما يمكن الانطلاق
منه و البناء عليه في التأليف و النشر المنتظمين. ولكن مع
الأسف الشديد وجدت الفرصة و الوقت اللازمين للقيام بهذا الواجب
يعوزانني . فهنالك مصاعب و متاعب شخصية و عائـلية و ظروف عمل
خاصة، لا حاجة للبت فيها ولكنها مع أسفي هي الحائل دون ذاك.
على أني الآن أركز على التأليف بالإنجليزية مخاطباً جهات
مختلفة، فإذا ما نُشر شئٌ فيها فسوف يُترجم إلى العربية و
الفارسية من قبل الراغبين و المهتمين بالأمر.أقول عن واقع و
بالتأكيد ما يشغل بالي و أهتم فيه علمياً و عقائـدياً و
نفسياً، ليلاً و نهاراً ، لا يمكن
- بالطبيعة و التخطيط - أن يقوم به الفرد وحده إلا
إذا كان مُنتميـّاً إلى مركز أبحاث أو مؤسسة دراسات قائـمة
لنفس الغرض ، وهو ما تستحقه و تتطلّبه قضيتنا ، لا غير. و قد
أصبح انهماكي هذا و أمنيتي هذه - التي لا تكلل بالنجاح
إلى هذا اليوم - مصدر قلق و اعتراك و كبت نفسي و عصبي
بالنسبة لي و حياتي اليومية ، وهو ما حدا بأحد الإخوة و
الزملاء الفلسطينيين الذي يتفهّم المحنة و يشاركني إياها أن
يُخاطبني من نظمه النادر في عام 1993 ، مسليّاً و متمنيّاً على
الزمان و الرجال ، قائــلاً :
من غِــل " ذي الأكتاف " ظلماً يَكبِتُ أ
أراكَ يا " أهواز " يوما تـُفلِتُ
و أرى " ابن حاتم " لا يسودُ حياته أسـف
العيون ِ و قلبهُ المتفتِــتُ !
إني بدوري و بالرغم من الهموم التقليدية و المفروضة بما
فيها مجرى الرياح تجاه ما لا يشتهيه" َبلَمي" و قَلـَمي، آملُ
أن ينُشر لي بالإنجليزية بعض ما أُخطط له و أصبو إليه، قبل أن
يأتي الله بأمره " فالمدة يسيره و المسافة قصيرة و إلى الله
المصير ".
2
ــ
و أما قولكم الصائب: " فكم من حاضر ٍ هو أشبه بالغائـب.. و كم
من حي ٍ هو أشبه بالميت " ذكّرني بما كنت قد سمعته حيـّاً، عبر
الأثير، من الراحل عبد الناصر حينما أخذ قبل رحيله بفترة ينتقد
الدول العربية المعنية بتنشيط الجبهة الشرقية ضد إسرائيل و
التي لم تكن تقوم بواجبها حينذاك( و في كل حين !)
فقال: "... و لتخرج الجبهة الشرقية من مجرد الوجود إلى الحياة
بـرُمّـتها".
نعم يا أخوة: لكل حاضر ٍ و غائـب ٍ و حي ٍ و ميت ٍ و
وجود و حياة تعريف موضوعي يتماشى مع متطلبات الظروف و مستجدات
الأحداث و طموح الجماهير المعنية بالأمر. ولكن لابد و أن
نُـقدّر ظروف كل فرد و كل فـئـةٍ مِنّا في إطار القدرات
المتوفرة و الفرص القليلة و التنشـئـة السياسية و مستواها الذي
يتمتع به الفرد، و الذي يبث الحيوية فيه ليخرج به من مجـرّد
وجود متحـجـّر إلى حــياة حـُرّة متدفقة، و من غيابٍ كموتٍ إلى
حضورٍ مـؤثّـرٍ و فاعل. فالإنسان، كما تعلمون، ليس بلسانه و
شفتيه و أنفه و عينيه، بل بمعرفته نفسه و تثقيفها بأمره، أيما
كان هذا الأمر، و تحَمـلِهِ عبـأ المسؤولية الجماعية و فضيلة
تنفيذها في نفس الوقت. فالمسؤولية هي الالتزام بالعطاء و
الثقافة تعطي الثقة من أجل ذلك العطاء. و لم يكن هذا سهل
الوصول و ربما حال دوننا و إياه مال لا نتمكن من إزالته و
إحباطه في الظرف الراهن. و على كل فلم يكن هناك وجود ذي جود
إلا إذا توفّـّر شيء من مادة الجـود. ففاقد الشيء لا يـُعطيـه
" و لا تجود يــدٌ إلا بما تـجـد".
3
ـ
و بالنسبة لتأكيدكم على جذورنا في عرض الأرض و تبلورنا في عمق
التاريخ و انتماءنا العربي العضوي
- الذي لا ريب فيه - وإلى ما ثار من أجله و انطلق
منه الثـائـر العـربي العالمي الخالد النبي مــحــمــّد بـن
عبدا لله - صلى الله عليه وآله وسلّم- فهو يسُرّ
الخاطر و يُرضي الضمير لكونه منطلقاً عن المنطق و منطبقاً مع
الواقع الذي لا حاجة أن يوثـّق له بغض النظر من تعتيم البعض و
إطلاقهم علينا أو وصفهم لنا و لا يمكن لنا قبوله و لهم إثباته،
أعني: " عرب زبان " أي " عربيّ اللسان " ، فقد كٌنـّا معروفين
بكياناتنا السياسية قبل فجر الإسلام، وثـّق لها الحاقد بنفسه
قبل المحب. كما و إننا أسّسنا ثالث دولة عربية شيعية في المشرق
العربي (( بعد الدولة الزيدية في اليمن و إمـارة بني حمدان ، "
بقية العرب " ، في الموصل و حَلَب )) و ذلك إثر الفوضى التي
عـمـّت البلاد الإسلامية، لا سيما العراق و سوريا الكُبرى و
إيران عند تجـبّـَر التـتار و المغــول و التركمان و تفســّخ
حكمهم و سلطانهم. وفي الواقع بالرغم مما قيل في شخص و مبادئ
مؤسس هذه الدولة: السيد مـحـمـد بـن فـلاح الو اسطي المشعشعي،
فإنه لم يكن هو مؤسـسـاً لدولة تقليـدية فحسب، بل و مفجــراً
لثورة عربية إسلامية استهدفت " الأعاجم " بمختلف جـذورهم و
دياناتهم، و الاستقلال عنهم.
ولكن إذا ما قارنّا أنفسنا اليوم مع جماهير عربية أو غير عربية
أخرى فلا يمكن لنا أن نهـدأ أو نستكين و ألا نشعر بالألم لأن
تلك الجماهير أصبحت تتمتع بكياناتها المستقلة و نحن قد افتقدنا
فعلاً ما كان لنا من كيان مستقل و الذي كان من معدود الأنظمة
العربية المستقلة قبل أن يتقوّض في عام 1925 م. و لابُدّ أن
أضيف: أن الشيخ خز عل فاتته الفرصة الذهبية من أجل القضاء على
" رضا خان " عندما حلّ عنده " ضيفاً " في قصره في الأهواز((
دلّني عليه في صغر سني والدي رحمه الله )) معزّزاً بجيوشه
الإيرانية ليقوّض أمره و إمارته و ليلقي القبض عليه و يأسره و
يخفيه و يخنقه فيما بعد في عام 1936 م. و قد قارنت في مقالةٍ
لي بالإنجليزية، مقارنة علمية و ظرفية بحته، بين هذا"الخز عل"
و زميله العربي الأندلسي السلطان " مـحـمـد أبو عبدا لله
الصغير" (آخر أمير عربي في غرنا طه في الأندلس ) الذي كان قد
فشل هو في صيانة إمارته فتقهقر في عام 1492 م أمام الزحف
الأسباني. فبكى مـُلكه، ليرى أمـُـّه اليـَقـِظَـَة الناظرة
للحدث عن كثب و هي تلومه و توجـّه له النقد اللاذع قائـلة ً: "
يحق لك أن تبكي كالنساء مـُلكاً لم تستطع أن تدافع عنه
كالرجال" أو كما صاغ نظماً احدهم قولها هذا ألمأثور:
ابك مثل النساء ِ مـُلكاً مضـاعــاً لـم
تـُحـــافـــظ علــيه مثــل الرجـــال!
و
إذا كُنــّا واقعيين فلابد أن نستدرك و نقول بأن ذاك التقويض
كان حصيلة ظروف دولية و إقليمية و محلية لا حيلة لـ" خز عل "
نا و لنا عليها من حيث المبدأ. كما و أن فشلنا في إعادة ما
كُـنـّا نتمتّع به هو في الواقع مرتبط بالظروف ذاتها و ما
تكثّـف و تعـقـّد منها ليـزيـد بطينة مسيرتنا بـلـّه. ولكن
....
لــنا مـُلك و لـيس له رعـايـــا و مملكــة و
لـيـس لــها حــــدود ( معروف الرصافي)
... و مع هذا لابد وأن نبقى مـتمسكين و يقظين و قائـلين:
إنّ العـــــــــروبــة يا بلابلها روح
على كــفّ الفتـى و دَمُ !
آملُ أن يوفقنا الله لما يرتضيه لنا فنحن ممن قام بدينه
و نشره في مشارق الأرض و مغــاربها و صان القــرآن و لــغته
العـــــربيــة...
4
ـ و
أما فشلنا من الناحية الثقافية، أي فشل ذوي الأقلام ( و ذوي "
الأفكال"، و لا أفرد نفسي عنهم ! ) فهو من عوارض الظروف التي
أدّت إلى التقويض و استمراره. إن هذا التقويض لم يكن ذاتياً،
بل عرضياًً كما أنه لم يكن سياسياً فحسب بل تربوياً و ثقافياً
و اقتصادياً متأطراً في سياسة " التفريس " العشواء التي غيّرت
مجرى تاريخنا من كل جهةٍ و بكل اعتبار.
فكما أن الظروف الطبيعية البحتة غيـّرت مجرى نهر
الكرخة و سببت ما يُعرف عندنا بـ " الكرخة العمياء " و من
حَولِها " شلوى "، فالظروف التقويضية المذكورة أدّت إلى
تعميتنا و تغيير مجاري تيارات حياتنا الأدبية و السياسية
والاقتصادية و الاجتماعية و تأملنا في الماضي و تطلّعنا على
المستقبل إلى يومنا هذا لتشمل أجيال التقويض الأربعة
المتوالية، بداية ً من عام 1925 م، كما أشير بالاختصار:
كان
الجيل الأول
منّا-
و شأنه كشأن الأجيال الأولى الأخرى من شعوب المنطقة-
جيلاً أميّا أو جاهلاً بطبيعة حاله و ظرفه السائـد. و لهذا،
على سبيل المثال و ليس الحصر، ناصَرَ بعضه، بشكل ٍ غير مباشر،
" رضا خان " لا محبة فيه بل بُغضاً لشيخ خز عل. كما أشعل النار
بنوطرف ( وأنا طـُرفي !)بالقصر الخز علي بالحميدية و كأنه
- أي القصر - هو " اليخت الخز علي " الذي استولى
عليه و من فيه الجنرال فضل الله خان زاهدي. و مع هذا تفاقم جهل
الجيل هذا بعد التقويض فأنه لم يرغم على ترك اللغة العربية و
مواصلة دراسته لها بالشكل التقليدي على غرار " الكتاتيب " و "
المـُلاّ " و قراءة القـرآن الكريم فحسب، بل بالإضافة إلى هذا
أرغم أيضا على أن يدرس الغريبُ البديل المفروض لها و في نظام
تربوي حديث لِيرَطِنها ...
كما و قد تعـرّض
الجيل الثاني
لنفس المحنة و ربما الأشد منها. إن هذا الجيل كان يفتقد
التجربة السياسية و " العصبية " القبلية التي كانت تجيش في
صدور بعض الأفراد من الجيل الأول المذكور أعلاه و الممثلة
بتنافس " الموالي " و "بني كعب " و " بني طُرف " و غيرهم على
السلطة. و على كل ٍ فقد تكون الجيلان من أناس جاهلين باللغة
الأم و بديلها المفروض عليهما، ولكنهما في الوقت نفسه أخذا
ينشدان الأنشودة البهلوية ( شاهنشاه ما زنده باد !) باللهجة
العربية ليستهزئ بهما الناطقين بالفارسية من الإيرانيين. أقول
ُ أمييّن بلغة الأم و جاهلين لها لأنهم منعوا من دراستها كما
نعلم. و أما أُمُيـّتهم بالفارسية ترجع لعدم رغبتهم فيها و
فقدان الحوافز القومية و السياسية و الثقافية من أجل دراستها و
الانتماء إلى " طِهرانها".
هذا ما أدّى إلى التقويض الثقافي الأدبي المُـذهل حتى ظهور
الجيل
الثالث
في الستينيات حيث برَزَ مِنّا بعض الأفراد الذين استمروا
بدراستهم في الجامعات الإيرانية، علماً أن معظمهم بقى مفتقداً
لليقظة السياسية لأن النظام التربوي التعليمي البهلوي-
و كُنتُ تلميذاً فيه و مدرّساً فيما بعد - لم يكن
سياسياً حتى على المستوى الجامعي و حتى في العاصمة.
ومع هذا فكان عدد الطلبة العرب الذين تمكّنوا من الدراسة
الجامعية قليلاً جداً و كان بعضهم قد دخل الجامعات بتمهيدٍ
حكومي. و كان اهتمام البعض ليس الثقافة، بل الحصول على "
المدرك " أو الشهادة المحضة تمشيّاً مع الظروف. وبسبب هذا قد
افتقد الجيل الثالث " المتعلّم " منّا الثقافة السياسية و
الأدبية البنّاءه لكي يتخذ الدور الرائـد في مجتمعنا العربي
المُقوّض. و كان آخرون من أبناء هذا الجيل كغيرهم من بعض
الإيرانيين قد حصلوا على شهادات جامعية من جامعات إيرانية و
أوروبية و هندية بتقديم هدايا السجّاد و الفستق و الفندق و
القوارات و الويسكي و النقود، من أجل ورقة الشهادة الجامعية لا
غير. ()
و في مقابلة صحفية لي مع مُراسلي مجلّة " جوانا ن رستاخيز "
تكلّمتُ في العهد البائد عن هؤلاء الإيرانيين واصفاً إياهم بـ"
دكترهاي
پسته
أي و قاليچه
أي!" أي " دكاترة رشاوى الفستق و السجاد" و قد توفرت لي الكثير
من المعلومات بهذا الشأن عندما انتقلت من جامعة طهران إلى
وزارة التعليم العالي و البحث العلمي و من ثمّ تعَـمّـقتُ في
الموضوع المعني و أطـّـلعتُ على قضايا خاصة، سوف أشرح البعض
منها ذات يوم)(
.
و خلاصة الكلام: بسبب الظروف السياسية المفروضة، أمسينا شعباً
يفتقر إلى التعليم و التربية و الثقافة الأدبية و السياسية و
التاريخية الوقـّادة بلغته و تاريخه و تراثه.
و هذا خلاف ما حصل بالنسبة للشعب الفلسطيني. فرغم اغتصاب
فلسطين منه، تمكّن أن يُـعـَرّفَ عن نفسه و قضيته بنفسه و
بلغات عالمية مختلفة بالإضافة إلى العربية الأم و العبرية
المفروضة على" عرب إسرائيل !" .
و أعـبـّر ُ هنا عن نفسي و إني من هذا الجيل الثالث و أصف
مشكلتي، بل مأساتي، قائلا: بأني نتيجة ً للظروف التي أشرت
إليها، درستُ الفارسية الغريبة على حساب العربية الحبيبة و لم
تتهيّأ لي الفرصة أن أدرس العربية لا في إيران و لا قي أمريكا
ولكنني أقرأ بها ليلاً و نهاراً. و أغتنم الفرصة لأرجو
العذر من اضطراب عربيّتي في هذا الكتاب . و ما لا يُعرف
كله، لا يترك كله ( ولا خوف عليهم ولكنهم يحزنون !) و القصد هو
أنه كل جيل ٍ و كل واحد ٍ منا تأثّر و تعرقل و تقهقر بالتقويض
و طـُوِقّ بكرخته العمياء و شلوته القفراء بغض النظر عن نوعية
معالجته للخروج من هذه المحنه و تحديها نسبياً.
و بالتالي أتكلّم عن
الجيل الرابع:
ما يمكن أن نطلق عليه اسم " جيل الثورة". و من صفات هذا الجيل
هي اليقظة السياسية التي حصّل عليها عن طريق التجربة العملية
قي غضون مستجـدّات الثورة و الحرب العراقية
– الإيرانية. فمُزامنة كل من الحرب و الثورة جعلت هذا الجيل
الحديث يُقارن و يمعن في مفاهيم التدمير و التحرير و العروبة و
الإسلام و الفرس و العرب و الوطن و التراث و قس عليهذا. و في
نفس الوقت لم تكن هذه اليقظة بمثابة الصحوة من الغيبة الكبرى
التي عانينا منها طوال أكثر من نصف قرن من التقويض البهلوي، بل
العكس سادها، حسب تصوّري، الارتباك و تعكُر المياه و ازدواجية
العقيدة بين ما هو قومي و اشتراكي و ديني. و قد عقّدت الظروف
الاقتصادية و الاختناق السياسي و الخلافات القبلية الحديثة و
الاضطهاد الطبقي فكرة هذا الجيل و نظرته و تطلّعه إلى الأمور
فأصبح البعض منه شبه الضائع.
و إذا كنت صائـباً في تحليلي هذا فيحق لي أن أستنتج و
أقول: حتى جيلنا الرابع هذا أصيب في صميمه و تأثّر من كرختنا
العمياء و شلوتنا الوعرة بالرغم مما يجري فيها من مياه في "
نهر بني صدر".
5
ـ
و بالنسبة لما تحدّثتم فيه حول انشغال بعض " المتعلمين"
و"المثقفين" منّا بـ " ما لا خير في تكراره و لا جدوى بالإصرار
عليه.. مثل كُتب الأنساب و الاهتمام بالقوالب الطائفية الشكلية
و الظواهر القبلـــيـة الممـــسـوخــة أو دواوين الشـعر
الدارج..." ، فإني في نفس الوقت الذي أتّفق معكم فيه من ناحية
، لي نظر آخر ربما تَرَون فيه ما يبرره ، وهو ما يلي :
أولاً
:
منذ بدء التقويض و إلى اندفاع الثورة الإيرانية ()
1925
- 1978 م)(
و بسبب الحكم البهلوي العنصري ، كان مضروباً علينا ستار حديدي
من أجل التعتيم و التشويه و الجهل بالذات ، فجعلوا لنا وجودا
بلا حياة و غيبة ترمز عن حضور ، أعني الغيبة الكبرى و الذي
أشرت إليها سالفاً ، ولهذا بتنا نفتقد المعلومات الحديثة
الواضحة عن حاضرنا و ماضينا.
و كل ما كان بحوزتنا هو
))
تاريخ
پانصد
ساله خوزستان((،
علما أن الذين كانوا يمارسون قراءته قليلون و هم لم يؤطروا
قراءتهم له عقائدياً و سياسياً و لا ينتقدونه من ناحية استنتاج
المؤلف و تحليله و حقده الدفين لشيخ خز عل و اتهام الشيخ إياه
باللواط ()
(( كما قرأت في مصدر عن أسرة الشيخ خز عل)(.
(( ولي قِصة دِرامية مع هذا التاريخ ترجع إلى عام 1959 م
حين رأيته لأول مرة بمكتبة غوتمبرغ في طهران و كنت طالب الصف
الأول في دار المعلمين في الأهواز، فاشتريته و قرأته بالرغم من
قلة "الريال" و الرغبة المتفاقمة إلى كتاب آخر ذي طابع مختف
بالإطلاق أروي حكايته لكم في المستقبل !)(
و لمّا رُفِعت، بشكل ٍ عفَوي و ضئيل و لفترة قصيرة، تلك
الغمـّة عنّا بـُعيدَ انتصار الثورة على الشاه و نظامه، أصبح
من الطبيعي الاهتمام بالتركيز على النفس بمعنى القبيلة و ما
يشبه ذلك لأنه كان محظوراً ومن ثم مفتقداً في السابق. و بهذا
فإن الاهتمام المعني له إيجابياته المرحلية الهامّـة و التي
لابد منها من أجل الإثبات للشامت الحاقد أن ما يصفه بـ "عرب
زبان" هو عَرَب " التاريخ " و عرب " بعيد
"الزمان"
و عرب " قح " و عرب " عاربة " لا
غير.
ووفقاً لنظرتي هذه أُسّر و أعتني غاية كلما أسمع بنشر كتاب في
هذا الحقل كما و أني حرصت أن أحصل عليه من أجل الإطلاع عنه و
مقارنته بما توفـّر لي بالعربية و( الإنجليزية ) خارج المتوفر
لكم نظراً لظروفكم. فقد وجدت في كل كتاب فائـدة خاصة، لا بمعنى
المعلومات الإضافية فحسب، بل و بمعنى مساهمة الأخ العربي
المؤلف بإثبات وجوده عبر قلمه و التعريف عن نفسه للقارئ العربي
و الأعجمي.
و قد وردتني رسالة في السنين الأولى للثورة من أحد الأصدقاء في
الأهواز ينتقد فيها صديقاً مشتركاً لِكلينا في المدينة نفسها
قائـلاً بأن " إبراهيم "-
و هو كان ضائعا أو ما يشبه ذلك من ناحية الانتماء القبلي
بالماضي - أخذ يتنصّل منه و من أصدقاء آخرين بسبب عثوره
على " عمامه " أو اهتمامهم فيه لكي يتزعّمهم. و كان ردّي على
هذا الصديق الناقد، نقداً له و تأييداً لإبراهيم المنخرط
إلى"ألشيخه" و المنهمك بالعمام فتركيزه على هويته العربية
القبلية و التي كان لا يعرف عنها شيئا يـُذكر بالماضي.
فبسبب سياسة التعتيم و التفريس كان ولاؤنا للأسرة بالشكل
التقليدي و لم يكن للشعب، لأن مفهوم هذا، أي الشعب، كان غامضاً
و معدوماً علينا. و على أثر الثورة و مساهمتنا ألبنّائه في
اندلاعها، انتقل التركيز الإنتمائي من الأسرة إلى القبيلة و
منهما، ينتقل إن شاءا لله، إلى الشعب.
فللتطوّر و التكامل و التحول الاجتماعي مراحله العديدة و لابد
أن يُـعطي الزمان دوره
- و بتخطيط منّا - أن يلعبه لنا. و على هامش هذا
أتذكر بعض الشباب في مدينة عبـّادان و هم يؤكدوا لغيرهم من
أبناء الفرس و العرب قائـلون : " مـَنْ عـَرَبْ نيستم، جـدّم
عَرَبْ بود ! " ( أنا لستُ بعربي، بل كان جـدّي عربيا ! ).
و مع هذا على أثر انتشار أوّل كتاب من الضرب المعني،
اتصلت هاتفيا بالأخ العزيز المؤلف و هنـّـأته بالخطوة ( و
للمتقدم الفضل ) ولكنني في نفس الوقت سألته معاتباً عن اسم
الكتاب و الذي كان من الممكن تفاديه و استبداله باسم ٍ آخر.
فقال لي بأنه كان متفهـّما للفكرة ولكن الظروف السائـدة آنذاك
لم تكن تسمح له بتسمية أخرى إذا ما كان مهتماً بحصول " إجازة "
الطبع و النشر... و على ذكر هذا كله، قد تسَنـّتْ لي الفرصة
قبل سنوات أن أتكلم مع الدكتور إحسان يارشاطر المـُشرف على "
الموسوعة الإيرانية " ()
التي تصدر في أمريكا بالإنجليزية
()
والذي أخبرني عن حصوله على كُتب فارسيه عن ( عشا ير و قبايل
عَرَب خوزستان ) من أجل الاستفادة منها في نشر مقال في
الموسوعة عن العرب في خوزستان. فقلت له: إن إطلاق هذه التسمية
على المجتمع العربي أو " الأقلية العربية " هناك خطأ علمياً
واضحاً، أرجو عدم ارتكابه في الموسوعة. إن العرب قد تطوّروا و
تحولوا و تحضّروا و تمصّروا منذ عقود. كما و أن أغلبيتهم
الساحقة تقطن في المدن، لا في القرى و لم يكونوا من
الـرّحــّل. و لم يكن جوابه مقنعاً قط. إنه هو كغيره من جيله و
نزعته لا يعرف الواقع الذي يعنينا ولكنني سأرد عليه و موسوعته
منتقداً استخدام التسمية المعنية إذا ما ظهر فيها المقال
المعني تحت الاسم نفسه.
ثانياً:
بالإضافة إلى مشكلة التسمية في هذه التأليفات فقد أرتكب بعض
المؤلفين بعض الأخطاء في استعمال المصطلحات و المفردات
التاريخية الجغرافية. فخذوا على سبيل المثال ما استخدمه نفر من
الإخوة المؤلفين بقربكم، أعني مصطلح:"أرو ند رود " بدلاً عن "
شط ّ العرب ".إن الأول، كما هو اسم فارسي لنهر " دجلة " وحده.
و أما الثاني هو اسم لِتـُعانِق الفـُرات و الدجلـة بدايـة
من"القـُرنة " إلى " الدلتا "، أي مصبهما، و معهما الكرخة و
كارون و الجراحي، في شمال الخليج. و كان قد شهد بهذا و وثــّق
له بدوره " الحكيم الفردوسي " المعروف بِـنـَزعته و نعرته
العنصريتين.
كما استخدم من ناحية أخرى " ناصر خسرو " اسم " شط ّ العرب " في
رحلته المعروفة لدى الناطقين بالفارسية وذلك بسبب كثافة العرب
القاطنين عبر التاريخ على ضفتيه. علماً أن هذا المصطلح شأنه
كمصطلح " أرو ند رود " كان شائعاً و رائجاً في الأفواه و في
المكتوبات المتقدمة قبل أن يستخدمه السيد " سيد حميد الدين
ناصر أبو معين العلوي " الذي كان يتباهى بجذوره العلوية
العربية.
هذا و قد استغربت لما رأيت " مهدي أخوان ثالث "
العنصري الفوضوي في ما قال نثراً و نظماً، وهو يأتينا بتسمية
جديدة لشط ّ العرب فيطلق عليه" أرو ند رود بزرك"، أي أن الشط
لم يكن دجله وحده بل يشتمل على أنهار و مياه أخرى وهذا ما
يستلزم من ناحية عُنصرية بحته أن يـُسمـيه " بزرك ". هذا ما
نقول عنه بالعربية " نفخ جربان للنهران وهو في حد ذاته
- بالرغم من سكونته في عبادان لفترةٍ لا بأس بها -
يـُرينا عبث بعض إخوتنا و مواطنينا من الإيرانيين في الأسماء
المعروفة و يجب علينا أن نتفاداه أنفسنا...
ثالثاً
:
بالنسبة للدواوين الشعرية ، إن الفرصة لم تكن متاحة بالماضي
لكي يمارسوا الشعراء رغبتهم في الشعر و نظمه . و لما أتيحت هذه
الفرصة على أثر الثورة و اتخذت هذه الرغبة طابعاً دينياً و
قبليـّاً جاءونا شعراؤنا الأمجاد بما أمكن لهم تصنيفه و نشره
بغض النظر عن قوته و ضعفه و مادته و هدفه. فأخذ كل واحد منهم
يختبر نفسه و يتمرّن في مهنته و رغبته الشعرية و يغنّي على
ليلاه و سعداه و سلماه، سلّمهنّ لهم الله، كما أنهم أخذوا
ينوحون على ما عندنا من أطلال و يبالغون في أيامهم، خاصة ً"
يوم الجهاد " متناسون سلبيّات هذا اليوم من الناحية السياسية
التحليلية. كما اهتم الآخرون بنظم القصائد الطويلة العريضة
يمتدحون بها النبي العربي ( ص ) وغيره. و نظراً لهذا، كان ردّي
الذي تمكنت من إيصاله له هاتفياً و مكتوباً إلى بعض الأخوة و
الأصدقاء من هؤلاء الشعراء و من " يتـّبعهم" يشتمل على ما يلي:
ــ يجب استخدام الشعر من أجل التركيز على الحوادث و القضايا
العينية البارزة بما فيها الفقر الاقتصادي و الاضطهاد الطبقي و
التمييز العنصري و القبلي و الملاحم المحلية بما فيها " الجهاد
"(بشكل ٍ تقييمي ) و حركة الشهيد محيي الدين آل ناصر و رفاقه و
كذلك نشاط الشهيد حِتـّه ( أي حاتم بتعبير أسمي خاص ) و غيره
قدر الإمكان مع ملاحظة الظرف السياسي الراهن. و لماذا على سبيل
المثال لم يهتم شعراؤنا الكرام بتدمير الأمريكان للطائرة
الإيرانية أو تدميرهم للعراق !؟ إن الاهتمام بالأمجاد السالفة
و المجد التليد و بلـَد الرشيد و الآثار التي غير باقية عن
القرون الخالية و الحنين إلى الأوطان السابقة بدلاً عن اللاحقة
و عيون ألمها بين " الأمانية " و " الجسر المعلـّق " ( أو
الأقرب منه ) له مدلوله الخاص بشرطه و شروطه. فكيف لا يقدر
الإنسان العربي العقائدي معان ٍ كهذه:
لك يا منازل في القلوب منازل أقفرت أنت و هنا
منك أواهل ( المتنبي )
و نحن أناس ُ ُلا توسط بيننــا لنا الصدر دون
العالمين أو القبرُ(أبو فراس الحمداني )
قف دون رأيك في الحياة مجاهدا إن الحياة عقيدة و
جهاد ُ ( أحمد شوقي )
تأخرت أستبقي الحياة فلم أرى لنفسي حياة دون
أن أتقدما ( ؟ )
و مع هذا لم يكن زماننا هذا زمن الشعر بالطابع التقليدي البحت
والمعاني الاعتيادية، لا سيما و أن الأولويات قد تغيرت. فلابُد
وأن نستبدل " عيون ألمها " بـ" عيون الكترونية " و " الرصافة "
بـ " الأمانية " و"الجدايل" ببدايل أخرى و أن نُضمـّن "
البنـيّة " و " الحمريـّة" و" رأس البصل " و " الرغيف " و
"قطعة اللحم " ، الشاحة على الإنسان المسكين الفقير ، لشعرنا و
نثرنا . و أن نكون ناقدين فيما نقول و أن نتعمّق في الغزل و
القصيد و النشيد و أن نختزل الإنتاج من أجل لفت انتباه القارئ
و المستمع فإن زمان التلفزيون و الفيديو و الراديو و الأولويات
المُلحـّة لا تمكّن الإنسان أن يستمع إلى الطويل المُمِل من
نظم القوافي و تسطير الكلمات ألبحته.
و كذلك أضيف: أن حصادنا الشعري أو المنثور هذا هو
حصاد يتم كما أشرت لأول مرة و على إثر الثورة و بعد العهد
المديد الأول من التقويض و بسبب هذا و طبيعة الحال و الخلفيات
التعجيزية الثقافية فإنه لم يكن بالغاً رشده، رامياً لهدفه
المنشود و متجهاً إلى ما يتوخـّى و ينبغي. إنه بوادر لا غير،
البوادر التي لابد منها ولا يمكن الإتـيان بأفضل منها إلا بعد
المرور بتجربتها و ممارستها.
بناءاً على هذا و على ما آمُل سوف يتحسن بعد هذه الفرصة "
التجريبية " و التجربة " العاطفية " فيتصف بما هو واقعي و
سياسي و اجتماعي بالإضافة إلى ما هو " عاطفي ". فالشعر سيبقى
معنا، ربّما إلى الأبد لأنه أدق الوسائل و السبل لبيان البارز
و المكنون من جمال العيون السود و الأحاسيس و الهواجس بالمعنى
العام و الشامل.هذا و ما قــّدمته أعلاه ينطبق على المؤلفات و
منها كتب الأمثال و الأهازيج الشعبية بغض النظر عن موضوعاتها
التفصيلية و تسميتها. فالجيل المؤلِّف الحالي يفتقر
- - وليس بذنب ٍ منه - - إلى تجربه غنية بالتأليف و
التحليل العلمي بسبب ظروفه السالفة. كما و أن معاشر المؤلفين و
الشعراء من الأخوة (وغيرهم) ينتقصهم شيء لا يمكن لهم الحصول
عليه بشكل تلقائي و هو في الظروف السائـدة " يـُعطي " ولا "
يؤخذ " و أقصد به دون غيره هو الحرية "البيضاء " الأكاديمية و
التعبير عن الرأي.
إن حرية الفكر و التعبير عنه لا تعرف و تدرك و تــُقـدّر كما
هي إلا بعد أن تمارس و الممارسة و ألمشق و التمرين، هم المقدمة
لكل فكر صائب و عقيدة ثاقبة و عمل مجيد . بعبارة أخرى، لا بد
أن يُعطى الصديق الكريم السيد الغالي العزيز ابن البلد" ملا
خلف " دوره المرحلي ليأتي بـ " البوادر " في بدء الطريق ليخلفه
و إنتاجه هذا بالتدريج من هو أقدر منه و ما هو أجود من بوادره،
فلكل مرحلة جيلها القائم بها و الناظر إليها لأنه من إنتاجها،
و أحسن دليل على هذا هو اهتمامكم أنتم بالأمر و نقدكم للوضع
السائد و الإنتاج الغث و السمين و لمعرفتكم الناتجة عن اليقظة
و الخروج من مستنقع الكرخة العمياء، إذا صح الوصف، لما نعاني
منه من تمييز و اضطهاد و لما يكنـّه لنا الشامت الحاقد. كما أن
كتابكم الكريم لي يرمز إلى تجاوز و خرق حدود الأسرة و الحارة و
الحمولة والعشيرة و القبيلة و المعرفة الفردية الشخصية،
فراسلتموني و انتم تعلمون بأني لا أعرف أحدا منكم سوى بالفكر و
الاتجاه و الهدف البارز في الكتاب . و هذا هو أصلب و أتقن و
أقوى أساس إلى الانتماء القومي و الفئوي والعقائدي وأجدر شاخص
إلى الهوية الثابتة و إنه الشهاب الثاقب لنجم اليقظة الزاهر.
كثـّر الله أمثالكم من اجل التركيز على مواقعه و مواضعه ألحقه
الخاصة من أجل إثبات ألذات و بلورة الكيان و السير قـُدُماً
تجاه الهدف الواحد . ولله درّ الشاعر القائل :
قـد يهون العمــر إلا ســاعــة ً و تهون
الأرض إلا مـــوضــعا !
6
ــ
و أما بخصوص إشارتكم إلى " المُغرض " ( الإسرائيلي ) و "
غاراته الشنيعة.. " ، فأود أن أقول هنا ( شاكراً لكم مرة ً
أخرى ما تبقى من هذه الفقرة و العبارة ) : إن هذا المُغرض أخذً
يطمع و يُنَـفّـِذْ و يوالي هذه الغارات و يتبجـّح أكثر من
السابق بسبب الهزائم العربية المتلاحقة و تخلّي ما يسمّى
بالقادة العرب عمّا هو " عربي " و تورّطهم ، بالإضافة ، في
الخيانة العربية الكّبرى التي قادتها و حققتها الإدارة
الأمريكية نيابة ً عن الصهيونية و إسرائيل لتحطيم العراق كبنية
اقتصادية و صناعية و عسكرية و طموحاً في الاستقلال الذاتي و
الاستيعاب التكنولوجي فلم يبت العراق اليوم مستقلاً بالمعنى
الدولي المتداول ، بل أمسى "مملكة " تتحكم في أجوائـها و
أراضيها و مياهها و ثرواتها و أغذية وأدوية أهلها الصهيونية ،
مستخدمـة ً الإدارة الأمريكية الحمقاء ،متقنّعة هذه الأخيرة
بقناع ما يسمّى بالأمم المتحدة التي كشفت الحوادث الأخيرة أكثر
من السابق بأنه قِناع ٍ فاض ٍ و مخلخل .
و أود أن أضيف هنا النقاط الأخرى لكي أكون واقعياً فيما قلت :
الأولى
هي
: قصور العراق في عام 91 ــ 1990 م في تفادي هذه المحنة من
البداية فلا حاجة لأم معارك أرملة أو عقيمة . فقد سعى النظام
في العراق إلى حتـفه بِظلفه و بدون أي خطّة و هدف واضح،
مكرّراً سعيه الأول في الحرب الإيرانية- العراقية.
النقطة
الثانية
هي:
أن العراق العربي لا يموت و يهلك كما يتمنّى الأعداء من
الصهاينة اليهود و الأمريكان، ففيه ما فيه من العمق
الإستراتيجي العربي و الرصيد العلمي التكنولوجي ممثلاً
بالخبراء، حتى إذا قـــُضي بشكل و آخر على النظام الحاكم فيه.
و النقطة
الثالثة
هي:
أنّ انتصار إسرائيل على العرب و المسلمين، ليس بالضرورة هو
نهاية المطاف . فكما قيل: " الحق أبلج و الباطل لجلج، للحق
دولة و للباطل جولة ".
و ألنقطه
الرابعة
هي:
سوف يكون لإيران الإسلامية دوراً خاصاً في التصدّي لإسرائيل،
لأن الإسلام وهي، مستهدفان من قبل الصهيونية ممثلة ً بإسرائيل.
و أتذكر و أقول لما حاولت تأليف أطروحتي للماجستير في جامعة
طهران، ما عثرتُ على كتاب ٍ واحد ٍ بالفارسية ما عدا الترجمة
الفارسية لكتاب المرحوم " أكرم زعيتر " مُترجماً تحت اسم "
فاجعة فلسطين يا كارنامه سياه استعمار " بواسطة السيد علي أكبر
هاشمي رفسنجاني.
و أرجع مرة أخرى لغارات العدو الشنيعة، فأقول: أن الأكثرية
السكانية جعلته يهتم بشن غاراته من أجل التصدّي للتزايد
السكاني المعني، و اتخذ لذلك المعاذير المختلفة و شتى السبل
بما فيها العنف السياسي و استيراد المهاجرين و تدشين المشاريع
التنموية ذات الطابع الخاص.
لابد أن نستنتج و نقول في نهاية هذه الفقرة من الرد:
تغيــّرت البلادُ و مـــن عليـــهـا
فوجه الأرض مـــسوّد ُ ُ قبيح ُ
تغــيـّر كل ذي لـــــون ٍ و طعــم ٍ
و قـــلّ بشاشة الوجــه الصبيح ُ
و جاورنا عــــدوُ ُ ليــس يـُـفنى
لعينُ ُ ، لا يمـــوت و نستـــــريــحُ!
7
ــ
بالنسبة لسؤالكم عن المواضيع التي كتبتها بالفارسية ، فإنه
يتهيّأ لي أن معظمها بحوزتكم ما عدا المقال المرفق و غرضي من
كتابته و بالتالي نشره معلوم. كما وأني سأرسل لكم بالقريب
العاجل مقالاً آخر عن " ورقاء ِ ابن سيناء.." تَرَون فيه بعض
المعلومات النادرة و المعاني و المغازي المرتبطة بما نحن فيه.
هذا و أني أهيّأ فعلاً بعض الردود و التعليقات على غابرين
عنصريين بما فيهم : أحمد مدني ، نادر نادر بور، سرهنك مِهر
أموز ، الدكتور جلال مستيني و شخص آخر كتب مقالاً حول عباس
أمير انتظام ( أحاول اغتنام الفرصة من أجل ذكر بعض القضايا ذات
الصلة بعباس هذا ) . و هناك مكتوبات أخرى أحاول تكميلها و
إرسالها لكم من أجل النشر و هي ترتبط مباشرتنا بصميم الأمر .
أني منهمكاً أيضاً بترجمة كتاب عن الإنجليزية للفارسية حول
تاريخ اليهود و دينهم و ترجمة كتاب آخر من العربية إلى
الفارسية حول الأدب العربي في الأهواز في العهد المشعشعي و
ألكعبي لكاتب عربي، لا أعرفه شخصيا.
أما
))
عَرَب خائن نيست...((
فهو في طريقه للنشر من قبل منشورات " شاد كان" لصاحبها
محمــد جواهر كلام، آمل أن تساعدوه في التسويق و هو سينشر كذلك
المقال: " بحران هويّت قومي " إلى جانب مقالات متفرقة. هذا و
قد أرسلت مؤخراً كتاباً بالإنجليزية عن صورة العرب في الأدب
الفارسي المعاصر لأخ و زميل مثقــّف و فذ ــ و هو من جيرانكم
ــ من أجل التعريب أو التفريس إذا حالفه الوقت. و مؤلفة هذا
الكتاب هي دكتورة أمريكية متزوجة من عربي عبادا ني، أعرفهما
تمام المعرفة. هذا و ما كتبته حتى الآن في الفارسية لم يكن
شيئاً متكاملاً بسبب طبيعته و هي الرد على هذا و ذاك، الأمر
الذي يشمل ما ذكرته أنفاً، فقد رأيت الرد في بعض الأحيان أوفى
و أشفى من المكتوب المستقل و الذي سيأتي دوره بإذن الله .
8
ــ
و أما بالنسبة لاقتراحكم في مواصلة المراسلة بيننا و هل أنا
موافق على هذا أم لا، فأقول: أستغفر الله. فهذا ما أتمنّاه و
ألـّذ به، كما وأني أراه واجباً عليّ و عليكم من أجل و لصالح
ما انفردنا به و كأنما لم يترك الزمان له غير القليل مِنّا
بسبب الظروف المشار إليها سابقاً و عملية التقويض التي ما زالت
سارية بطابع لا يختلف موضوعياً عن الطابع السابق لها. فلابد
وأن نتصل بعضنا ببعض و نتآزر،لا من أجل الماضي و لا حتى الحاضر
بل من أجل
الجيل الخامس و الأجيال
المستقبلية الأخرى
،
إذا ما أبقت منها شيئاً، كارثة التفريس و طمس اللغة و الهوية و
التراث . ولم أرسل الملاصق المطبوعة المرفقة إلا لنفس الغرض،
أي المراسلة. و يعجبني هنا قول الســيد الشـــريف" الشريــف
الرضــــي " ذاك الإنسان المثقـّف السياسي اليقظ الذي عانى هو
نفسه من هـيمنة " آل بويه "، وهو:
و مـــا تنفــَع المــرءُ الشمــالُ وحيــدة
إذا فــارقــتـــها بالمـــنـــون يميـــــن ُ!
و مع هذا عندي ملاحظة و ليَ طلب في مجال المراسلة هذه.
فالملاحظة ترتبط بما يمكن التعبير عنه بالقول المعروف: " في
فمي مــاء... " و على ضوء المعنى التالي:
يـُحـدُّثني من صامت ٍ ثم ناطق ٍ و غـــمز
عيون ٍ ثم كســر حــواجب ِ !
و أما الطلب
- و أني لأقصده عن جد و أتمنى الإستجابه - و هو ألا
تهتموا بمخاطبتي بــ: " الدكتور " أو " الأستاذ " أو فلان أو
علان. إنني لا أشك في لطفكم و إخلاصكم، على إني أوثِر رفع
الكلفة إذا وافقتم، فالمهم و الصميم هو الأخذ و العطاء حول
القضية المشتركة و ما عداه لا شيء. هذا طلبي إليكم، أرجو
تلبيته، وشكرا.
9
ــ
و في نهاية هذا الفصل من الردود على كتابكم الأخوي المعنون،
أقول قد تلطّفتم عليّ بطلب صورة فوتوغرافية لي. أرجو الإمهال
حتى يلتقط لي أخ عربي مصوّر
- أقصد السيــّد: شارلي الفلسطيني ! - صورة فأرسلها
لكم بكل تقدير.
الفصل الثاني: على هامش الردود
أيها الأخوة الأعزاء: أورد هنا بعض الآراء لكي أعبــّر باختصار
عمـّا يجيش في صدري و كأنما فاتحة المراسلة بيني و بينكم هي
خاتمتها، لا سمح الله .
أولاً
: إن
قضيـّتنا مـُعقـّدة و قد أصبحنا منفردين بها حتى في إطار إيران
ذاتها لأن لنا ظروفاً تختلف تماماً عن ظروف غيرنا . و على سبيل
المثال: لا يعيش أحد غيرنا على بحور من نفط و غاز و مياه حلوة
و ثروات طبيعية أخرى كالأسماك و التمور. كما و إننا ننتمي إلى
أمــة عربية لا تقل عن مئاتٍ من الملايين البشرية بالرغم من
إننا لا نـُحصّل من أي فصيل ٍ منها على المساعدة الموضوعية.
لابد أن ندرك هذا الظرف بكل سلبياته ( و إيجابياته ) لكي لا
نـُسِرف في الطموح و التفاؤل من ناحية و في معالجة الأمر من
ناحية أخرى. كما و علينا أن نتـّعِظ بما حدث لإخوتنا المناضلين
المضطهدين الفلسطينيين و الضرب لآخر من الإخوة، أعني الأكراد
في تركية و سورية و العراق و إيران. ولابد أن نتأمل فيما قاله
المتنبي : "إذا عَظـُمَ المطلوب قـلّ المُـساعـِد ".
ثانياً
:
علينا أن نسير إلى الأمام خطوة بعد خطوة ، بعيدين عن النزعات و
النـَعـَرات" الخطابية " ألبحته و الانخراط في الأفكار الثورية
و البهلوانية المحضة التي لا يمكن تحقيق شعاراتها حتى على
القرطاس ، ناهيكم عن تجسيدها في( دشت عبـّاس
(
، على سبيل المثال . لـِهذا أن المُـفـضـّل هو تقبيل السيف
المـُهنـّد و وضعه محترما مكرّما في " غمده " لكون الظروف
الراهنة من الناحية المحلية و الدولية غير مواتية لبريق السيوف
و الرهان عليها. لا لكل " إرادة " ، هناك "قدر" يستجيب و ما
نال من " ليلاه" كل من غنـّى لها و تمنـّاها. إن البديل
الواقعي هو سـلّ القلم و قراءة الكتاب و تكريس الجهود أدبياً و
ثقافياً و إعلامياً و في إطار دبلوماسي مـَر ِن و مـُحـنـّك من
أجل التثقف و التمسك بلغتنا و من خلالها التشبّث بعروبتنا و
تأكيد هويـّتنا. إنه إذا قـُضيَ على الأولى فسوف لا يبقى من
ركيزة، بالنسبة للثانية و إذا قـُضيَ على كلتيهما، لا يبقى
مـنّا إلا جذوع مُـجـرّدة بغض النظر عن طولها و قيامها " كوجود
" بلا ثمرة و" حياة ". و بالتالي فيمكن و يحق تكرار نعي و نعت
نــصر بن ســيـّار-
و إلى بني أمـيـة في خراسان الكبرى- " على الإسلام و
العرب السلام ".
و قد تنفـّـستُ الصعداء و عمــّتني الفرحة حينما وردتني قبل
أشهر رسالة من أحد الإخوة
- جاركم المشار إليه سابقا - يخبرني فيها بأنه منهمك
بتأليف كتاب عن ( لغتنا ) و حثّ الجماهير بالاهتمام بها و
استخدامها يومياً و مكافحة ما سواها حـد الإمكان. و أؤكد أيها
الإخوة إنّ الاهتمام بالعربية التقليدية، وليس بالضرورة
الفصحاء، على مستوى الفرد و الأسرة لابد و أن يتـّسم بقيم "
النخوة " و الغيرة و الحمية و العصبية ( إلى الّلغة ) و الشرف.
فمن ناحية مرحلية و هي المرحلة التي نمر بها حالياً، العربية
كلغة هي أهم و أعظم من العروبة كعقيدة و كـ "أيدلوجية". ولهذا
نفسه نحن حريصون بأن يصفونا " عرب " و ليس " عرب زبان " و ما
حيلتنا إذا افتقدنا حتى هذا " الزبان " و صرنا " عرباً فارسي
زبان!؟" فما يبقى لنا ما نـُحسد عليه، بل كلما يبقى هو ما
يُحزن عليه و يُرثى له ولا فائدة بالحُزن و الرثاء حتى إذا
كانت القصائد مؤلفات من ألاف البيوت و معلقات على الجذوع التي
أشرت إليها سابقاً أو على الجسور المُعلـّـقة و غيرها.
إنّ سياسة النظام البهلوي كانت منذ بدء التقويض تتمحور حول
التفريس اللغوي و استمرت في نفس الاتجاه. فالمعركة هي لم تكن
معركة حدود و لا جذور بل معركة لغة قبل كل شيء. و في الحديث
الشــريف: " لم تكن العـــربيـــة بأحــدٍ منكم من أب ٍ و أم،
فمن تكلّم بالعـــربيــة فهو عـــربــي " خير مصداق ٍ لما نحن
فيه.
ثالثاً
:
حسب إطلاعي هناك بعض الأفراد من الإخوة في المهجر مهتمين
بقضيتهم بالمعنى الثقافي و الأكاديمي الموضوعي و هم من الجيل
الرابع ، جيل الثورة ، الذي أشرت إليه سالفاً . إنهم يقومون
بواجبهم و بما أمكنته أيديهم. كما أن بعضهم يمارس التأليف و
الإعلام بالعربية أو ينهمك بأطروحته لشهادة الدكتوراه باللغة
الألمانية عن الحكم المشعشعي الساطع. فهؤلاء هم من عناصر
النواة المستقبلية المؤثّرة، نعتز بهم و ندعو الله لهم بمزيد
من التوفيق، على أنهم يفتقرون إلى المادة اللازمة للتنويه
بقضيتهم. كما و أن بعضهم أصبح بعيداً عمّا يحدث يوميا في
جانبكم فيصاب بشيء من العُزلة، لا ذنب له فيها.
|